بقلم: محمد عبده
الشجاعة: هي جرأة القلب وقوة النفس عند مواجهة الأمور الصعبة.
في بعض المواقف تكون حاجة الإنسان إلى شجاعة الآخرين ومساندتهم له أشد من حاجته إلى الطعام والشراب، بل ومن متع الحياة جميعًا، خاصةً إذا كان هذا الشخص ضعيفًا لا يستطيع دفع أذًى لحق به، أو ضرٍ مسَّه، أو ظلمٍ لا يستطيع رفعه، وهو في هذه الحالة يأمل في نصرة من حوله، وإعانته على رفع ما وقع عليه من ظلم، أو دفع ما نزل به من أذى، أو مساعدته حتى يتجاوز محنته.
وفي بعض الأحيان تجد البعض متعاطفين مع قضيةٍ ما، يشعرون بمأساة أصحابها، ويألمون لآلامهم، بل ويُشاركونهم مصابهم وأحزانهم، غير أنهم لا يقدرون على مواجهة من ألحق بهم هذه الآلام، وأنزل بهم هذه المأساة، وأحيانًا يُساعدون أصحاب القضية خُفية وسرًّا؛ خوفًا من انقلاب الدائرة عليهم أو أن يلحق بهم بعض الأذى جرَّاء صنيعهم.
من هنا نقول: إن خلق الشجاعة والإقدام من أخلاق الكبار الذين لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يخشون أحدًا في قول الحق مهما كانت العواقب والنتائج.
لماذا الشجاعة والإقدام من أخلاق الكبار؟
لأن الشجاعة تعني قول الحق ولو على النفس أو الأقربين، وهذا لا يكون إلا من الكبار الذين تغلَّبوا على أنفسهم، فلا يهابون أحدًا ولا يخافون أحدًا.
ولأن الشجاعةَ أيضًا تعني قبول الحق والاعتراف بالخطأ وعدم التمادي فيه أو الإصرار عليه، وهذا أيضًا لا يكون إلا من الكبار.
ولأن الشجاعة تعني التصدي للمصاعب ومواجهة الموت دون خوفٍ أو تردُّد أو اهتزاز، وهذا لا يكون إلا من الكبار الذين آمنوا بالقضاء والقدر؛ فلن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم.
ولأن الشجاعةَ تعني في بعض الأحيان التضحية بالنفس أو المال، وهذا أيضًا لا يقدر عليه إلا الكبار الذين اتصفوا بالشهامة والجرأة ومناصرة الحق مهما كانت العواقب.
في المقدمة
والرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- يأتي في مقدِّمةِ أكثر الناس شجاعةً، وأكثرهم جرأةً وإقدامًا؛ حيث جاء في الحديث عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ: "لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا" وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ فَقَالَ: "لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا" أَوْ: "إِنَّهُ لَبَحْرٌ"(1).
ويؤكد هذا المعنى علي رضي الله عنه فيقول: كنا إذا اشتدت البأساء (الحرب) احتمينا برسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فما يكون أحدٌ منا أقرب إلى العدو منه.
ويقول البراء- رضي الله عنه-: ولقد كنا إذا حَمِيَ البأس نتَّقي بالرسول صلى الله عليه وسلم، وإن الشجاع الذي يحاذي به(2).
وحين حدثت بعض القلاقل في صفوف المسلمين، وفرَّ عددٌ كبير منهم، وقتل وأصيب آخرون في غزوة حنين، ثبت النبي- صلى الله عليه وسلم- ثبات الجبال الرواسي؛ لا يتزحزح، يُنادي بأعلى صوته: "أنا النبي لا كذب، أنا بن عبد المطلب" فبشجاعته وصلابته عادت الشجاعةُ إلى الصحابة والتفوا من حوله يقاتلون عدوهم.
دليل نفاق
إذا كان الكبار مشهودًا لهم بالإيمان بتمكُّن هذا الخلق العظيم من نفوسهم، فهم لا يهابون الموت، ولا يخشون الردى، ويحملون أرواحهم على أكفهم فيقاتلون في شجاعة وإقدام؛ لا يخشون في الله لومة لائم، فإن الخوف والجبن هو من أهم صفات المنافقين الذين يخشون الموت، ويهابون القتال خوفًا على حياتهم، وخورًا وجبنًا من عدوهم، ولهذا وصفهم الله هذا الوصف الدقيق ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73)﴾ (النساء).
