في غزة، لم تعد المسافة تقاس بالكيلومترات، ولا الزمن بالدقائق أو الساعات، صار الزمن انتظارًا للموت أو للنجاة المؤقتة، وصارت المسافة بين بيتك وبين "مكان آمن" هي المسافة بينك وبين النهاية.

 

أما المال، فقد فقد معناه تمامًا، فحتى ألفا دولار اليوم قد لا تشتري ظلّ خيمة أو تؤجر بها بقعة أرض مهجورة تأويك من جحيم القصف.

 

في هذا القطاع الصغير، الذي لا تتجاوز مساحته 365 كيلومترًا مربعًا، يعيش أكثر من مليوني إنسان في كابوس مستمر منذ قرابة عامين.

 

نحو 65 ألف شهيد، ومئات الآلاف من الجرحى والمفقودين والمشردين، كل هذا في سياق حرب إبادة مفتوحة، تدمّر الحياة قطعة قطعة.

رحلة في المجهول

 

مع إعلان الاحتلال الصهيوني كامل مدينة غزة “منطقة قتال خطيرة”، طُلب من السكان النزوح جنوبًا إلى ما تُسمى "المنطقة الإنسانية"، برغم أن القصف لا يرحم حتى تلك المناطق.

 

لكن التنقل في غزة، اليوم، ليس كما كان، قبل الحرب، كانت الرحلة من أقصى شمال القطاع إلى جنوبه تستغرق بالكاد ساعة بالسيارة.

أما الآن، فقد تتحول نفس الرحلة إلى تسع ساعات من الانتظار، الخوف، البحث عن وقود، طرق مفتوحة، وسائق يجرؤ على المجازفة.

 

"تخيّل أن تنتقل من حي إلى حي، كأنك تعبر قارة كاملة بلا ضمانة أنك ستصل حيًا"، تقول ميادة مهنا (41 عامًا)، وهي أم لثلاثة أطفال، أجبرتها الحرب على النزوح مرتين خلال عامين.

نزوح بلا وجهة

ميادة، التي فقدت منزلها ووالدها خلال الحرب، تتحدث عن "نزوح بلا ملامح"، تقول: "في المرة الأولى، كان هناك شيء يشبه الحياة، كنا نستطيع استئجار سيارة، شراء طعام، حتى إيجاد مكان نعيش فيه، اليوم؟ لا خيام، لا أسواق، لا طرق، لا أمل".

استأجرت ميادة شاحنة مع أقاربها مقابل 2500 شيكل فقط لنقل بعض الأغراض. "أعرف عائلات خرجت من تحت الركام ولم تستطع أخذ حتى بطانية معها. أن يكون لديك شاحنة تنقل عفشك؟ هذه رفاهية في غزة".

وإن تمكنت من النقل، فإن إيجاد مكان لنصب خيمة أصبح حلمًا.

 

"طعة أرض فاضية، حتى بدون ماء ولا كهرباء، تكلف آلاف الشواكل. الأمر جنون. نحن خارج غزة نساعد بعضنا، لكن أغلب الناس لا يجدون حتى من يرسل لهم ثمن الخبز"، تضيف.

 

الموت في كل الاتجاهات

 

سهيل ابو العراج (33 عامًا)، بقي في غزة برغم الحرب، لأنه ببساطة "لا يملك خيارًا آخر".

يقول: "الناس يقولون لك ارحل.. طيّب إلى أين؟ كل من أعرفهم إمّا استشهدوا أو لم يعودوا قادرين على استقبال أحد. وأنا فقدت كل شيء، حتى الشغل والدخل".

 

أبو العراج، الذي فقد والده بسبب انقطاع أدوية الأمراض المزمنة، يعيش الآن على أمل البقاء ليوم جديد. "كل ليلة أحس إنها الأخيرة. بس أظل أحاول.. مش ليا أنا، لبناتي اللي صحتهم تعبانة من قبل الحرب".

الخيمة حلم صعب المنال

 

أما محمد مقداد (37 عامًا)، فخاض رحلة النزوح أكثر من مرة. صنع خيمة في بداية الحرب باستخدام أخشاب ونايلون اشتراها من سوق رفح.

 

"ما كانت خيمة، كانت قطعة من البرد"، يقول. حين عاد إلى غزة وجد جزءًا من بيته ما زال قائمًا، فعاش فيه مؤقتًا، قبل أن يُجبر على الرحيل مجددًا، الآن، لا خيمة ولا بيت ولا حتى فكرة عن أين يبيت ليلته.

"تنقل بين أقارب وأصحاب. أبحث عن مكان ممكن أبني فيه خيمة من أول وجديد، بس حتى قطعة الأرض صارت حلم"، يضيف محمد.

 

بين كل شهيد ونازح ومشرّد، هناك قصة لا تُروى، وألم لا يُكتب، وحياة تتفتت بصمت في واحدة من أكثر المناطق اكتظاظًا وبؤسًا على وجه الأرض.