أوصى خبراء قانونيون وأكاديميون بضرورة تفعيل آليات الجمعية العامة للأمم المتحدة لتجاوز شلل مجلس الأمن، وفتح تحقيق عاجل لدى المحكمة الجنائية الدولية حول استخدام التجويع كسلاح حرب ضد سكان قطاع غزة.

 

كما دعوا إلى إصلاح آليات الأمم المتحدة للحدّ من سطوة الفيتو، وتعزيز التوعية القانونية لدى طلاب الحقوق حول حماية المدنيين، إلى جانب تكثيف الضغوط الدولية لإدخال المساعدات الإنسانية بشكل مستدام وآمن.

 

هذه التوصيات جاءت في ختام ندوة افتراضية نظّمها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات بالتعاون مع مؤسسة شاهد لحقوق الإنسان والديمقراطية، الأربعاء الماضي، بعنوان: "تجويع سكان قطاع غزة: بين الجريمة الإسرائيلية والمسئولية الدولية"، شارك فيها نخبة من الخبراء القانونيين والأكاديميين.

 

أدار الندوة مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، الدكتور محسن محمد صالح، الذي افتتح النقاش مؤكداّ أنّ "إسرائيل" تمارس أبشع صور الانتهاك الإنساني عبر استخدام التجويع كسلاح ممنهج ضدّ المدنيين في قطاع غزة، بآليات مدروسة تستند حتى إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، في ما وصفه بجريمة متكاملة الأركان تُرتكب أمام أنظار العالم.

 

وأوضح أن القوانين الدولية واضحة في تجريم التجويع واعتباره جريمة حرب وإبادة جماعية، لكن واقع غزة يكشف قصور الإرادة السياسية في تطبيق القانون. مؤكّدًا أنّ هذه الجريمة لا يمكن أن تستمر دون تحرك حقيقي من المجتمع الدولي.

 

التجويع من منظور قانوني

 

في الورقة الأولى تحت عنوان "الوضع الإنساني في قطاع غزة والتجويع من منظور قانوني"، قال المحامي والخبير القانوني والأستاذ الجامعي د. عادل يمّين إن "الوضع الإنساني في غزة يعتبر من أخطر الأزمات الإنسانية المعاصرة، حيث يشهد السكان المدنيون ظروفًا قاهرة وقاسية ومؤلمة نتيجة الحصار، ونتيجة التقتيل ومحاولات الإبادة الواضحة، والتجويع ومنع إدخال المواد الحيوية، والقيود على الإمدادات الأساسية، والحرمان المتكرر من الغذاء والماء والدواء".

 

وأكد يمّين أن الحصار والتجويع جريمة حرب موصوفة بنصوص صريحة، مشيرًا إلى أن المحكمة الجنائية الدولية مختصة بملاحقة المسئولين الصهاينة، حتى لو لم تكن "إسرائيل" طرفًا في نظام روما.

 

وأوضح أن مبادئ سان ريمو بشأن المساعدات الإنسانية، إلى جانب نظرية "التدابير المضادة الإنسانية"، تتيح للدول التدخل لتقديم الإغاثة والمساعدات الإنسانية لغزة حتى بغير موافقة الاحتلال الصهيوني.

 

وبحسب يمّين فإن العائق الأكبر ليس في غياب القوانين، بل في غياب آليات التنفيذ والإرادة السياسية الدولية، مؤكّدًا أن المجتمع الدولي يملك ترسانة قانونية متكاملة لكنه عاجز عن توظيفها.

 

وشدّد على أن اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي ينصان بوضوح على حظر التجويع باعتباره جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية. كما لفت النظر إلى أنّ الصمت الدولي إزاء هذه الجرائم يقوّض منظومة القانون الدولي ويشجع على الإفلات من العقاب.

 

وأشار يمّين إلى أن تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية وثّقت سياسة الحرمان الممنهج من الغذاء والدواء، ما يعزز إثبات الطابع المتعمد للجريمة. ورأى أن استمرار هذا الواقع يضع المجتمع الدولي أمام اختبار تاريخي في مدى التزامه بواجباته في منع الإبادة الجماعية.

