- د. أحمد طه ريان: الإيمان بالقضاء والقدر يُريح النفوس
- د. سحر طلعت: دور كبير للصلاة في تهدئة الخواطر
- د. محمد مصطفى: اعتياد الصبر يقلِّل من تأثير الضغوط
تحقيق- تسنيم محمد
استيقظتُ اليوم على مشاجرة مع زوجي بسبب فاتورة الهاتف، ولم نكن قد تصافَينا بعدُ من مشاجرة أمس الأول بسبب فاتورة الكهرباء والمياه، أما أمس فكانت المشاجرة أكثر حدَّةً بسبب ميعاد دفع مصاريف الدروس الخصوصية للأولاد، مرَّ كلُ هذا في خيالي وأنا في طريقي إلى العمل.. كنت أفكر وأتساءل ماذا أفعل؟ وكيف أدبِّر أمري؟
وما إن وصلتُ حتى وجدتُّ رئيسي في العمل متعجِّلاً على تسلُّم التكليفات التي لم أكُن قد انتهيت منها بعد بسبب مشاغلي الكثيرة، ما بين مذاكرة للأبناء، وطلبات البيت، وحضور المناسبات المختلفة للأسرة، ما بين حفل زواج وحفل ميلاد، إلى جانب مناسبات العزاء.. وغيره من الأمور التي يمرُّ بها كل إنسان في حياته الطبيعية.
هكذا تسير وتيرة حياتي اليومية، بين ضغوط البيت، وضغوط العمل، وضغوط الأولاد والأهل، وفي وسط هذه الضغوط أتساءل: إذا كانت هذه الضغوط هي طبيعة النفس البشرية فكيف نتعامل مع هذه الضغوط؟ وكيف نتكيَّف مع المتغيِّرات الكثيرة التي يمرُّ بها الإنسان ما بين الفرح والحزن والراحة والتعب والرفض والقبول؟!
يقول صلاح عبد الغني (44 عامًا)- متزوج ولديه أربعة أولاد- أعمل بأحد الفنادق من الساعة الثامنة وحتى الرابعة مساءً، ثم أذهب إلى أحد محالِّ الحلويات من الساعة الخامسة وحتى منتصف الليل، وعندما أدخل البيت أجد زوجتي تنتظرني بعشرات الطلبات، فالابن الكبير قامت إحدى المدرِّسات بضربه حتى يدخلَ مجموعةَ التقوية بالمدرسة إجباريًّا، والآخر تشاجر مع ابن الجيران، وابنتي حصلت على درجات ضعيفة، والرابع يريد حذاءً، وغيره من الطلبات التي لا تنتهي!!
ويفسر عادل رأفت (26 عامًا)- بكالوريوس هندسة- ذلك بأن الحياة ما هي إلا ضغوط، قائلاً: إن الضغوط التي تمارسها الحكومة أقوى وأشدّ من الضغوط التي من الممكن أن تواجه الإنسان، وذلك من خلال انصياع الناس للجوِّ السياسيِّ المفروض عليهم في خضوع واستسلام من شأنه أن يولِّد لديهم انفجارًا إذا ما تراكمت ضغوط الحياة الأخرى.
الزوج والأبناء
![]() |
أما مريم عبد الرحمن- طبيبة علاج طبيعي- فترى أن الترويح عن النفس من الأمور المهمة التي يحتاجها الإنسان في ظل معاناته من ضغوط الحياة؛ حيث تزداد الضغوط كنتيجة طبيعية لزيادة المطالب واحتياجات الإنسان، فالحياة التي نعيشها هذه الأيام تتمتَّع بالتعقيد والصعوبة، فنحن في حياتنا اليومية نمر بالعديد من الضغوط، تبدأ من ضغوط العمل والعائلة والزواج، بالإضافة إلى المناسبات الاجتماعية؛ مما يجعل الإنسان يشعر بالضغط والإرهاق.
وقد أثبتت التجارب أن ضغوط الحياة والعمل تؤدي إلى إصابة الإنسان بالأمراض الجسمية والنفسية، وأثبتت إحصائية منظمة الصحة العالمية أن 5% من سكان العالم مصابون بالاكتئاب، أي أن في العالم 300 مليون مكتئب، وفي مصر- وفقًا لما أعلنه الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطبي النفسي بجامعة عين شمس- يوجد 20% من الأمراض النفسية الشائعة، كالتوتر والشعور باليأس والإحباط والقلق النفسي والأرق والخوف من المستقبل والإحساس بالإرهاق حتى بدون بذل جهد!! غالبًا ما تتحوَّل هذه الأمراض النفسية إلى أمراض جسمية كأمراض القلب وضغط الدم والجلطات والصداع النصفي والقولون العصبي والذبحة الصدرية التي قد تؤدي إلى الموت المفاجئ أو الإدمان.