شجاعة في الدعوة
الشجاعة لا تعني عند الكبار ساحات القتال، وحلبات المصارعة، وإن كان ذلك من أبرز معالمها، ولكن شجاعةَ الكبار لا تُفارقهم في دعوتهم؛ فهم يقولون الحق ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لا يخافون في ذلك لومة لائم، ويحتسبون الأذى عند الله، فيطلبون منه الأجر والثواب؛ فهم لا يُطيقون أن يُعصى الله في حضرتهم دون أن يسعَوا إلى نهي العاصي وزجره.
عَنْ عَائِشَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: "مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ حَتَّى يُنْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ اللهِ فَيَنْتَقِمَ للهِ"(3).
والشجاعة في مجال الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا غنى عنها؛ لأن الخوف يعني وقوع المعاصي والآثام وفتنة الناس.
تخيَّل معي رجلاً يمشي بين الناس بالنميمة، كم من الخراب سيلحق بعلاقات الناس ما لم يُنهَ عن ذلك، وتخيَّل معي رجلاً يرابي في أموال الناس فسيُعرِّض ماله للمحق لا محالةَ ما لم ينذره أحد، وتخيَّل معي رجلاً ذا شكيمةٍ وقوة يستطيل على خلق الله بقوته وعنفوانه، كم من الضرر سيقع على مَن حوله إذا لم يأخذ على يديه أحد، وتخيَّل معي رجلاً آتاه الله مالاً سُلط على هلكته في الحرام ونشر الحرام، كم من المنكراتِ والآثام ستُرتكب ما لم يتشجَّع البعض وينصحون هذا الرجل.
يُروى أن العز بن عبد السلام قال مرةً لسلطان مصر (نجم الدين أيوب)، وكان في مجلسٍ حافل برجال الدولة:
- يا أيوب!!.. ما حجتك عند الله إذا قال لك غدًا: ألم أبوِّئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟
- فقال: هل جرى هذا؟
- فقال: نعم.. الحانة الفلانية يُباع فيها الخمور، وتُستباح فيها المنكرات، وأنت تقلَّبت في نعمة هذه المملكة!!
- فقال: هذا أنا ما عملته، هذا من زمان أبي!!
- فقال العز بن السلام: أنت من الذين يقولون: "إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا على آثارهم مقتدون"؟.
فرسم السلطان بإبطالِ تلك الحانة وإغلاقها.
سيد الشهداء
ومن أنواع الشجاعة التي يتمثَّلها الكبار ويُحافظون عليها قولهم الحق، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لولي الأمر الجائر، والذي يهابه الناس ويخافونه، وأحيانًا يُداهنونه اتقاءً لظلمه وفحشه، من أجل ذلك كان واعظ الأمير أو ولي الأمر الجائر مع سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب إذا قُتل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمامٍ جائر فأمره ونهاه فقتله" (4).
الاعتراف بالخطأ
قد يكون المرء محاربًا جَلِدًا جسورًا؛ لا يهاب الموت في ميادين القتال، ولا يخشى مصارعة الآخرين، ولا يأبى بمكرهم وبأسهم، ولكنه لا يملك من الشجاعة ما يواجه به الآخرين حين خطئه، فتراه يتهرَّب ويراوغ ولا يعترف؛ فهؤلاء لا يرجعون ولا يعودون إلى الحق متى ظهر لهم.
أما الكبار فهم أسود في ميادين القتال، وشجعان في قبول الحق والرجوع إليه؛ لا فرق عندهم بين هذا وذاك، ولِمَ لا وقد اعترف أبوهم آدم عليه السلام وأمهم حواء بذنبهما لما عصيا الله ربهم؟!.. ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (23)﴾ (الأعراف).
وموسى عليه السلام أخطأ فقتل نفسًا فاعترف بذنبه لربه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)﴾ (القصص).
والكبار لا يرضون أن يكونوا أقلَّ شجاعةً من بلقيس ملكة سبأ، وهي امرأة، عندما اعترفت بخطئها.. ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل: من الآية 44).