 

المساعدات بين الواجب القانوني والتوظيف السياسي

 

أما في الورقة الثانية تحت عنوان "المساعدات الإنسانية بين الواجب القانوني والتوظيف السياسي"، فقد أكد الخبير القانوني والأستاذ في القانون الدولي د. محمد الموسى، أن أزمة غزة تكشف خللاً بنيويًا في القانون الدولي وهيمنة استعمارية تعيق تحقيق العدالة، داعياً إلى إصلاح جذري يضمن حماية الشعوب بدلًا من خدمة القوى الكبرى.

 

وأشار الموسى إلى أن "التجويع المنهجي لسكان غزة يرقى إلى جريمة حرب محظورة بموجب اتفاقيات جنيف، وقد يصل في بعض الحالات إلى جريمة ضد الإنسانية أو حتى إبادة جماعية إذا توافرت النية التدميرية الواضحة".

وأضاف أن الترسانة القانونية الدولية ثرية بالنصوص، غير أن المعضلة تكمن في الفجوة بين النص المثالي للقانون الدولي وما سماه القانون الدولي المادي الذي يخضع لموازين القوى والمصالح السياسية.

 

ولفت النظر إلى أن هذا التناقض يعكس "إرثًا كولونياليًا ما زال يطبع بنية القانون الدولي"، مشيرًا إلى أن مقاربات ما بعد الاستعمار والعالم الثالث تقدّم أدوات نقدية لفهم كيف يُستخدم القانون أحيانًا لتكريس الهيمنة بدلًا من حماية الضحايا.

 

وشدد على أن "مجلس الأمن، من خلال الفيتو الأمريكي المتكرر، ساهم في تعطيل قرارات وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات"، معتبرًا ذلك دليلًا على الحاجة لتقييد استخدام الفيتو في القضايا الإنسانية الجسيمة.

وختم الموسى بالتأكيد على ضرورة "الانتقال من مجرد استعراض النصوص إلى تبني مقاربات عملية تقوم على تحليل الإطار المعياري للحق في المساعدة، وفضح فجوة التطبيق، وتقديم مقترحات إصلاحية تجعل القانون الدولي أداة حقيقية لإنصاف الشعوب المقهورة".

 

وأضاف أن استمرار الحصار والتجويع سيجعل من مأساة غزة سابقة خطيرة تهدد منظومة القانون الدولي برمتها. ورأى أن تقاعس المجتمع الدولي اليوم قد يفتح الباب لتكريس سياسة الإفلات من العقاب كقاعدة لا كاستثناء.

 

البعد الجنائي لاستهداف نقاط توزيع المساعدات

 

بدورها، أكدت د. أحلام بيضون في الورقة الثالثة "البعد الجنائي لاستهداف نقاط توزيع المساعدات واستغلالها لتوجيه حركة النزوح وتحقيق أهداف عسكرية"، أن استهداف المدنيين الباحثين عن المساعدات الإنسانية يشكّل جريمة مركبة تشمل القتل، التجويع، والتهجير، وتصنف كجريمة حرب وقد ترتقي إلى إبادة جماعية وفق اتفاقيات جينيف ونظام روما الأساسي.

 

وأكدت أن إثبات هذه الجرائم يتطلب إثبات النية، سواء ضمنيًا أو صراحةً، وأن تقارير الأمم المتحدة ووسائل الإعلام توثق سقوط مئات الضحايا وتفاقم سوء التغذية. وأشارت إلى إمكانية التحقيق والملاحقة عبر المحكمة الجنائية الدولية، والمحاكم الخاصة، وكذلك محكمة العدل الدولية.

 

وشدّدت على أن القادة السياسيين والعسكريين يتحملون مسئولية جنائية فردية، و"إسرائيل" مسئولة كدولة، بينما الدول الداعمة، خصوصًا الولايات المتحدة، تتحمل مسئولية خاصة، داعية السلطة الفلسطينية إلى رفع شكاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية. وختمت بأن جرائم الاحتلال لا تسقط بالتقادم ولا تحدها الجغرافيا، وأن مقاومة الشعب الفلسطيني لا يمكن مساواتها بالانتهاكات المنهجية للاحتلال.

