شهدت الساحة القضائية خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، صدور سلسلة من الأحكام القضائية الغليظة بحق عشرات السجناء السياسيين، ما أثار ردود فعل حقوقية واسعة، لا سيما مع شمول هذه الأحكام أطفالاً لم يتجاوزوا السن القانونية. وتوزّعت الأحكام بين السجن المؤبد والمشدّد، وصدرت عن دوائر قضائية متخصصة في قضايا الإرهاب، استناداً إلى تحرّيات أمنية وصفتها منظمات حقوقية بأنها "تفتقر إلى الأدلة المادية الملموسة"، بحسب رصد منظمات حقوقية محلية.
في مجمع محاكم بدر شرق العاصمة القاهرة، أصدرت الدائرة الأولى (إرهاب)، الاثنين 22 ديسمبر 2025، حكماً بالسجن المؤبد (25 عاماً) بحق ثمانية سجناء سياسيين، والسجن المشدّد لمدة 15 عاماً بحق ثمانية آخرين. وجاءت هذه الأحكام على ذمة القضية رقم 9640 لسنة 2025 جنايات الهرم، إذ وجهت المحكمة للمتهمين اتهامات تتعلق بالانضمام إلى جماعة أُسِّست على خلاف القانون وتولي أدوار تنظيمية داخلها.
وأكدت منظمة "عدالة" لحقوق الإنسان، في قراءتها للحكم، أن القضية اتسمت بطابع سياسي بحت، حيث استندت المحكمة في إدانتها إلى تحريات جهاز الأمن الوطني من دون وجود قرائن قانونية كافية أو أدلة فنية تدعم ارتكاب المتهمين أفعالاً مجرمة بعينها. وأشارت المنظمة إلى أن المحاكمة جرت أمام قضاء استثنائي يفتقر لمعايير الحياد، معتبرةً أنّ الحكم يمثل انتهاكاً لدستور مصر والمواثيق الدولية التي تكفل الحق في الدفاع والمساواة أمام القانون وافتراض البراءة حتى تثبت الإدانة بيقين لا يداخله شك.
وفي تطور موازٍ يعكس تصعيداً في الأحكام الصادرة بحق القصّر، قضت محكمة الطفل ببنها في دلتا مصر، أمس الثلاثاء، بالسجن لمدة عشر سنوات بحق طفلين، أحدهما هو محمد عماد، الذي يحمل الجنسيتين الأمريكية والمصرية. وجاء الحكم في القضية رقم 4240 لسنة 2024 حصر أمن دولة عليا، وسط اتهامات بتأسيس وقيادة جماعة إرهابية، وهي تهم وصفتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بأنها غير منطقية وتخالف صريح قانون مكافحة الإرهاب الرقم 94 لسنة 2015، الذي يُعرّف الجماعة الإرهابية بأنها مؤلفة من ثلاثة أشخاص على الأقل، بينما لم يتجاوز عدد المتهمين في هذه القضية طفلين فقط.
ووثقت المبادرة المصرية، التي تولت الدفاع عن الطفل محمد عماد، سلسلة من الانتهاكات بدأت منذ القبض عليه في 19 أغسطس 2024 من منزل أسرته أثناء قضاء إجازته الصيفية. وأوضحت أن الطفل تعرض للإخفاء القسري لأكثر من أسبوعين قبل عرضه على نيابة أمن الدولة العليا في 5 سبتمبر/أيلول 2024. وذكرت المصادر أن النيابة تعاملت مع فترة الإخفاء القسري كاحتجاز قانوني مستندة للمادة 40 من قانون الإرهاب، مع تجاهل المادة 41 التي تمنح المتهم حق الاتصال بذويه والاستعانة بمحامٍ.
واستمرت المحاكمة 35 يوماً فقط غابت عنها أدنى ضمانات العدالة، إذ لم تسمح المحكمة للدفاع بالحصول على نسخة من أوراق القضية، ولم تستجب لطلب سماع شهود الإثبات أو استجواب الطفلين، بل أنهت الدعوى دون سماع مرافعة الدفاع.
وتعرض الطفل محمد عماد لضغوط نفسية وجسدية بالغة خلال فترة احتجازه التي ناهزت 16 شهراً في أماكن غير آدمية، بالرغم من أن تقرير الاختصاصي الاجتماعي المرفق بالقضية أكّد سلامة سلوكه وأوصى بتسليمه لأهله.
وفي سياق متصل، تابعت المنظمات الحقوقية نشاط الدائرة الأولى إرهاب بمحكمة بدر، والتي لم تكتفِ بأحكام المؤبد في قضية الهرم، بل أصدرت أحكاماً إضافية في قضايا أخرى؛ ففي القضية رقم 2556 لسنة 2021، قضت المحكمة بالسجن المشدد لمدد تتراوح بين 3 و15 عاماً لمتهمين حاضرين، والسجن المؤبد لمتهمين هاربين. كما أصدرت حكماً في القضية رقم 1984 لسنة 2021 بالسجن المشدد 10 سنوات لثمانية متهمين حضورياً والمؤبد للغائبين.
بالإضافة إلى الأحكام الصادرة، قررت المحكمة تأجيل نظر 13 قضية أخرى لآجال متفاوتة، منها القضية رقم 203 لسنة 2023 التي أجلت لجلسة 14 فبراير المقبل لسماع الشهود، والقضية رقم 955 لسنة 2017 التي أجلت لجلسة 6 إبريل للمرافعة. كما شملت التأجيلات قضايا تعود لعام 2013 و2019 و2021، لمدد تتراوح بين شهري فبراير ومارس من العام المقبل، وذلك لاستكمال الإجراءات القانونية من سماع مرافعات النيابة أو إحضار الشهود.
واختتمت المنظمات الحقوقية تقاريرها بالتأكيد أن هذه الأحكام، وخاصة تلك المتعلقة بالأطفال، تعكس إصراراً على استخدام قوانين مكافحة الإرهاب في مصر كأداة للعقاب السياسي بدلاً من التصدي الفعلي للمخاطر الأمنية. وحذّرت من انهيار منظومة العدالة وتقويض الثقة في القضاء المصري نتيجة هذه الإجراءات، مطالبة بالإلغاء الفوري للأحكام الصادرة بحق الطفلين والالتزام بالمواثيق الدولية التي تحمي حقوق القُصّر وتضمن لهم محاكمات عادلة.