بقلم: م. خالد حفظي*

 الصورة غير متاحة

 م. خالد حفظي

"كانت أيام حلوة.. الله لا يعودها!!" هكذا كان وصْف أستاذنا محمد حسين- بخفة ظلِّه المعهودة- لذكرياته في المعتقل، ومن قبله بمئات السنين قالها شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه: "إن سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة.."، هكذا الداعية المخلص لربه ولدينه وأمته، إنه الفائز دائمًا.. ذلك أن ميزان الفوز والخسران عند الدعاة هو رِضَا الله عز وجل عنهم، وتقبُّلُه سبحانه وتعالى لجهادهم في سبيله، أمَّا النتائج فمن فضله سبحانه أنه لا يحاسبهم عليها، وكما قلتُ في مقال سابق: إن هذا منطق لا يفهمه الطغاة.. إنما يفهمه أصحاب الدعوات وحدهم.

 

مع تصاعد حملة الاعتقالات الشرسة التي يخوضها النظام ضد شباب وقادة الإخوان، وجدتُّني أعود بالذاكرة إلى الوراء ربع قرن من الزمان، إلى خريف العام 1981م؛ حيث اختار السادات أن يختم حياتَه بصِدامٍ مع كل ألوان الطيف السياسي آنذاك، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؛ فيما سُمِّي وقتها بـ"أيلول الأسود.. الطبعة المصرية!!" عادت بي الذاكرة إلى هذه الأيام، وتذكرت كيف جمعتنا تلك الاعتقالات نحن شباب الجامعات- آنذاك- مع قادة وشيوخ الدعوة في هذا الوقت، فيما كنا نعده معسكرًا طويلاً على حساب الدولة، كما كان يحلو لكثير من الإخوان تسميته.

 

وقد شاء الله أن تجتمع في هذا (المعسكر) أجيالٌ عدة، لتتمَّ عمليةُ توريث الدعوة بصفائها وبهائها للأجيال الشابَّة بشكلٍ لا يستطيع الإخوان أنفسهم التخطيط له أو تنفيذه لو أرادوا، ولا عجب فتلك دعوة الله يدبِّر لها كيف يشاء سبحانه وتعالى، وقد يعجب القارئ الكريم أشدَّ العجب إذا علم أن هذا- أي التوريث- كان الهدف الاستراتيجي الأول للأستاذ التلمساني رحمه الله بعد خروجه من المعتقَل؛ ولذا كان أحد ظرفاء الإخوان كثير الدعابة معي يقول: والله السادات ده جزاه الله خيرًا.. عمل للدعوة معسكر مجَّاني!!

 

وللقارئ الكريم أن يتخيَّل ما يمكن أن تُحْدِثَه مرافقةُ شاب مثلي في العشرينات من عمره- آنذاك- لرجالٍ من أمثال المجاهدين الصابرين.. أحمد حسنين.. محمد عبد الله الخطيب.. لاشين أبو شنب.. عبد المتعال الجابري.. عزّ العرب فؤاد.. جابر رزق وغيرهم الكثير ممَّا لا يتسع المقام لسرد أسمائهم، حفظ الله منْ بقِيَ ورحِمَ اللهُ من توفَّاه منهم، ثم بجانب هؤلاء العظام كان جيل الوسط.. عبد المنعم أبو الفتوح.. عصام العريان.. وجدي غنيم.. إبراهيم الزعفراني.. مختار نوح وغير هؤلاء كثير، ما الذي يمكن أن تُحْدِثَه صُحبةٌ مثل هذه؟!

 

برغم مرور تلك السنوات إلا أنني لا زلْتُ أذكر حِلَقَ الذكر وما كان فيها من خير، لا زلتُ أذكر دروس الدكتور إبراهيم الزعفراني في أصول الفقه من كتاب (إعلام الموقِّعين) لابن القيم، ثم من كتاب (أصول الفقه) لعبد الوهاب خلاَّف، كذلك دروس العقيدة للشيخ وجدي غنيم، وأصول الدعوة للدكتور عصام العريان، ثم دروس في السيرة النبوية ودروس في تربية الأولاد للداعية حسن جودة.. كل هذا كان يتمُّ في سجن أبو زعبل، في إطار برنامج ثقافي كامل يشمل أيام الأسبوع جميعًا.

 

مع قدوم شهر رمضان المبارك جمعنا الدكتور عصام العريان وقال: نريد أن نفعل شيئًا يُنْسِي الناس ألَمَ فراق أهليهم في أول أيام رمضان، وتشاور الجميع، وكانت النتيجة أن نقوم بإفطارٍ جماعيٍّ للسجن كله.. كل زنزانة تُنزل ما عندها من طعام ثم يتفرَّق أفرادُها على باقي الفُرُش ليحدث تعارفٌ وتآلفٌ بين الناس، نسي الجميع وقتها أننا في سجن، بل كنا نتندَّر فيما بيننا: هل يستطيع أحد خارج السجن أن يقيم مثل هذا الإفطار؟!

 

حدث مثل هذا في يوم عيد الفطر، وما تزال محفورةً في الذاكرة صورةُ أحد الإخوان- كان حلوانيًّا (يعمل الحلوى)- وهو يحمل تورتة رَسَمَ عليها شعار الإخوان والمصحف والسيفَين، يسير خلفه