موسى الجزائري- الجزائر
السلام عليكم.. سؤالي يتمحور حول قضية طالما حيرتني، وهي كالتالي: أنا شاب تخرجت في كلية العلوم الإسلامية؛ أي أنني حاصل على شهادة الليسانس تخصص شريعة وقانون، وتفكيري في أغلب الأوقات يتمحور في دعوة الناس عامةً إلى الله ومجموعة من الشباب خاصةً في الأخذ بيدهم وتعريفهم بفكر الإخوان التي اقتنعت به في الجامعة.
حتى الآن كل شيء على ما يرام، إلا أن مشكلتي هي فشلي الدائم في استيعاب مجموعة خاصة من الشباب، وكنت دائمًا أبحث عن السبب في ذلك، ووجدت مؤخرًا أن السبب الرئيسي في هذا الفشل هو العلم؛ حيث وجدت نفسي لا أمثِّل فعلاً شابًّا حاصلاً على الشهادة المذكورة سابقًا، وأنا الآن في حالة إحباط وفتور كبير عن العمل، وكذلك أندم على الأيام التي كنت فيها في الجامعة، والتي لم أستغلها كما ينبغي في طلب العلم.
أريد حلاًّ لهذه المشكلة.. بارك الله فيكم.. وخالص دعائكم.
يرد على هذه الاستشارة: أحمد صلاح
أخي الكريم..
يبدأ طريق النجاح بالرغبة في تحقيق النجاح والإرادة في الوصول إليه مهما كانت العقبات ومهما شعر صاحبها بأن إمكاناته أضعف من أن تحقق ما يريد، إذا ما تسلح بالإصرار والإيمان والتوكل على الله.
ورسالتك البسيطة رغم ما تحتوي عليه من ألم بسبب شعورك بالفشل في الدعوة؛ فإني أرى أنها تحمل في طياتها عوامل النجاح بإذن الله.
أخي الكريم..
تعلمت من دراستي للرياضيات جملةً كثيرًا ما أتذكرها عندما أضع في خطتي أسباب نجاح أمر أقدم عليه؛ هذه الجملة هي: "شرط ضروري ولكنه غير كافٍ".
هذه الجملة كثيرًا ما كانت تتردَّد في المحاضرات على لسان المحاضر، عندما يوضح لنا أن القانون الفلاني ضروري للاستنتاج المطلوب، ولكنه لا يكفي وحده للوصول إلى ما نريد، والعلوم الشرعية شرط ضروري في الدعوة لا غنى عنه بأي حال، إلا أن الخطأ الذي يقع فيه الكثير هو اعتقادهم بأنه شرطٌ كافٍ لتأهيل داعية ناجح قادر على جذب الناس والتأثير فيهم والقدرة على تغييرهم.
لقد أثبتت التجارب غير ذلك..
البعض من الدعاة الأقل علمًا والأقل حصولاً على الدرجات العلمية في مجال العلوم الشرعية، نجحوا وتفوقوا في عالم الدعوة على دعاة آخرين تفوقوا في دراساتهم الشرعية، ولكن هذا النجاح لم يوازِه نجاح آخر في لفت انتباه الناس وجذبهم إليهم والتفافهم حولهم وحول ما ينادون به من أفكار.
ليس معنى هذه التقليل من شأن العلوم الشرعية ولا بخس حق من يقومون بالبحث والتنقيب في تلك العلوم، ولكن الدعوة تحتاج إلى حد معين من العلوم الشرعية لا غنى عنه لأي داعية، بالإضافة إلى عوامل أخرى تجعل من الدعوة فنًّا، وتصنع من الداعية شخصيةً فريدةً قادرةً على جمع القلوب وجذب الناس والتأثير فيهم.
تعالَ أخي الكريم نفنِّد معًا العوامل التي يحتاجها الداعية للوصول إلى الناس بفكرته:
1- الفهم والثقافة ولغة الحوار..
يمثل فهم الداعية لأصول دعوته وكيفية عرضها على الآخرين ببساطة ووضوح، بما يتناسب مع ثقافة الفئة المعروض عليها الدعوة، وبما يناسب أولويات الدعوة والحياة، وبما يتوافق مع الواقع ويتماشى مع احتياجات الناس، عنصرًا مهمًّا وأساسيًّا لأي داعية ناجح؛ فالداعية الذي يعتبر أن الدعوة مجرد تفريع لكتب قرأها أو شرائط كاسيت سمعها، وعلى الناس أن ينصتوا إليه وينفِّذوها كما سمعها هو ونفَّذها؛ يكتب على نفسه أول خطوات الفشل في طريق الدعوة؛ لأنه لا يدرك حقيقةً ثابتةً اسمها اختلاف الناس، ويصر على أن يعتبر الناس مثله يفهمون كما يفهم ويشعرون كما يشعر.. صفاته صفاتهم وعيوبه عيوبهم!!.
الداعية غير الموفق هو الذي يقول أي كلام في أي وقت استنادًا لمنطق تفريغ الكتب والشرائط.
