الحمد لله القائل في محكم التنزيل: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: ٨]، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين؛ ليرفع عن كاهل المستضعفين أغلال الظلم والطغيان، نبينا محمد، الذي علّمنا أن "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ" (رواه مسلم 2664)، وعلى آله وصحبه، ومن جاهد في الله حق جهاده إلى يوم الدين.
أمّا بعد..
لقد كتب الله لهذه الأمة العزة يوم أن استمسكت بدينها، وجعلت من الإسلام هُويتها التي لا تقبل المساومة، ومنهجها الذي لا تحيد عنه؛ حينها أدرك المسلمون الأُوَل الحقيقة التي غابت عنّا اليوم، الحقيقة التي نطق بها الفاروق عمر رضي الله عنه؛ فصارت قانونًا للعزة لا يتبدل "إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نبتغِ العزة في غيره أذلنا الله". وبهذا الإسلام توحّدوا بعد فرقة، وقَوَوا بعد ضعف، وسادوا بعد هوان، فكانوا بحق {أُمَّةً وَاحِدَةً}، بنيانًا مرصوصًا، وجسدًا حيًّا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
ولكننا اليوم، حين ابتغينا العزة في غير الإسلام، وحين استبدلنا حبل الله المتين بحبال القوميات الواهية والوطنيات الزائفة؛ أذاقنا الله لباس الذل والهوان الذي نعيشه. لقد صدق فينا قول نبينا ﷺ: "ما ترَك قومٌ الجِهادَ إلَّا عمَّهم اللهُ بالعذابِ" (رواه الطبراني وصححه الألباني)، تركنا ذروة سنام الإسلام، فتسلط علينا أذلُّ خلق الله، وأصبحنا نرى بأعيننا مصداق حديثه ﷺ عن الأَكَلة التي تتداعى إلى قصعتها؛ فدماؤنا تُستباح في غزة، ومقدساتنا تُدنس في القدس، وثرواتنا تُنهب، وأعراضنا تُنتهك، والأمة في غفلة أو تغافل، قد أصابها الشلل، فذهبت ريحها، وتجرأ عليها عدوها، وفي هذا يقول الإمام حسن البنا رحمه الله: "إن الأمة التي تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة؛ يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت".
إن هذا الكيان الصهيوني الغاصب، الذي جثم على صدر أمتنا، ويعربد في معظم عواصمنا الإسلامية والعربية، هو كيان قام على القوة والغطرسة، ولا يفهم إلا لغة القوة. إنه لا يرتدع ببيانات الشجب، ولا بمناشدات المنظمات الدولية، ولا بموائد المفاوضات العبثية التي لا تزيدنا إلا هوانًا. إنه لا يفهم إلا لغة الدم بالدم، والحديد بالحديد. وها هي المقاومة الباسلة في فلسطين، رغم قلة إمكاناتها وعظيم تضحياتها، تلقنه الدرس تلو الدرس، وتثبت للأمة كلها أن طريق العزة لا يزال مفتوحًا، وأن باب الجهاد هو وحده باب الخلاص والتحرير.
إن دعم هذه المقاومة، والوقوف خلفها، وإمدادها بكل أسباب القوة المادية والمعنوية، ليس تفضُّلًا من أحد، ولا منّة أو مكرمة، بل هو فرض عين وواجب شرعي لا يسقط عن كاهل أحد، من الحاكم إلى المحكوم، ومن الغني إلى الفقير. إن كل درهم يُبذل، وكل دعاء يُرفع، وكل موقف يُتخذ لنصرتهم، هو جزء من معركة الأمة كلها، وهو أداء لأمانة الدم التي في أعناقنا وحفاظ على مقدساتنا التي دنسوها. إن خذلانهم اليوم هو خذلان لله ورسوله، وهو وصمة عار لن يمحوها التاريخ.
إن استعادة عزة الأمة وكرامتها، وتحرير الأرض والمقدسات، يبدأ من العودة الصادقة إلى حبل الله المتين الذي أمرنا بالاعتصام به يقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ﴾ [آل عمران: 103]، وكذلك نبذ كل دعوى للتفرقة، والعمل الجاد على توحيد الصفوف والقلوب والجهود؛ لتعود للأمة ريحها وقوتها، ولنثبت للعدو وللعالم أجمع أن هذه الأمة لم تمت، وأن تحت الرماد وميض نار لا يزال حيًّا، ينتظر من يذكي جذوته ليعود لهيبًا يحرق كل ظالم ومعتدٍ. (وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا).
اقتحامات غزة.. ماذا بعد القمة العربية؟!