شهادة الحق
شجاعة المرء لا تكفي وحدها للحصول على حقه والظفر به، بل أحيانًا ما يحتاج إلى شجاعة الآخرين ووقوفهم بجوار الحق الذي معه حتى لا يضيع أو يُنتهك، كمَن احتاج إلى شهودٍ ليشهدوا معه على وقعةٍ بعينها قد حضروها وعاينوها بأعينهم، وبدون شهادتهم سيضيع حقه ويُهضم نصيبه.
حكى لي أحد المقرَّبين أن خلافًا ما وقع بينه وبين أحد قرنائه في العمل وهو من المسئولين فيه، والقائمين على إدارته، حاول صديقي أن يحفظ حقَّه الواضح البيِّن في هذا الخلاف فاستعان بمَن شاهدوا الوقعة، وحضروا الاتفاقات المُبرمة، إلا أنهم خذلوه جبنًا وخورًا، مُدعين أنه رئيسهم في العمل وسوف ينال منهم أو يلحق بهم الأذى، ولم يستطع المسكين أن يثبت حقه أو الحصول عليه، وصدق قول الله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 289).
من أجل هذا كانت البيعة مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على قول الحق مهما كانت الأسباب والدوافع لقول غيره، يقول عبادة بن الصامت- رضي الله عنه-: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ" (5).
والأشد حسرةً وأسى ألا يدفعهم ذلك الجبن والخوف إلى أن يكتموا الشهادة فحسب، بل إلى أن يشهدوا بغير الحقيقية، ويقولونها زورًا وبهتانًا مجاملةً لصاحب المنصب والسلطان، ولهذا جعل الرسول الكريم شهادة الزور من أكبر الكبائر، يقول- صلى الله عليه وسلم-: "...أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟!". قَالَ: "قَوْلُ الزُّورِ أَوْ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ". قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ"(6).
إقامة العدل
والشجاعة هي وسيلة الكبار لإقامة العدل وتطبيقه، إذ هو معلوم للجميع أن الجبان الخائف لا يستطيع أن ينصر مظلومًا، أو يرد حقًّا إلى أصحابه، أو حتى الجرأة بقول الحقيقة، فالعدل في حاجةٍ إلى قوة تحميه وتزود عنه وتطبقه، وتأتي الشجاعة كأهم ركائز القوة ومتطلباتها، وقد حذَّر الله تعالى عباده أن يقولوا غير الحق، أو أن يكونوا سببًا في اختلال ميزان العدالة في كل أمورهم بسبب جبنهم يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾ (المائدة).
الجبن معيبة
الجبن عكس الشجاعة، وهو طعن في مروءة الرجل وشهامته ونجدته، ومعيبة يُعاير بها الرجال بين أقرانهم، كما حدث بين عتبة بن ربيعة وأبي جهل يوم بدر، قال عتبة: "يَا قَوْمُ.. إِنِّي أَرَى قَوْمًا مُسْتَمِيتِينَ؛ لا تَصِلُونَ إِلَيْهِمْ وَفِيكُمْ خَيْرٌ، يَا قَوْمُ.. اعْصِبُوهَا الْيَوْمَ بِرَأْسِي وَقُولُوا جَبُنَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَسْتُ بِأَجْبَنِكُمْ" فَسَمِعَ ذَلِكَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: "أَنْتَ تَقُولُ هَذَا؟! وَاللهِ لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُ هَذَا لأَعْضَضْتُهُ.. قَدْ مَلأَتْ رِئَتُكَ جَوْفَكَ رُعْبًا" فَقَالَ عُتْبَةُ: "إِيَّايَ تُعَيِّرُ يَا مُصَفِّرَ اسْتِهِ...." (7).
شر الصفات
والجبن من شر الصفات التي من الممكن أن يتصف بها رجل، يَقُولُ أَبَو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "شَرُّ مَا فِي رَجُلٍ شُحٌّ هَالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ"(8).
ولهذا فالرسول كان يدعو متعوذًا من الجبن فيقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ" (9).
