بقلم: رولا أديب السيد

في الكثير من البيوت، لا يُسمَع صوت الطفل كما هو، بل كما ينبغي أن يكون وفق تصور الكبار عنه. يُعاد تشكيل طباعه، وتُقاس مشاعره، وتُوزن ردّات فعله بميزان لا يشبهه. وكأن الطفولة مشروع ضبطٍ وتعديل، لا رحلة اكتشاف ونمو. وبين نيّات تربوية حسنة، وخوفٍ مبالغ فيه، ورغبةٍ في “تهيئته للحياة”، يُهمَل أحيانًا جوهر الطفل الحقيقي… ذلك الجوهر الذي لا يحتاج إلى تشذيب بقدر ما يحتاج إلى فهم، واحتواء، ومساحة ليكون نفسه دون ضغط أو مقارنة.

التربية في جوهرها ليست محاولة لتغيير الطفل، بل لفهمه. ليست لتطويعه، بل لمساعدته على استثمار إمكاناته الفطرية. لكن ما يحدث في الواقع أن الطفل كثيرًا ما يُقاس بمعايير جاهزة، وبتصورات متوارثة، وبمخاوف لا تخصّه. فيبدأ في التشكّل وفق ما يريده الكبار، لا وفق ما هو عليه فعلًا.

وهكذا تُمارَس عليه ضغوطٌ صامتة، كلّها تختلف في الشكل، لكنها تتفق في الرسالة: "أنت لا تكفي كما أنت".

وهنا تبدأ التشوّهات التربوية.. إليكم يا سادة بعض نماذج من الضغوط التربوية على الأطفال،

الطفل الخجول يُطالَب بأن يكون منفتحًا، وكأن طبعه خطأ.

والطفل الجريء يُوبَّخ ليهدأ، وكأن حيويّته فائضٌ مزعج.

الطفل الحساس يُعتبَر أنّه “يبالغ”، وكأن عمق الشعور تهمة.؟

الطفل النشيط يُحتجَز في خانة “المشاغب”، والطفل الهادئ يُخشَى عليه من “الانسحابية”.

الطفل كثير الأسئلة يُسكَّت، والطفل قليل الكلام يُسحَب إلى الحديث قسرًا.

الطفل المبدع يُقَلَّم خياله ليطابق القالب، وكأن الإبداع فوضى يجب السيطرة عليها.

الطفل الاجتماعي يُلام على كثرة علاقاته، والانطوائي يُتَّهَم بالعزلة حتى عن ذاته.

الطفل الذي يشعر بسرعة يُطلب منه “التماسك”، والطفل الذي لا يُظهر مشاعره يُوبَّخ لأنه "لا يشعر".

المشكلة ليست في الطفل… بل في طريقة النظر إليه

هذه التناقضات ليست مجرد مواقف تربوية عابرة، بل رسائل تتسرب ببطء داخل الطفل، لتخبره أن صفاته الأصلية “خطأ”. فيبدأ بمحاولة إخفاء طباعه، وتغيير مشاعره، وتمثيل دورٍ لا يشبهه… فقط ليكون مقبولًا.

وهذا تمامًا ما يصنع: طفلًا خجولًا يحمل شعورًا بالذنب تجاه هدوئه،

وطفلًا جريئًا يشعر أن وجوده عبء،

وطفلًا حساسًا يفقد الثقة بحدسه،

وطفلًا مبدعًا يخاف من خياله،

وطفلًا هادئًا يظن أن الهدوء نقص،

وطفلًا نشيطًا يربط الحيوية بالسلوك السيئ.

فيكبر الأطفال وهم لا يعرفون أنفسهم جيدًا… فقط يعرفون النسخة التي كان يجب أن يكونوا عليها.

ولادة الذات المطلوبة، وضمور الذات الحقيقية، وهكذا.. تنشأ داخل الطفل ذاتان: ذات حقيقية تحمل فطرته، صوته الداخلي، مشاعره، وطاقاته الأصلية.

وذات مطلوبة صُنعت لتُرضي توقعات العائلة والمجتمع.

ومع الوقت، تتقلّص الذات الحقيقية ليكبر القناع الاجتماعي - ليس لأن الطفل اختاره، بل لأن البيئة طلبته منه. وهنا يظهر السؤال التربوي العميق: لصالح مَن يحدث هذا القمع؟

لصالح نمو الطفل؟

أم لصالح راحتنا نحن الكبار؟

أم لصالح صورتنا أمام الآخرين؟

الأهل، المدرسة، المجتمع، الخطاب الديني، الإعلام.. كلها تشارك - بحسن نية غالبًا - في تشكيل الطفل بطريقة لا تعكس ما يحتاجه، بل ما يُنتظر منه.

ولذلك، تظهر آثار هذا النمط في الكبر: خوفٌ مزمن من الرفض، تردد، بحث دائم عن الرضا الخارجي، ومسارات حياة صُممت لإرضاء الجميع… إلا الطفل نفسه.

وقبل الحديث عن "المربي الذي نحتاجه".. نتأمل من هو المربي فعلًا

المربّي ليس شخصًا يوجّه وحسب… بل هو بيئة كاملة يمشي الطفل داخلها.

هو المناخ الذي يتنفسه الطفل، والمرآة التي يرى فيها نفسه، والصوت الأول الذي يخبره: "مكانك هنا، كما أنت".

المربّي الحقيقي: ليس كاملًا… لكنه واعي.

ليس الأكثر معرفة… لكنه الأقدر على الإصغاء.

لا يفرض شكله على الطفل… بل يرى شكل الطفل الحقيقي.

يفهم أن وراء السلوك قصة، ووراء الصمت رسالة، ووراء الخطأ حاجة لم تُلبَّ بعد.

وهو قبل أن يوجّه، يسأل نفسه: هل هذا من أجل الطفل… أم من أجل مخاوفي؟

هل أطلب ما يناسبه… أم ما يناسب صورتي أمام الآخرين؟

بهذه الرؤية، يصبح المربي مساحة أمان لا مساحة حكم، وجسرًا نحو الذات… لا جدارًا يحجبها.

إن المربّي الذي نحتاجه ليس من يصنع قوالب جاهزة، بل من يصنع مساحة آمنة.

مساحة يُسمَع فيها الطفل، لا يُعاد تشكيله.

يُفهم فيها، لا يُدان.

يُشجَّع فيها، لا يُقارن.

هذا المربي يبدأ من الاستماع العميق: استماع يفتح للطفل روايته الداخلية، ويحوّل الأسئلة إلى فرص، والأخطاء إلى جسور، والمشاعر إلى لغة محترمة.

ومع هذا الوعي، تتحول البيئة التربوية إلى مساحة تنمو فيها الحياة: لا أوامر صارمة، بل قواعد مفهومة.

لا قوالب جاهزة، بل فضاءات مفتوحة.

لا مقارنة، بل احتفال بالاختلاف.

لا صوتًا يُفرض، بل صوتًا يُكتشف.

فعندما نحمي الذات الحقيقية… نصنع إنسانًا قادرًا على أن يعيش الحياة، لا أن يختبئ منها.

ونربّي طفلًا يعرف نفسه، ويحترمها، ويثق بها، طفلًا لا يُصنع على مقاس المجتمع، بل على مقاس روحه.