الداعية الناجح هو الذي يسأل نفسه قبل أن يبدأ كلامه:
ما هو الحديث الذي يناسب هذا الشخص الآن؟
كيف يفكِّر هذا الشخص؟ وكيف أجري معه عملية اتصال ناجحة تنقل له أفكاري بما يتناسب مع شخصيته وأفكاره؟
ما وسيلة المناسبة التي أنصح بها هذا الشخص لتصحيح خطئه أو تغييره للأفضل؟
الإجابات الصحيحة عن هذه الأسئلة لن يستطيع الإجابة عنها إلا داعية درس بجانب العلوم الشرعية شيئًا من علم النفس وخصائص المراحل السنية للشرائح العمرية المختلفة، ويكون قد اطَّلع على بعض فنون الاتصال والحوار الجذاب، وله باعٌ في القراءة والثقافة العامة؛ ما يجعله قادرًا على التواصل مع نوعيات مختلفة مع الناس والحديث معهم بلغة واقعية بسيطة، تنقل إليهم الإسلام بسلاسة، وتشعرهم أن هذا الداعية إنما هو شخص منهم يحتاجون إليه في أحاديثهم كما يحتاج المريض إلى الطبيب والتلميذ إلى الأستاذ، إنه شخص مفيد نافع متفاهم ومثقف ومدرك لما يقول.
2- صفات الشخصية الجذابة..
لا يمكن أن ينجح الداعية ويلتف الناس حوله وحول دعوته؛ إلا إذا كان يتمتع بحد أدنى من مواصفات الشخصية الجذابة، وليس المقصود بمواصفات الشخصية الجذابة أن يكون وسيمًا ذا شَعر ناعم وعيون ملونة، وإنما المقصود بالشخصية الجذابة أن يكون شخصيةً يعلم فنون التعامل مع الآخرين؛ تعلو وجهه البسمة، ويتزين بالرفق في التعامل، ويتسلَّح بالرجولة والحزم في المواقف الصعبة، شخصية مثقفة متزنة قادرة على حلِّ المشكلات ووصف طريق النجاح للآخرين، شخصية تتسم بالصبر والتضحية والإيثار والنصح الخالص لوجه الله, شخصية لا ينقصها حسن المظهر وذوقيات التعامل، شخصية تحب الناس بصدق وتحاول أن تساعدهم لوجه الله لا لمصلحة أو منفعة، شخصية تدعو الناس لأنها تحبهم لا لأنها تريد أن تتعالى أو تريد أن تفرض السيطرة عليهم، شخصية تحترم الناس وتقدّرهم وتساعدهم على النجاح وتقف معهم في الأزمات.
إن شخصيةً بهذه المواصفات لا يمكن أن يختار الناس إلا أن يلتفوا حولها ويسمعوا ما يقول صاحبها بعد أن تنفذ كلماته إلى قلوبهم قبل عقولهم.
3- القدرة على التخطيط ووضع البرامج الدعوية..
التخطيط مهارة لا تنفصل عن أي عمل ناجح، أو أي شخص يريد أن يرتبط بالنجاح، والتخطيط في معناه البسيط هو وضع أهداف واضحة المعالم نستطيع تنفيذها بوسائل في حدود الإمكانات المتاحة، والدعوة حتى إذا أخذت شكلاً بسيطًا كالخطابة وإلقاء الدروس في المسجد، تحتاج أيضًا إلى وعي لوضع أولويات الموضوعات التي تهم الناس وتتصل بالواقع، ووضع وسائل لعرضها بأسلوب سهل بسيط، وأحسب أخي الكريم أنك تتحدث عن شكل معقَّد من الدعوة، وهو: التربية؛ حيث تريد الاتصال بمجموعة من الشباب والاقتراب منهم، ثم التدرج بهم من مرحلة إلى أخرى في إصلاح النفس والقرب من الله، ومعرفة وتطبيق مفاهيم الإسلام وتكاليفه، وهي مهمة تحتاج إلى قدرة على الوقوف على المرحلة المناسبة لهؤلاء الشباب، ووضع البرامج المناسبة التي ترفعهم من مرحلة إلى أخرى، ثم يتبعها تنفيذ هذه الوسائل بنجاح مناسب.
أخي الحبيب..
أعرف أن ما أقوله ربما يعني للبعض مبالغةً غير مطلوبة للوصول إلى داعية ناجح، وأعتقد أن ما قلته ربما يُشعر البعض بأن الموضوع صعب وشاقّ، وأنا أنكر المبالغة الأولى، وأؤكد على الصعوبة الثانية، ولكني أجزم معهما أن من يريد أن ينجح سينجح، وإن الدعوة إلى الله والتي تعد أشرف مهمة على ظهر الأرض، تحتاج إلى علم ودراسة أوسع من دراسة العلوم الشرعية وحدها.
أخي الكريم..
نحن نتحدث عن مهمة من شأنها أن تغير الأفكار والنفوس ويتغير بها العالم، نحن نتحدث عن مهمة تخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عذاب النار إلى جنات النعيم، وهذا يحتاج الكثير من الوقت والجهد وتضافر الجهود بينك وبين أصحابك وإخوانك المقربين لتتعاونوا فيما بينكم لتحقيق ما يُرضي الله عنكم.
أخي الكريم..
لا تحزن.. واشحذ همتك.. وابدأ طريقك "الصعب الطويل"، لتنضم إلى قافلة: "دعاة ناجحون".