بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله القائل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (آل عمران: 103)، والقائل: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 92)، والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا" (متفق عليه).
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو والمعالي، قادة ورؤساء وزعماء الأمة العربية والإسلامية المجتمعين في قمة الدوحة،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
إن جماعة "الإخوان المسلمون" في مصر تتوجّه إليكم بهذه الرسالة في لحظة فارقة ونقطة تحول مفصلية من تاريخ أمتنا، بعد أن امتدت يد العدوان الصهيوني الإرهابي الغاشم لتطال أرض دولة قطر الشقيقة، ضمن سلسلة من الاعتداءات الهمجية بدءًا من أرض فلسطين ثم سوريا ولبنان واليمن وإيران، وفي سابقة تاريخية خطيرة حيث تمتد يد العدوان الصهيوني للمرة الأولى إلى دولة في منطقة الخليج العربي. ولن يكون هذا الاعتداء هو الأخير ما لم يكن للأمة موقف رادع حاسم من ذلك الإرهاب الصهيوني.
إننا ندرك إدراكًا عميقًا أن هذا الاعتداء الغادر لم يكن موجّهًا ضد دولة بعينها، بل هو بلا شك رسالة صهيونية واضحة للأمة العربية والإسلامية بأسرها؛ بأن اليد الصهيونية يدٌ طُولى لا كوابح لها ولا خطوط حمراء أمامها، وتأتي تلك الرسالة وسط صمت وعجز وخذلان عالمي، وفوق ذلك تواطؤ واضح من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
إن جماعة الإخوان وهي تدرك الحقيقة سالفة الذكر؛ فهي تدرك إدراكًا أعمق وتؤمن إيمانًا أشد أن ما لدى الأمة من إمكانات ذاتية، وموارد بشرية ديموغرافية واقتصادية ومادية وجيوسياسية؛ يؤهلها لأنْ توقف هذا الصلف وذلك الغرور الصهيوني الفارغ، ولا أدلّ على ذلك من وقائع التاريخ القديم والحديث.
القادة والزعماء،
إن اجتماعكم اليوم ليس بروتوكولًا سياسيًّا ولا مجرد لقاء تشاوري، بل هو اختبار تاريخي في تحمّل المسؤولية التاريخية لقيادة هذه الأمة؛ فشعوبنا العربية والإسلامية اليوم يعتصر قلوبها ألمٌ وكمدٌ وهي تتابع سفك الدم الفلسطيني والعربي، فهي تنتظر منكم موقفًا يليق بهذا التحدي الكبير، موقفًا يواكب إمكانات الأمة وحجم مقدراتها، موقفًا يُظهر أن الأمة لا تزال حيّة قادرة على أن تصنع مستقبلها، لا أن تستسلم لعدوان أو هيمنة، موقفًا يتخطى بيانات الشجب والإدانة إلى الفعل، وأقل ما ينتظره الشارع العربي والإسلامي هو وقف الحرب علي قطاع غزة، ورفع الحصار عنها.
القادة والزعماء،
إننا في جماعة "الإخوان المسلمون" نؤكد تضامننا الكامل مع دولة قطر حكومة وشعبًا، وندعم دعوتها لهذه القمة الجامعة التي أرادت أن تقول للعالم إن العدوان لن يُسكت الأمة. كما نحيي ونقدّر القادة والزعماء الحاضرين والمستجيبين لهذا النداء الواجب. وإن سلسلة الاعتداءات الصهيونية على الأمة ومقدساتها وشعوبها تكشف أن العدو لا يفرّق بين دولة وأخرى، وأنه يرى في الأمة كلها خصمًا له.
إن أي محاولة للتطبيع معه لم تجلب سوى المزيد من العدوان والدماء، وإن السبيل إلى استرداد المقدسات والأرض لن يكون عبر الاتفاقات الموهومة لاستجداء الحقوق؛ فقد حان الوقت لإعلان موقف عربي وإسلامي صريح يرفض التطبيع بكل أشكاله، ويقاطع هذا الكيان سياسيًّا واقتصاديًّا وإعلاميًّا، ويعزله في المحافل الدولية كدولة مارقة منبوذة في العالم أجمع.