التعلق بالدنيا
ومن أسباب تمكُّن الجبن من نفس صاحبها التعلق بالدنيا والارتباط بها؛ فهي تقتل الإقدام في نفسه، وتُحبط محاولات الجرأة بداخله، فتدعوه إلى التخوف على مصالحه ومشاريعه، والجبن عن خوض المغامرة، يأتي في مقدِّمة ذلك الخوف على الأولاد والذرية؛ ولذلك قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ"(10).
وهي سبب يمتطيه المنافقون الجبناء حين يشتد البأس ويرغبون في الفرار والبعد عن مواطن المغرم يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا (13)﴾ (الأحزاب).
من هنا كان التحذير القرآني للمؤمنين من أن يركنوا للدنيا ويفروا من القتال في سبيل الله.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38)﴾ (التوبة).
ومن صور حب الدنيا والتعلق بها الخوف على المال من الضياع أو النقصان والرغبة في حراسته، وبالتالي التقاعس وعدم الإقدام، فيحيل ذلك بينه وبين الاستمتاع بماله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)﴾ (الأنفال).
شجاعة القرار
ومن ميادين الشجاعة عند الكبار أنهم يتخذون القرارَ الصحيحَ أيًّا كانت عواقبه، ومهما كانت التضحيات المترتبة عليه، ومن أمثلة ذلك:
1- قرار جريء من خالد بن الوليد:
ما أشدها وقعًا على الشجعان أن يُرمَوا بالجبن والخوف والفرار من ملاقاة أعداء الله، وما أصعبها على نفوس الأبطال أن ينسحبوا من ساحات القتال وميادين المبارزة، ولكن المجد الشخصي ليس مهمًّا، والمصلحة العامة أهم بكثيرٍ من المصلحة الخاصة.
سيقول البعض أني فررت، وسيقول آخرون أني جبنت، استشهد قبلي خيرة من الصحابة، لماذا لا أقاتل كما قاتل من قبلي فأموت على ما ماتوا عليه من الإقدام والجرأة والشجاعة والقوة؟! ستكون أول حالة انسحاب تُسجَّل في سجل المسلمين.
لعل كل هذا قد يدور في رأس أي قائدٍ عسكري في هذا الموقف الصعب، ورغم هذا كان القرار الشجاع "سأتخذ القرار الصحيح وإن قيل كل هذا".
إنه القائد الشجاع الذي كان لديه من الشجاعة ما تمكِّنه من اتخاذ هذا القرار دون أن يتردَّد، إنها معركة غير متكافئة؛ جنوده مُجهدون، وأعداد عدوهم أضعاف مضاعفة، فلمَ المخاطرة بهم من أجل نصرٍ قد يكون أو لا يكون؟!
ذكر في كتب السير أن عدد الروم في هذه المعركة كان مائتي ألف مقاتل مقابل ثلاثة آلاف جندي من المسلمين.
إنه قرار شجاع، مع تقديرنا لرأي صبيان المدينة الذين رُبُّوا على حُبِّ الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، رويَ أنه لما أقبل أصحاب مؤتة تلقَّاهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والمسلمون معه، ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة، فقال: "خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر"، فأُتِيَ بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه، فجعلوا يحثون عليهم التراب ويقولون: "يا فُرَّار، فررتم في سبيل الله(11).
2- وقرار جريء من أبي بكر الصديق:
يا لها من مواقف تظهر حينها شجاعة الأبطال وجسارتهم، رغم ما اتصفوا به من صفات الرقة واللين والخشوع، يقول الشيخ يوسف القرضاوي: "كان المسلمون بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم كالغنم في الليلة المطيرة، كما وصفتهم السيدة عائشة رضي الله عنها، وحتى قال بعض المسلمين لأبي بكر: "يا خليفة رسول الله.. لا طاقةَ لك بحرب العرب جميعًا، الزم بيتك، وأغلق بابك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين"، ولكن هذا الرجل الخاشع البكَّاء، الرقيق كالنسمة، اللين كالحرير، الرحيم كقلب الأم، ينقلب في لحظات إلى رجل ثائر كالبحر، زائر كالليث، يصيح في وجه عمر: "أجبَّار في الجاهلية وخوار في الإسلام؟! لقد تم الوحي واكتمل.. أفينقص الدين وأنا حي؟! والله.. لو منعوني عقال بعيرٍ كانوا يؤدونه لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم عليه، والله لأقاتلنهم ما استمسك السيف بيدي"، فما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن قال: "لقد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق" (12).