إن الوقائع التي نحياها تؤكد كل يوم حقيقة ما وصلت له الأمة من ضعف وتشرذم، دفع أعداءها للاستهانة بها وعدم الاعتداد باجتماعاتها، فبعد ساعات من انتهاء أعمال القمة العربية الأخيرة ارتفعت وتيرة الجرائم التي يرتكبها العدو الصهيوني على قطاع غزة؛ حيث بدأ عملية عسكرية موسّعة واقتحم مدينة غزة وأحياءها بقوات برية مدعومة بالدبابات والمدفعية والطائرات المسيَّرة، وقطع الإمدادات والاتصالات عن المدينة ومنع التنقل بين أحيائها وعزلها بشكل كامل عن باقي القطاع؛ لدفع سكانها للنزوح إلى الجنوب، بعد فرض طوق عسكري كامل على المدينة؛ بهدف البدء في تسطيح أبنيتها بالكامل وعمل نقاط عسكرية ثابتة ودوريات متحركة.
إن هذه الجرائم التي بلغت ذروتها ووصلت إلى منتهاها تزامنت مع مقررات القمة العربية التي كانت مخيبة للآمال، دالة على الموقف العربي الشائن من الجرائم التي ترتكب في غزة، والعدوان الذي طال عددًا من الدول العربية ودول المنطقة، دون أن تصدر قرارات عملية لردع العدوان ووقف جرائمه والتصدي لأطماعه المعلنة في المنطقة.
إن واجبات الشعوب اليوم تتزايد في ظل التخاذل والصمت الرسمي الذي تجلى واضحًا في مقررات القمة التي دلت على أن الأُطر الرسمية العربية لن تحرك ساكنًا ولن تتخذ إجراءات، ولن تقوم بأعمال حقيقية سوى الكلمات المنمّقة التي تُتلى في المنتديات والمؤتمرات.
إن الشعوب العربية التي طالما عانت من هذا المشروع الإجرامي، ودفعت ضريبة غالية من دمائها وأموالها واستقرارها جراء جرائمه؛ عليها أن تتحرك لمطالبة حكوماتها بضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لوقف هذه الهجمات الصهيونية الغادرة وردع أطماعها من خلال:
- الالتحام مع إرادة الشعوب التي ما قبلت يومًا أو رضيت ساعة عن هذا المشروع الصهيوني الباغي، وظلت تدرك أخطاره وتعرف مكامن آثاره على أمتنا، فالشعوب تملك البوصلة الصائبة، وتملك الحماية الحقيقية لبقاء أوطانها وبلدانها قوية منيعة أمام هذه الأطماع، وغيرها من الأخطار التي تحيط بأمتنا.
- إطلاق يد الشعوب في التعبير عن تضامنها الكامل ضد العدوان الصهيوني، وفتح كافة مجالات التعبير في الميادين ووسائل الإعلام دون قيود على حريتها.
- وقف عمليات التطبيع التي بدأت منذ زمن وتلك التي كانت تسعى للبدء مع العدو الصهيوني، ووقف كافة مجالات التعاون الأمني والاقتصادي والسياسي معه؛ من خلال إغلاق ما فتح من سفارات وطرد ما كان من سفراء لهذا العدو من أراضينا العربية، وسحب ما لديهم من سفراء لدولنا العربية.
- التحرك لإدخال كافة الاحتياجات الخاصة بقطاع غزة من خلال حراك جماعي يضم قوافل من كافة الدول العربية بلا استثناء، ومعها وفود رسمية لكسر الحصار الظالم وتثبيت إخواننا في قطاع غزة المحاصر.
- استخدام كافة الإمكانات التي تملكها أمتنا العربية لتنفيذ حصار اقتصادي ضد الاحتلال الصهيوني وكل من يدعمه.
- تفعيل هذه القرارات مع منظمة التعاون الإسلامي، واتخاذ مواقف إسلامية مشتركة مع كافة الدول الإسلامية.
إن أمتنا الآن تمر بمرحلة حرجة تستوجب التلاحم بين الشعوب والحكومات التي باتت جميعها تحت التهديد، وإن أي تأخر في هذا المجال ستكون عاقبته وخيمة على الجميع في ظل تربص العدو؛ فإننا في لحظات فارقة من تاريخ أمتنا علينا أن نستدركها وإلا فالخسارة كبيرة.
اكتمال سد النهضة.. خطر وجودي
وإذا كانت حقائق التاريخ والواقع تؤكد دور مصر المحوري في المنطقة وأثرها في جمع كلمة الأمة ونهضتها؛ لذا نجد الأعداء يتخطفونها من كل جانب ويسعون لإضعافها بكل سبيل، وذلك في ظل حالة من الصمت المطبق من السلطة التي تحكمها منذ الانقلاب العسكري؛ لتحقق كل يوم إخفاقًا وتفريطًا جديدًا في مقدرات مصر وريادتها، مما أطمع أعداءها ودفعهم إلى النيل منها والتربص بها.
وها هي الأخطار تأتي من أثيوبيا حيث تعلن افتتاح سد النهضة رسميًّا في أجواء احتفالية شهدها العالم كله، دون أن تستطيع سلطة الانقلاب تحريك ساكن أو محاولة الرد على هذا التجاوز لحق مصر التاريخي في مياه النيل وفق الاتفاقيات المنصوص عليها قديمًا وحديثًا، في استهانة بالغة بتاريخ مصر مقدرات شعبها.
