في ظل واقع إنساني مأساوي يعيشه قطاع غزة بعد عام من الحرب، تتواصل التحذيرات من تفاقم الأوضاع المعيشية والصحية في ظل منع الاحتلال إدخال المواد الأساسية لإعادة الإعمار، وعلى رأسها شبكات المياه والمأوى.
وبينما تحاول المنظمات الإنسانية، وعلى رأسها الأونروا، استعادة بعض مظاهر الحياة الطبيعية من خلال توسيع نطاق التعليم داخل مراكز الإيواء، تؤكد المعطيات الرسمية أن الحصار ما زال يخنق القطاع، مع استمرار الاحتلال في خرق اتفاق وقف إطلاق النار ومنع دخول آلاف الشاحنات الإغاثية.
وفي وقتٍ يناقش فيه وزراء خارجية دول إسلامية في إسطنبول ملامح المرحلة المقبلة في غزة، تتزايد الدعوات الفلسطينية والدولية للضغط على الاحتلال لوقف انتهاكاته وتنفيذ التزاماته، وسط تحذيرات من أن الشتاء القادم قد يفاقم معاناة مئات آلاف النازحين الذين يعيشون في العراء بلا مأوى أو مياه أو غذاء كافٍ.
قال رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية بغزة أمجد الشوا، إن قوات الاحتلال لم تسمح حتى الآن بإدخال أي مواد لإعادة تأهيل شبكات المياه.
وأوضح الشوا في تصريحات صحفية، أن معظم خيام النازحين مهترئة، مضيفًا: "نحن بحاجة لـ300 ألف خيمة لإيواء النازحين قبل دخول فصل الشتاء وموسم الأمطار".
أعلنت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عن مواصلة جهودها لتوسيع مساحات التعليم داخل مراكز الإيواء في قطاع غزة، في إطار خطة تهدف إلى إعادة العملية التعليمية تدريجيا بعد الحرب.
في حين حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" من تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، مؤكدة أن أكثر من مليون طفل ما زالوا يعانون من نقص حاد في المياه والغذاء، وأن آلاف الأطفال ينامون جياعا كل ليلة رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
تأزيم الوضع الإنساني
ووفق معطيات نشرها المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، السبت الماضي، فإن نسبة الشاحنات التي وافق سلطات الاحتلال على دخولها إلى قطاع غزة المحاصر، خلال الفترة من 10 حتى 31 أكتوبر 2025 لم تتجاوز 24% من الكميات التي نص عليها الاتفاق.
وقال المكتب في تقريره، إن إجمالي عدد الشاحنات التي دخلت إلى قطاع غزة خلال الفترة المذكورة بلغ 3203 شاحنات فقط، منها 639 شاحنة تجارية، و2564 شاحنة محمّلة بالمساعدات الإنسانية، شملت 84 شاحنة سولار، و31 شاحنة غاز طهي.
من جانب آخر، قال الإعلام الحكومي، أمس الأحد، إن جيش الاحتلال ارتكب 194 خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي.
وأوضح مدير عام المكتب، إسماعيل الثوابتة، أن هذه الخروقات شملت تجاوز الجيش لما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، ومنع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية وخيام النزوح والمنازل المتنقلة، إضافة إلى استمرار عمليات إطلاق النار والقصف والتوغل.
وبحسب الثوابتة، نص بروتوكول وقف إطلاق النار على إدخال أكثر من 300 ألف خيمة وبيت متنقل لإيواء النازحين، في ظل وجود 288 ألف أسرة فلسطينية تعيش في الشوارع والساحات العامة، إلا أن الاحتلال لم تلتزم بذلك.
وأظهرت معطيات المكتب الحكومي، تدمير الاحتلال خلال فترة حرب الإبادة نحو 90 في المائة من البنى التحتية المدنية، بخسائر أولية تقدر بـ70 مليار دولار.
وشدد الثوابتة، على أن سلطات الاحتلال تتعمد تأزيم الوضع الإنساني في قطاع غزة، حيث تمنع دخول أكثر من 6 آلاف شاحنة من الجانب الآخر لمعبر رفح، داعيا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والوسطاء إلى التدخل العاجل لإلزام الاحتلال بوقف الخروقات وتنفيذ الاتفاق بشكل كامل.
المرحلة الثانية من اتفاق غزة
يأتي ذلك فيما من المقرر أن يلتقي وزراء خارجية دول مسلمة في مدينة إسطنبول اليوم الإثنين في اجتماع يخصص للبحث في المرحلة المقبلة في قطاع غزة.
وتشارك في الاجتماع سبع دول هي تركيا والسعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة والأردن وباكستان وإندونيسيا. وسبق لزعماء وقادة هذه الدول أن التقوا ترامب في أواخر أيلول/سبتمبر على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وقال وزير الخارجية التركي حاقان فيدان الأسبوع الماضي، إن اجتماع إسطنبول هدفه "تقييم تقدمنا ومناقشة ما يمكننا تحقيقه سويا في المرحلة المقبلة"، معتبرا أن "خطة سلام بدأت تتبلور، وهي تمنح بصيص أمل للجميع".
وأكد فيدان، أن المباحثات ستتناول أسئلة من قبيل “ما العقبات أمام تنفيذها؟ ما التحديات التي يجب تجاوزها؟ ما الخطوات التالية؟ عمّ سنتباحث مع أصدقائنا الغربيين؟ وما أشكال الدعم المتاحة للمحادثات الجارية مع الولايات المتحدة؟".
قوة دولية بصلاحيات محددة
من جانبه، قال أكد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أنه يتم العمل مع الولايات المتحدة في إطار اتفاق السلام في غزة من أجل تحديد صلاحيات محددة، وتفويض واضح المعالم للقوات الدولية التي ستشارك طبقاً للاتفاق.
وأضاف في مقابلة مع شبكة "سي إن إن" الأمريكية، إنه بشكل أساسي "على هذه القوات الدولية ضمان أمن الجميع الفلسطينيين والإسرائيليين، بحيث لا يشكل أي منهما تهديداً للآخر".
وشدد الوزير القطري على أنه لا أحد يتوقع من أي قوة عربية أو إسلامية أن تطلق النار على الفلسطينيين. وقال: "نريد للسلطة الفلسطينية أن تكون الجهة الوحيدة المسئولة عن الفلسطينيين، لتتولى شئون قطاع غزة والضفة الغربية".
وأشار إلى المحادثات الجارية بين مختلف الفصائل الفلسطينية لضمان أن تكون اللجنة التكنوقراطية قادرة على الاهتمام بشؤون غزة والفترة الانتقالية.
وأكد آل ثاني أنه يجب على السلطة الفلسطينية أن تتولى السلطة في غزة والضفة الغربية بعد إجراء الإصلاحات المطلوبة، "لا يمكن فصل هاتين المنطقتين، فهما مستقبل الدولة الفلسطينية".
وبرغم انتهاء الحرب، لا يزال الفلسطينيون يعانون أوضاعًا مأساوية بسبب استمرار أزمة الجوع وصعوبة الوصول إلى المواد الغذائية الأساسية والمياه والأدوية.
وارتكب الاحتلال منذ 7 أكتوبر 2023 -بدعم أمريكي أوروبي- إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة أكثر من 238 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.