بعد نحو عامين من الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، جاءت دعوة الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو من على منبر الأمم المتحدة لتشكيل قوة عالمية لتحرير فلسطين، لتدلل حجم التحولات التي فرضتها معركة طوفان الأقصى في العالم.
ففي خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، دعا الرئيس الكولومبي، دول الجنوب العالمي إلى تشكيل جيش أممي لتحرير فلسطين والدفاع عن نفسها ضد "الاستبداد والشمولية" اللذين تروج لهما الولايات المتحدة وحلف الناتو.
وحث بيترو الدول "التي لا تقبل الإبادة الجماعية" إلى تشكيل "قوة مسلحة للدفاع عن حياة الشعب الفلسطيني"، مؤكدا أن الاكتفاء بالشجب والتنديد لم يعد مجديا أمام الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الصهيوني في غزة والضفة الغربية.
دعم برازيلي
وفي موقف لافت التقطت عدسات الكاميرات صورة للرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا وهو يقبل رأس نظيره الكولومبي في أعقاب التي دعا فيها إلى تشكيل جيش دولي لتحرير فلسطين والوقوف في وجه الاستبداد والشمولية.
وشدد لولا دا سيلفا، على أن سلطة منظمة الأمم المتحدة أصبحت على المحك، وأنه لا يمكن تحقيق السلام مع الإفلات من العقاب، وأنه لا شيء يمكن أن يبرر الإبادة المستمرة في غزة.
وكرر الرئيس بيترو دعوته خلال مقابلة مع قناة الجزيرة، حيث شدد على أن بيانات التنديد لم تعد توقف القصف ولا تنقذ المدنيين من الإبادة الجماعية المستمرة منذ نحو عامين.
وربط الرئيس بيترو بين التجربة التاريخية لبلاده مع العنف والحروب الداخلية وبين التضامن مع الفلسطينيين، في محاولة لإضفاء بعد إنساني وتجريبي على موقفه السياسي.
ويدلل تأكيد بيترو فشل بيانات الشجب على حالة السخط المتصاعد لدى قطاعات واسعة من شعوب العالم، التي ترى في المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، كيانات عاجزة أمام الفيتو الأمريكي.
في كلمته شدد بيترو على ضرورة اعتقال المتهمين بارتكاب جرائم إبادة في غزة وإحالتهم إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو أمر يتواف قمع صدور مذكرات فعلية باعتقال نتنياهو ووزير حربه السابقة ولكنها بقيت حبيسة الأدراج نتيجة ازدواجية المعايير العالمية.
كما كتب بيترو على موقع إكس: "حرروا فلسطين، إذا سقطت غزة، ستموت الإنسانية".
تحولات ما بعد الطوفان
هذه الدعوة المتقدمة وغير المسبوقة تمثل تحولا مهما بدأ يتضح ويتسع مداه منذ معركة طوفان الأقصى في أكتوبر 2023 وما تبعها من حرب إبادة جماعية صهيونية في غزة شكلت نقطة انعطاف في وعي العالم تجاه القضية الفلسطينية.
وبينما حاول الاحتلال الصهيوني تسويق الحرب باعتبارها دفاعا عن النفس، فإن حجم التدمير والقتل وتهجير السكان قلب المشهد الدولي، وأعاد تعريف الصراع باعتباره مواجهة استعمار استيطاني يرتكب جرائم إبادة جماعية، مع تأكيد انفضاح أكذوبة الدفاع عن النفس؛ إذ تؤكد مواثيق حقوق الإنسان أن هذا الحق لا تملكه القوة المحتلة.
نقلة نوعية
تصريحات بيترو – فق الخبراء – تعكس هذا التحول، إذ لم يعد كافيا الحديث عن "حل الدولتين" أو الاكتفاء بالمناشدات، بل برزت مفاهيم جديدة مثل "تحرير فلسطين" و"إنقاذ غزة"، وهو ما يفسر طرحه لفكرة جيش عالمي لمواجهة إسرائيل.
ويرى الكاتب أحمد بشير العيلة، أن الرئيس الكولومبي الشجاع جوستافو بيترو أطلق نقلة نوعية في الخطاب السياسي اليساري على المستوى الدولي من عدة أوجه؛ حيث لم يقف الخطاب عند حد انتقاد السياسات الأمريكية أو الإمبريالية أو الرأسمالية العالمية (وهو أمر معتاد في الخطاب اليساري)، بل تجاوزه إلى دعوة عملية غير مسبوقة لتشكيل "جيش تحرير" دولي تحت مظلة "الاتحاد من أجل السلام".
وشدد على أن هذه نقلة من الاحتجاج إلى المقاومة الفعلية المنظمة، مما يعطيها بُعدًا تاريخيًا، معتبرا أن الدعوة لتشكيل جيش عالمي لتحرير فلسطين هي أقوى تصريح يتخذه اليسار العالمي تاريخياً.
وذهب إلى أن خطاب الرئيس الكولومبي الشجاع جوستافو بيترو قد رفع القضية الفلسطينية من مستوى قضية تضامن إنساني أو صراع إقليمي إلى محك أساسي للأخلاق الدولية، حيث صّور بيترو ما يحدث في غزة على أنه "إبادة جماعية" وقارن المسئولين عنها بهتلر، مما يضع العالم أمام اختبار أخلاقي لا يمكن التهرب منه.
ما بعد طوفان الأقصى: تحولات في الخطاب العالمي
ويوما تلو الآخر يتسع المد الرافض والمناهض للاحتلال الصهيوني جراء عدوانه الهمجي والإبادة التي ترتكبها ضد الفلسطينيين، مع رصد تحولات في الخطاب العالمي بما في ذلك مواقف العديد من الدول مع اتساع حجم الرفض الشعبي العالمي لإجرام الصهاينة.
وفي موقف لافت، يبحث الاتحاد الأوروبي لأول مرة منذ توقيع اتفاق الشراكة تعليق أو إلغاء اتفاقية التجارة الحرة، بينما يتسع الاعتراف بفلسطين ليشمل قوى كبرى، مثل بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا؛ ليزيد الضغط على الاحتلال الذي يعيش لحظة دبلوماسية واقتصادية حرجة مع تصاعد الضغوط الدولية.
وترسم تقارير من صحيفتي "ذا ماركر" و"كالكاليست" الصهيونيتين صورة قاتمة للوضع، من حيث تهديد مباشر للمكانة التجارية وتراجع الدعم الدولي واعتماد متزايد على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتشير دعوة الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو لتشكيل قوة عالمية لتحرير فلسطين، والحراك العالمي المتنامي المنهاض للاحتلال إلى تنامي حالة التمرد الأخلاقي ضد عجز المجتمع الدولي في مواجهة الإبادة الجماعية بغزة.
وبرغم أن تشكيل "جيش عالمي" يبدو بعيد التحقيق حاليا، إلا أن مجرد طرحه من رئيس دولة يفتح الباب أمام إعادة التفكير في أدوات المواجهة مع الاحتلال، ويؤكد أن القضية الفلسطينية دخلت مرحلة جديدة بعد طوفان الأقصى، حيث لم يعد مقبولا أن تبقى فلسطين رهينة بيانات الشجب، بل أصبحت مرادفا لاختبار الضمير الإنساني العالمي.