لقد أثبتت الدراسات الموثوقة الصادرة عن معاهد ومراكز الدراسات البحثية بما لا يدع مجالًا للشك حجم الضرر الذي سيلحق بالشعب الم مقدرات الوطن يبدو نهجًاصري جرّاء هذه الكارثة، فبينما أشارت دراسة صادرة عن جامعة "تكساس إيه آند إم" الأميركية إلى أن سد النهضة قد يتسبب في فقدان مصر لثلث مساحتها الزراعية سنويًّا خلال سنوات الجفاف؛ أشارت دراسات أخرى أن مصر ستفقد ما يقارب 35% من حصتها المائية سنويًّا.
ويبقى الضرر الأكبر هو التهديد الوجودي لنصف شعب السودان، يضاف إلى ما يعانيه السودان من حرب طاحنة تستهدف هويته ووحدة أراضيه، بما يمتد أثره إلى مصر في حالة انهيار هذا السد نتيجة التخزين الكبير داخله والتي تصل إلى (40 مليار متر مكعب) فضلًا عن تأثير حجز هذه المياه على الحاصلات الزراعية المصرية.
إن تفريط سلطة الانقلاب في مقدرات الوطن بات نهجًا واضحًا ومستمرا في أسلوب سياستها ابتداءً بالاقتراض المفرط من الدول المجاورة والمؤسسات الدولية وصولًا لبيع أصول الدول لترقيع ثوب الاقتصاد البالي، ومن ثم وصول الدولة لحالة من الضغط الاقتصادي الشديد الذى لا يدفع ثمنه الا المواطن المصري من دخله لتوفير الحد الأدنى من أساسيات الحياة.
لقد بات واضحًا حجم التخريب والتدمير الذى أصاب مكانة مصر وسمعتها نتيجة هذا التخبط والفشل، الذى يمارسه هؤلاء المنقلبون المتغطرسون، المتعطشون للفساد والافساد ونهب خيرات البلاد وتدميرها ؛ حتى تراجعت المكانة الإقليمية لمصرنا العظيمة، والأحداث من حولنا أوضح شاهدٍ على ذلك؛ فلما كانت مصر القوية حاضرة في محيطها الإقليمي بكل قوة لم يكن لأى عابث أو متهور أن يهدد حدودها أو يعبث بأمنها، ولكن للأسف نحن أمام حالة من الفشل أفقدت مصر الكثير والكثير من قيمتها الدولية والإقليمية، وآخرها تجرُّؤ دولة اثيوبيا على مكانة مصر بهذه الجرأة.
دروس من نيبال وفرنسا
لقد كان في تصاعد أحداث نيبال وإسقاط النظام الحاكم تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية عبرة لمن يتجاهل إرادة الشعوب ويصم آذانه عن مطالبها ويغمض عينه عن احتياجاتها وأحوالها، فالشعوب قد تصمت كثيرا ولكنها تزمجر عندما تُسد أمامها الحلول وتُوصد دونها الأبواب، ولا تجد حلولًا سوى أن تتحرك لانتزاع حقوقها والوصول إلى مطالبها.
فقد اجتمعت لدى الشعب النيبالي الأسباب التي دفعتهم لانتزاع حقوقهم والتحرك لإسقاط هذا النظام، بعد أن ارتفعت معدلات البطالة خاصة بين الشباب، وتراكمت معدلات البطالة وتفاقمت الفوارق الاجتماعية، في ظل نظام قضائي مسيّس وتغييب لفاعلية المؤسسات الرقابية، فاجتمعت على الشعب ضغوط تعاظمت على قدرته من الصبر، فكانت الشرارة التي انطلقت والحراك الذي تم.
إلا أن نموذجًا آخر حدث مع حكومة "فرانسوا بايرو" في فرنسا حيث تشابهت أسبابه مع ما حدث في نيبال من تصاعد الأزمة الاقتصادية وطرح الحكومة لخطة تقشفية بقيمة 44 مليار يورو؛ مما أحدث حالة من الغضب الشعبي والنقابي وعجَّل بإسقاط الحكومة.
ورغم تشابه الأسباب الدافعة للغضب الشعبي بين نيبال وفرنسا إلا أن وجود آليات التغيير السياسي في فرنسا انتهى بإسقاط الحكومة، عندما قدمت الحكومة استقالتها بعد خسارتها تصويت حجب الثقة في الجمعية الوطنية.
إننا نؤكد أن عودة المسار الديمقراطي في مصر والانتقال إلى مرحلة جديدة تطوي صفحة الانقلاب الذي وقع في 2013م وتحقق العدالة وتعيد الحقوق لأصحابها، كفيلة بالحفاظ على استقرار مصر وعدم وقوعها في مستنقع الفوضى؛ حتى تتمكن من إحداث التغيير وتحقيق إرادة الشعب، وفقًا لآليات مستقرة تنقل السلطة بشكل آمن.
واللهُ أكبرُ وللهِ الحمد
أ. د. محمود حسين
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة " الإخوان المسلمون "
الثلاثاء 1 ربيع الآخر 1447 هـ - 23 سبتمبر 2025 م