ليت المسئولين والقادة وأصحاب القرار- كلاًّ في مكانه ومركزه- يتذكَّرون تلك الشجاعة في اتخاذ القرار، فكم من مصالح للناس قد تعطَّلت لعدم اتخاذ القرار الجريء في الوقت المناسب، وكم من البيوت التي تضرَّرت وحُرمت بعض الخدمات لأن القرارَ جاء متأخرًا، وكم من الذنوب التي ارتُكبت، والحرمات التي استبيحت لأن قرار الردع والمنع قد استبطئ في تنفيذه.
شجاعة الإنفاق
جُبِلَ الإنسان على حبِّ المال وكنزه ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)﴾ (الفجر)، ويقول تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14).﴾ (آل عمران)، وهي مصدر بث الطمأنينة في نفوس صغار النفوس الذين اعتبروا المال وسيلةً لحلِّ مشاكلهم وتوسيع نفوذهم، وقد كانت الأموال سببًا في فتنة البعض كما فعلت بقارون.
وإنفاق المال والتصدُّق ببعضه شاقٌّ على النفس، وفي حاجةٍ إلى شجاعةٍ وقوةٍ نفسيةٍ كبيرةٍ لاتخاذ القرار ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّح﴾ (النساء: من الآية 129).
لهذا كان الإنفاق في سبيل الله من أعظم القربات والطاعات التي يتقرَّب بها العبد إلى الله؛ لما فيها من دلالة على شجاعة صاحبها في قرار الإنفاق دون تردُّد؛ رغبةً في المثوبة والأجر، والصدقة لها من المكانة ما لها عند الله عز وجل، يكفي بمكانتها أنه أول خاطر يخطر ببال من حضره الموت؛ لما لذلك من عظيم الأجر والثواب ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (المنافقون: 10).
والكبار ينفقون بسخاء ويُعطون بكرم، لا يمنعهم من ذلك خوف من فقر، أو قلق من نقص، بل يقتدون في ذلك برسولهم صلى الله عليه وسلم عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ.. أَسْلِمُوا؛ فَوَاللهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ، فَقَالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلا الدُّنْيَا فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الإِسْلامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا" (13).
نُصرة الضعفاء
العاطفة وحدها لا تكفي، والحب الذي لا يدفع صاحبه إلى التضحية من أجل محبوبه حبٌّ لا قيمة له، فما قيمة أن تراني أُهان وأضرب ويُهضم حقي دون أن تتدخَّل لمناصرتي والوقوف بجواري حتى أحصل على حقي؟! وما قيمة أن تجدني في ضائقةٍ ماليةٍ أو اجتماعيةٍ وتخاف أن تتورَّط فتقرضني، ويمنعك ذلك من مواساتي؟! وما قيمة أن أحتاجك في أحزاني وآلامي وخوفك من المغرم يحدُّ من مواساتك إياي؟! قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرًَا مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلا خَذَلَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلا نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ" (14).
لا نامت أعين الجبناء
الجبن والخوف لا يُطيلان عمر أحد، كما أن الشجاعة والإقدام لا يُقصِّران من عمر إنسان، بل على العكس تمامًا؛ فإن الجبن يحرم صاحبه من الفوز بمتعة المغامرة، والحرمان من بعض ملذات الدنيا، والتي لا يتحصَّل عليها المرء إلا بالشجاعة والإقدام، من أجل هذا كانت رسالة الصحابي الجليل والفارس المغوار خالد بن الوليد وهو يصف شجاعته ويلوم الجبناء أقوى على نفوس من قرأها، ودافعًا لكل من جَبُنَ وخاف، يقول رحمه الله: "والله.. لقد حضرت وقاتلت في أكثر من مائة معركة في الجاهلية والإسلام، وما في جسدي موضع شبر إلا وبه طعنة برمحٍ، أو ضربة بسيف، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".
هل يخاف الكبار؟!
