نددت منظمة عدالة لحقوق الإنسان باستمرار حبس 131 مواطناً على ذمة 14 قضية أمن دولة، فقط بسبب تعبيرهم السلمي عن دعمهم للشعب الفلسطيني ورفضهم للحرب على غزة، رغم غياب أي أدلة على ارتكابهم جريمة يعاقب عليها القانون.

جاء ذلك في بيان، اليوم السبت، أصدرته المنظمة تعرب فيه عن قلقها العميق إزاء تعنت سلطات الانقلاب.

وتظهر أوراق القضايا أن بعض المتهمين لم يتجاوزوا مناقشة فكرة الانضمام إلى "المسيرة العالمية إلى غزة" عبر أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي، ولم يشاركوا فيها فعلياً بعد غياب التصاريح الأمنية اللازمة. ورغم ذلك، وُجهت إليهم اتهامات بالإرهاب والانضمام إلى جماعة غير مشروعة في تجاوز صارخ لحقهم الدستوري في حرية الرأي والتعبير. ويُجدّد حبس المتهمين بشكل روتيني عبر خاصية الفيديو كونفرانس داخل محكمة بدر الأمنية من دون تواصل فعلي مع القاضي أو الدفاع، في انتهاك لضمانات المحاكمة العادلة. وطالبت منظمة عدالة بالإفراج الفوري عن جميع معتقلي قضايا دعم فلسطين وإسقاط الاتهامات بحقهم، مؤكدة أن استمرار احتجازهم يمثل اعتداءً على حرية التعبير والتضامن الإنساني المكفولين بالدستور والمواثيق الدولية.

 

وسلطت المنظمات الحقوقية الضوء على منهجية استهداف الأصوات الناشئة، حيث كشفت عن استمرار العام الثاني من الحبس الاحتياطي لثلاثة أطفال بسبب دعمهم لغزة ورفضهم لحرب الإبادة. وتستمر معاناة هؤلاء الأطفال الثلاثة، وهم طلاب في الصف الأول الثانوي (أحمد صلاح عويس محمود، وأسامة هشام فرج، وعبد الرحمن رجب أمين عبد القوي)، داخل حجز مركز شرطة سنورس بمحافظة الفيوم وهم رهن الحبس الاحتياطي غير المبرر على خلفية تعبيرهم السلمي عن دعمهم لغزة. هؤلاء الأطفال الثلاثة تأثروا بما شاهدوه من صور الدمار والضحايا في غزة، فعبّروا بكلمات عفوية عن تضامنهم الإنساني ورفضهم للمجازر. إلا أن الأجهزة الأمنية ردّت باقتحام منازلهم، وترويع أسرهم، ومصادرة هواتفهم المحمولة، واقتيادهم إلى أحد مقار الأمن الوطني بالمحافظة.

 

وعلى مدار 59 يوماً، تعرّض الأطفال الثلاثة لشتى أنواع التعذيب البدني والنفسي، قبل عرضهم في 28 يونيو 2024 على نيابة أمن الدولة العليا بالتجمع الخامس، التي قررت حبسهم احتياطياً على ذمة التحقيق في القضية رقم 2806 لسنة 2024 حصر أمن دولة عليا. ووُجّهت إليهم اتهامات خطيرة من بينها: الانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف أحكام القانون (إرهابية)، ونشر أخبار كاذبة بشأن معاناة الشعب الفلسطيني وحرب الإبادة على غزة، بحسب الشبكة.

 

ويأتي استمرار احتجاز هؤلاء الأطفال في ظل غياب أي مبررات قانونية أو إنسانية لاستمرار حبسهم، مما يعكس نمطاً مقلقاً من استهداف الأصوات الناشئة التي تمارس حقها المشروع في التعبير والتضامن.

وطالبت المنظمات الحقوقية النائب العام المستشار محمد شوقي بالتدخل العاجل لإنقاذ مستقبل هؤلاء الأطفال وإصدار قرار بإخلاء سبيلهم وعودتهم إلى أسرهم ومدارسهم، لضمان حقهم في التعليم والحياة الآمنة الكريمة، وفقًا للدستور المصري والاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل التي صدّقت عليها مصر.

وبحسب محامين وأسر المعتقلين؛ فإن القضايا موزعة على نحو 27 ملفاً منفصلاً، وتشمل عشرين محافظة على الأقل، ما يشير إلى طابع واسع ومنهجي في التعامل الأمني مع التظاهرات السلمية التي خرجت تضامنًا مع الفلسطينيين في مواجهة العدوان الصهيوني على غزة. وتُشير المعطيات إلى أن غالبية المعتقلين من طلاب الجامعات، وقد حُرموا على مدى عام كامل من مواصلة تعليمهم أو اجتياز امتحاناتهم، مما يهدد مستقبلهم الأكاديمي والمهني، ويضاعف الأثر الإنساني والاجتماعي للاحتجاز المطول من دون سند قانوني كافٍ. ويُتهم المحتجزون، بموجب قرارات نيابة أمن الدولة العليا، بـ"الانضمام إلى جماعة إرهابية، والتحريض على التظاهر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمشاركة في تجمهر غير قانوني، وارتكاب أعمال تخريب"، غير أن هذه الاتهامات شُكلت بصيغ عامة وفضفاضة، ولم تُقدَّم بشأنها أدلة محددة، كما لم تُباشر أي إجراءات تحقيق فعلية منذ أشهر. ويُبرز استمرار احتجاز هؤلاء الشباب لأكثر من عام، من دون إحالة على المحاكمة أو الإفراج الشرطي، عمق الأزمة الحقوقية في مصر، وتآكل الضمانات القانونية المكفولة للمواطنين في الدستور، الذي ينص صراحة على حق التظاهر السلمي وحرية التعبير عن الرأي.

وترى منظمات حقوقية أن الإبقاء على عشرات الشباب رهن الحبس لمجرد تعبيرهم عن تضامنهم مع غزة، يفضح المفارقة المؤلمة بين خطاب الدولة الرسمي الداعم للقضية الفلسطينية، وممارساتها الداخلية التي تُجرّم أي تعبير شعبي حر عن هذا الدعم، في مشهد يختزل بوضوح واقع الانغلاق السياسي وتقييد المجال العام في مصر المعاصرة.