الحياة الهادئة
الدكتورة سحر طلعت- استشارية الأسرة- ترى أن الضغوط الحياتية موجودة منذ خلق الله الإنسان، فنرى أن الإنسان البدائي كان قلقًا مترقبًا وهو يصطاد؛ خوفًا من هجوم الحيوانات المفترسة، ومع إيقاع الحياة السريعة الآن أصبحت الضغوط أكثر حدَّةً وأشدَّ وطأةً على الإنسان، مؤكدةً أن الضغوط موجودة ومستمرة، ولكن علينا أن نبحث عن شكل من أشكال معادلاتها، فالإنسان المظلوم مثلاً الذي لا يستطيع أن يأخذ حقه فهذا يمثل ضغطًا نفسيًّا عليه، ولكن عندما يتقبَّل الإنسان أن هذا يُدَّخر له في الآخرة ويدرك أن الدنيا لا تساوي عند الله نصف جناح بعوضة فمن المؤكد أن هذا سيُريحه مما يعانيه من ضغوط.
وتحذِّر الدكتورة سحر طلعت من الآثار السلبية التي يتعرَّض لها الإنسان بسبب كثرة الضغوط المستمرة على صحته الجسدية والنفسية والعقلية، مشيرةً إلى أهمية العبادات التي يقوم بها الإنسان للتخفيف من هذه الضغوط، وأهمها الصلاة، فكان النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول لسيدنا بلال: "أرحنا بها يا بلال" وأيضًا ذِكْر الله.. قال تعالى ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: من الآية 28)، فالصلاة والذكر والتأمُّل والتدبُّر كلها معانٍ تتحقق في الصلاة.
وتشير إلى أن الدراسات العلمية المختلفة أثبتت أن الصلوات تؤدي دورها في التقليل من نسبة المضاعفات والوفيات، في المرضى الذين يتعرَّضون لعمليات القلب المفتوح؛ حيث تقل بنسبة 13% في المرضى المتديِّنين، كما لوحظ أيضًا فيهم انخفاض معدلات حدوث الاكتئاب.
ويقدم الدكتور محمد مصطفى- أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر- تعريفًا للضغط بأنه حالةٌ من الجهد الجسمي والنفسي والعصبي يَشعُر الفرد من خلاله بعدم الراحة؛ نتيجةً لموقف أو خبرة سيئة مرَّ بها ويحاول أن يبتعد عنها، موضحًا أن تحمُّل الضغوط يختلف باختلاف الشخص نفسه، ولهذا تختلف مستويات الضغوط من فرد لآخر طبقًا لآثارها النفسية، فما يمثل ضغطًا شديدًا عند أحد الأفراد يكون أقلَّ ضغطًا عند الآخر.
وفي الوقت ذاته يرى الدكتور محمد مصطفى أن الروتين اليومي يؤدي إلى ضغوط من شأنها أن تؤدي إلى فقدان الحماس والحافز على العمل وعدم القدرة على اتخاذ أفكار أو قرارات، ولهذا ينصح بمحاولة الابتعاد عن مصدر الضغوط التي تؤثر في سلوك الإنسان، مؤكدًا دور التنشئة الاجتماعية التي تلعب دورًا مهمًّا، من خلال تعويد الأبناء على الصبر وتحمُّل المشقة، والتدريب على العمل الذي يواجهه الإنسان، والعمل على رفع معنويات الفرد، سواءٌ داخل البيت أو العمل، مشيرًا إلى أهمية وجود التفاهم بين أفراد الأسرة الواحدة، والموازنة بين المتاح والإمكانات والطموحات لتقليل الضغوط الواقعة على الإنسان.
فضيلة الدكتور أحمد طه ريان- أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر- يشير إلى أهمية تبنِّي جمعيات ولجان خيرية، تتخصَّص في بحث أزمات المجتمع ومشكلاته لإيجاد حلٍّ مناسب لتخفيف الضغوط عن الآباء، والى جانب ذلك فهناك بعض الأمور التي تساعد في تخفيف هذه الضغوط وتكون كالبلسم، لا يقدِّم الشفاء ولكنه يُريح الإنسان لتقبُّل هذه الضغوط.. ألا وهو الإيمان بقضاء الله والتسليم بأن ما يصيب الإنسان إنما هو مكتوبٌ عليه، فالإنسان الملتزم الذي يتعرَّض لشيء ما يدرك تمامًا أن هذا هو اختيارُ الله تعالى الذي يجب أن يتقبَّله، ولهذا فهو يتحمَّله من أجل نَيل ثواب الله، وفي الحديث المشهور عن النبي- صلى الله عليه وسلم-: "عجبًا لابن آدم، أمره كله خير، إذا أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإذا أصابته ضراء صبر فكان ذلك خيرًا له".
مشيرًا إلى أن الإيمان بالقضاء والقدر مهمٌّ، وهذا لا يكون إلا عند الملتزمين، ولا يحصِّل فائدته وثمرته إلا الإنسان الملتزم، الذي يعرف أن الله تعالى هو الذي يدبِّر شأنَه، وأن المعاناة لا تضيع هباءً وإنما لها ثوابٌ كبيرٌ عند الله، ويوضح ذلك قولُه تعالى: ﴿َقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (4)﴾ (البلد) أي: معاناة ومشقة، وبقدر هذه المعاناة وشِدَّتها يكون مقدار الثواب من الله.