الخوف المتمكِّن من نفوس الكبار هو الخوف من الله، والإشفاق من عذابه، والوجل من عقابه "وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ" (المعارج: 27) ويقول تعالى ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ (الأنبياء: 49).
أما الخوف من البشر، وأما الخوف من العبيد فلا مجال له في قلوب الكبار؛ فهم أشدُّ الناس في الحق، وأقواهم على مجابهة الباطل والتصدي له، يقول تعالى ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ (الأحزاب: 39).
الكبار يخشون من ذنوبهم، وينظرون إليها نظرة إجلال لعظمة من عصوه، وهم بذلك يستعظمون ذنوبهم وإن كانت صغيرة "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْه،ِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا" (15).
والكبار خوفهم من ذنوبهم شغل بالهم، وملأ قلوبهم،عَنْ أَنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْت، فَقَال: "كَيْفَ تَجِدُك؟"،َ قَالَ: أَرْجُو اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ وَأَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "لا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ" (16).
بناء الشجاعة
الكبار يبنون الشجاعة في قلوبهم من خلال تأكيد المعاني الإيمانية وترسيخها فيها؛ فهم يوقنون أنه لن يكون في كون الله إلا ما قدَّره الله لهم، وأن الخوف أو التقاعس أو عدم الجرأة والإقدام لن يمنعوا قدرًا قد كتبه الله على عبد "وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللهِ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ" (17).
والكبار يوقنون أن مؤثرات الخوف والجبن كلها وهمية لا حقيقية، وأن مصدر هذا الخوف هو الشيطان الذي يحاول بثَّ الخوف والرعب في الصدور؛ بغية القعود وعدم الإقدام والحرمان من الأجر والمثوبة، ولهذا كان التحذير الرباني ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (عمران: 175).
والكبار يبنون الشجاعة في نفوسهم من خلال ممارسة الرياضة، والتدريبات العملية، وتعلُّم فنون القتال والفروسية والسباحة والرماية؛ حتى تكون شجاعتهم عن ثقة ويقين في قدراتهم وإمكانياتهم.
والكبار يبنون الشجاعة في قلوب المحيطين بهم من خلال تقديمهم القدوة الحسنة، فلا يخفى عليهم ما كان لشجاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من تأثير مباشر على بثِّ الشجاعة في قلوب الصحابة كما كانوا يقولون إنهم كانوا يحتمون برسول الله إذا اشتدَّ البأس، وإنه كان أقربهم إلى العدو.
والكبار يبنون الشجاعة والإقدام في نفوس من حولهم من خلال التحفيز وإثارة روح التنافس والتضحية ومكافأة الأشجع، كما كان يُشجِّع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يقول النبي الكريم "مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ" (18).
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي سَبْعَةٍ مِنْ الأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا رَهِقُوهُ قَالَ: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ"، أَوْ "هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّة" فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ اْلأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا فَقَالَ: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ" أَوْ "هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّة" فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَة،ُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَاحِبَيْهِ "مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا" (19).
ويوم الأحزاب يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه تحفيزًا لهم "أَلا رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (20).
فارق بين موقفين
هناك مواقف تظهر فيها شجاعة الرجال، ومواقف أخرى تُظهر جبنهم وضعفهم، وبين هذه وتلك يتمايز الرجال، فتشهد أن هذا بطل مغوار، وهذا خائر جبان، فريق لا يخشى ملاقاة عدوه، وفريق ترى الرعب في عينيه، والخوف ملأ قلبه متى كان الحديث عن الجهاد.
الموقف الأول: أمر نبي الله موسى قومه أن يدخلوا الأرض المقدسة ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (المائدة: 21).
"ولكن جبلة يهود لتبدو هنا على حقيقتها، مكشوفةً بلا حجاب ولو رقيقٍ من التجمل؛ ذلك أنهم أمام الخطر؛ فلا بقية إذن من تجمل، ولا محاولة إذن للتشجع، ولا مجال كذلك للتمحل. إن الخطر ماثل قريب، ومن ثم لا يعصمهم منه حتى وعد الله لهم بأنهم أصحاب هذه الأرض، وأن الله قد كتبها لهم؛ فهم يريدونه نصرًا رخيصًا، لا ثمن له، ولا جهد فيه.. نصرًا مريحًا يتنزَّل عليهم تنزُّل المن والسلوى!" (21).
﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (21) قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ (22) وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: 21- 23) وهكذا ظهر جبنهم وضعفهم.
والموقف الثاني تجسَّدت فيه الشجاعة في شخص المتحدث باسم الأنصار، الصحابي الجليل سعد بن معاذ، الذي قال في مشهدٍ تظهر فيه معادن الرجال وصلابتهم في غزوة بدر: "لعلك يا رسول الله تخشى أن لا تكون الأنصار يريدون مواساتك، ولا يرونها حقًّا عليهم، إلا بأن يروا عدوا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم. وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم يا رسول الله، فاظعن حيث شئت، وصِلْ حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذتَه منا أحبُّ إلينا مما تركتَ علينا، وما ائتمرت من أمر فأمرنا لأمرك فيه تبع، فوالله.. لو سرت حتى تبلغ البرك من غمد ذي يمن لسرنا معك"، فلما قال ذلك سعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيروا على اسم الله عز وجل، فإني قد أريت مصارع القوم". (22).
وجسَّدها المقداد بن الأسود كما جاء في البخاري عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ مَشْهَدًا لأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ. أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: "لا نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾، وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ" فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ يَعْنِي قَوْلَه(23).
بين الشجاعة والغلظة
وفارق كبير بين الشجاعة والإقدام والتجهُّم والغلظة؛ الأولى مطلوبة، والثانية مرفوضة؛ لذا فالواجب على كل من يتصدَّر لعمل دعوي أن يُفرِّق بين الشجاعة والغلظة؛ ذلك أن البعض يتصوَّر أن الغلظة والجفاء والفظاظة والشدة من الشجاعة التي يجب أن يجابِه بها الآخرين، والحقيقة أن هناك فارقًا كبيرًا؛ فالشجاعة أن تقول كلمة الحق غير مبالٍ بعواقبها من البلاء، ولا يمنع ذلك أن يقول كلمة الحق برفق ولين وحكمة﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125).
دخل واعظ إلى أبي جعفر المنصور وأغلظ عليه في الكلام، فقال أبو جعفر للواعظ: يا هذا.. ارفق بي، أرسل الله سبحانه من هو خير منك إلى من شر مني، أرسل الله موسى عليه السلام إلى فرعون فقال له: ﴿فقولا له قولاً لينًا لعله يتذكر أو يخشى﴾.
فخجل الرجل مما بدر منه وعرف أنه لم يكن أفضل من موسى عليه السلام، وأن أبا جعفر لم يكن شرًّا من فرعون.
وأخيرًا .. هل تجبن بعد اليوم أخي وها هي معارك الحق بدأت تلوح في وجه الباطل؟! وهل ستستمع إلى المنادي: يا خيل الله اركبي، يا جند الله أجيبوا، وبعدها تتخلَّى عن نصرة الحق؟!.
"فإن من خير معاش المرء رجلٌ آخذ بعنان فرسه يطير على متنه، كلما سمع صيحة طار إليها يبتغي الموت".
------------------
* الهوامش
1- صحيح البخاري، ح(5573).
2- دلائل النبوة للبيهقي، ج5، ص197.
3- صحيح البخاري، ح(6347).
4- المستدرك على الصحيحين للحاكم، ح(4872).
5- صحيح مسلم، ح(3426).
6- صحيح البخاري، ح(5520).
7- مسند أحمد، ح(904).
8- سنن أبي داود، ح (2150).
9- صحيح البخاري، ح (2610).
10- سنن بن ماجه ح(3656)
11- السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص 469
12- الإيمان والحياة بتصرف
13- صحيح مسلم4276
14- سنن أبي داود4240
15- صحيح البخاري 5833
16- سنن بن ماجه4251
17- سنن أبي داوود ح(4077)
18- صحيح البخاري ح(3978)
19- صحيح مسلم ح(3344)
20- صحيح مسلم ح(3343)
21- في ظلال القرآن ج2ص 344
22- دلائل النبوة للبيهقي ج3 ص113
23- صحيح البخاري ح (3658)
----------------