وقد حان الوقت أيضًا لمراجعة وإعادة النظر في جدوى المسار العربي الرسمي الذي تبنّى مسار مبادرة السلام العربية سابقًا، بخاصة مع صعود وتمكُّن اليمين الصهيوني المسنود بظهير شعبي وسياسي يمكِّنه من استمرار واستدامة سياساته الإجرامية.
القادة والزعماء،
إننا ندعوكم اليوم إلى الوحدة والاصطفاف، حكوماتٍ وشعوبًا، في مواجهة هذا العدو الغاشم. إن مسؤوليتكم أمام الله والتاريخ أن تعلنوا أن زمن التشرذم قد ولَّى، وأن الخلاف حول صغائر الأمور والسياسات لا يمنع التوحُّد حول عظائمها، وإننا نذكّركم أن الأمة لا تنهض إلا بوحدتها، ولا تنتصر إلا إذا التحمت الحكومات مع الشعوب.
إننا نرى أن الأمة يجب أن تتوحَّد وتتجمَّع على مشروع شامل للإعداد، على أن تكون المقاومة أحد مكوناته، وأن يصبح دعمها وإسنادها خطًّا جامعًا لا خلاف عليه. كما نرى أن القضية الفلسطينية ليست قضية محلية تخص شعبًا بعينه، بل كانت وما زالت قضية الأمة المركزية، ومؤشر حيويتها وعلامة قوتها. إن فلسطين بقدسها وأقصاها هي أمانة في أعناقكم، ومقياس صدق مواقفكم أمام الله والشعوب والتاريخ.
نؤكد على هذه الحقوق والثوابت والعالم بأسره يتابع ما يتخذه الاحتلال من خطوات جدية في احتلال غزة وتجويع وإبادة أهلها، أو تهجيرهم بالقوة في اتجاه جيرانها، وعلى جانب آخر يسعى لفرض مشروع استيطاني تفتيتي آخر بضم الضفة.
القادة والزعماء،
لقد آن الأوان لاتخاذ قرار شجاع بإنشاء قوة عربية وإسلامية مشتركة، تكون ذراعًا للأمة كلها في الدفاع عن سيادتها وحماية مقدساتها وردع كل معتدٍ، وأن يُنظر بجدية في بناء قوة إسلامية متطورة تتكامل مع الموارد والخبرات القائمة.
وحتى لا تبقى الأمة رهينة لتحالفات دولية مضطربة وغير مستقرة؛ فإننا ندعوكم إلى مراجعة أولويات تحالفاتكم الدولية، وإعادة النظر في الارتباطات التي قيّدت إرادة الأمة وأضعفت مواقفها. وإننا لا ندعو بذلك للصدام مع العالم أو تجاهل أهمية التوازن في العلاقات الدولية، إنما ندعو لتعميق تحالفات الأمة الذاتية، والبحث في المتاح من إمكانات الأمة الهائلة؛ فإن الاستقلال الحقيقي في القرار لن يتحقق إلا ببناء تحالفات عادلة ومتوازنة، تُعيد الأمة بها صياغة علاقاتها مع العالم على أساس الندية لا التبعية.
القادة والزعماء،
إننا في جماعة "الإخوان المسلمون" نودُّ أن نعلن في هذا السياق أننا نضع كل إمكانات الجماعة ومقدراتها إسناداً لأي مشروع وحدوي يجمع طاقات هذه الأمة، ونؤكد أن الجماعة لن تألو أو تدخر جهدًا في هكذا توجه أو طريق يقيل الأمة من عثرتها ويضعها في المكانة الطبيعية لها.
وختامًا.. حفظ الله أمتنا العربية والإسلامية من كل عدوان، ووحَّد صفها وجمع كلمتها.
والله أكبر ولله الحمد
أ.د. محمود حسين
القائم بأعمال المرشد العام لجماعة "الإخوان المسلمون"
الأحد ٢٢ ربيع الأوّل ١٤٤٧ هـ - 14 سبتمبر 2025