 

المسئولية الدولية عن حماية المدنيين

فيما أوضحت د. أليسار فرحات في الورقة الرابعة بعنوان "المسئولية الدولية عن حماية المدنيين ومنع الإبادة بالتجويع"، أن القانون الدولي يحظر صراحة استخدام التجويع كأداة حرب، وبينت أن القانون الدولي الإنساني، خصوصًا اتفاقيات جنيف (1949) والمادة 54 من البروتوكول الإضافي، تحظر صراحة استخدام التجويع كوسيلة حرب. كما ينص نظام روما الأساسي على اعتبار التجويع جريمة حرب، ويكفل القانون الدولي لحقوق الإنسان الحق في الحياة والغذاء حتى أثناء النزاعات. إضافة إلى ذلك، تعد قاعدة حظر التجويع قاعدة عرفية إلزامية حتى على الدول غير الأطراف.

 

وأكدت أن التجويع كجريمة حرب يتطلب إثبات الاستخدام المتعمد كسلاح عسكري، وقد يرتقي إلى إبادة جماعية إذا توفرت نية خاصة لتدمير جماعة قومية أو عرقية أو دينية، وفق معايير قضائية صارمة.

 

وأشارت إلى المسئوليات القانونية المرتبطة بذلك:

 

    مسئولية الدولة: بوقف الفعل، التعويض، وضمان عدم تكراره.

    المسئولية الجنائية الفردية: للقادة العسكريين والسياسيين أمام المحكمة الجنائية الدولية أو المحاكم الوطنية.

    المسئولية الجماعية للمجتمع الدولي: وفق مبدأ واجب الحماية، الذي تتعطل أدواته الدولية عند استخدام الفيتو في مجلس الأمن.

 

ولفتت النظر إلى أن مجلس الأمن يمتلك أدوات مثل العقوبات، حظر الأسلحة، وفتح الممرات الإنسانية، لكن استخدام الفيتو، رغم كونه قانونيًا شكليًا، يؤدي إلى تعطيل الحماية الدولية ويضعف مصداقية المجلس، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة استخدمته مرارًا لحماية الاحتلال.

 

وكان هناك مداخلات قيّمة لعدد من الخبراء المشاركين في الندوة:

 

كان من بينها مداخلة د. محمد طي خبير القانون الدولي، الذي أوضح أن ما يجري في غزة يكشف "فشل المنظومة الدولية في التعامل مع الجرائم الكبرى"، لافتاً النظر إلى أن ازدواجية المعايير تُضعف شرعية القانون الدولي ذاته. ورأى أن "التجويع أداة إبادة ممنهجة" تستخدمها قوات الاحتلال لتحقيق أهداف سياسية وديموجرافية، محذرا من أن استمرار هذا الواقع سيجعل القانون الدولي مجرد غطاء شكلي بيد القوى الكبرى. وشدد طي على أن غياب العدالة الدولية يدفع الشعوب المظلومة إلى البحث عن بدائل نضالية لحماية وجودها وحقوقها.

 

من جانبه، أشار الباحث حسام شاكر إلى أن "التجويع في غزة ليس عرضًا جانبيًا للحرب، بل سياسة مركبة تستهدف البنية المجتمعية والإنسانية للفلسطينيين". كما أوضح أن صمت المؤسسات الدولية يجعلها شريكة ضمنيًا في هذه الجريمة.

 

وأكد أن "الإبادة بالتجويع تمثل اختبارًا أخلاقيًا صارخًا للضمير العالمي"، مطالبًا بتفعيل الضغوط الشعبية والإعلامية لكسر دائرة الحصار. وأشار إلى أن التاريخ سيُسجل هذه المرحلة باعتبارها معيارًا حاسمًا لمصداقية القيم الإنسانية التي تتغنى بها القوى الكبرى.

 

أما رئيس المنتدى الفلسطيني في بريطانيا د. حافظ الكرمي فأكد أن "القانون الدولي تحول إلى أداة انتقائية بيد الدول النافذة"، مشيرًا إلى أن فشل المؤسسات الأممية في وقف التجويع والإبادة في غزة يُظهر حجم الاختلال في بنية النظام الدولي.

 

ولفت الكرمي النظر إلى أن "الاحتلال يستغل هذا الانحياز لفرض وقائع جديدة على الأرض، مستفيدًا من غطاء العجز الدولي".

 

ودعا إلى بناء تحالفات حقوقية وشعبية عابرة للحدود تعيد الاعتبار لفكرة العدالة الكونية وتضع حدًا لاحتكار القوى الكبرى للشرعية الدولية.