في ظلّ كارثة إنسانية متفاقمة لا تزال تعصف بقطاع غزة، وبينما يواصل الحصار الصهيوني خنق ما تبقّى من مقوّمات الحياة، تخرج شهادات نادرة من قلب الميدان لتكشف عمّا لا تنقله عدسات الكاميرا ولا تصل إليه الوفود الدولية.

 

الطبيب الأمريكي فرحان عبد العزيز، الذي دخل غزة ضمن فريق طبي تطوّعي، وصف المشهد بأنه "أقسى من الخيال"، مؤكدًا أن الجوع والدمار تجاوزا حدود التصوّر، وأن ما رآه من مشاهد موت وبؤس لا يمكن للعالم أن يلتزم الصمت حياله بعد اليوم.

 

حين تتحدث الأرقام عن مأساة، تبقى العيون وحدها قادرة على رواية ما هو أفظع، الطبيب عبد العزيز لم يأتِ إلى غزة زائرًا، بل شاهدًا، وبينما كانت الأجساد تستغيث، والأنين يعلو في أروقة بلا دواء، كان صوته يرتجف وهو يقول: "رأينا ما يفوق الخيال.. الناس يموتون بلا سبب".

ظروف تفوق الخيال

قال الطبيب الأمريكي فرحان عبد العزيز، الموجود حاليًا في قطاع غزة، إن ما رآه من مجازر وظروف معيشية يفوق الخيال، وإن الواقع الصحي والإنساني في القطاع وصل إلى مستويات غير مسبوقة من الانهيار والمعاناة.

 

وأوضح "عبد العزيز" خلال مؤتمر للأطباء في قطاع غزة، أنه أثناء تجوله بين المرضى، وجد العشرات ملقين على الأرض، بلا أسرّة، ولا دواء، ولا حتى مسكنات تخفف آلامهم، مشيرًا إلى أن كل مريض كان يمسك بيده أو قدمه ويقول له: "ساعدني.. ساعدني"، لكن لا شيء متاح لمساعدتهم، بسبب الحصار الخانق ومنع دخول المعدات الطبية والغذاء والماء، وفق "وكالة سند".

 

وأكد أن الجوع بات ينهش أجساد الناس، وأن كثيرين فقدوا عضلاتهم بسبب سوء التغذية الحاد، مضيفًا: “الناس كلهم جائعون، وكلهم ينادون ويستغيثون، لكن لا أحد يسمع، ولا صحفي واحد يُسمح له بالدخول من خارج غزة لنقل الحقيقة”.

 

وأضاف الطبيب الأمريكي: "نحن أطباء جئنا من أمريكا، ومن واجبنا أن نشهد أمام العالم على ما رأيناه، حقوق الإنسان تعني أن يحصل المريض على علاج، وأن يتوفر له الطعام والماء، لكن أهل غزة محرومون من أبسط حقوقهم منذ نحو عامين".

 

وتساءل: "إلى متى سيستمر هذا الحصار، وهذا الدمار، وهذا القصف، وهذا النزوح؟! كان الرئيس الأمريكي قد صرّح قبل أكثر من عام بأن رفح خط أحمر، واليوم رفح دُمرت بالكامل، وسكانها يموتون من الجوع".

 

وتابع باكياً: "بالأمس فقط، أمسكت بيدي ثلاثة أطفال عادوا من محاولة الحصول على الطعام… لكنهم عادوا جثثًا هامدة، وأمهاتهم كنّ يبكين فوق أجسادهم. والله إنها مأساة، وعلى العالم أن يتحرك".

 

وختم الطبيب فرحان عبد العزيز شهادته بنداء عاجل قال فيه: "نحن في أمريكا نزعم أننا نقف مع حقوق الإنسان، لكن أطفال غزة يموتون جوعًا. افتحوا المعابر، دعوا الطعام والدواء والمعدات الطبية تدخل، الناس يموتون بلا سبب، والله بلا سبب".

    حرب ضد المستشفيات

 

ووضعت سلطات الاحتلال خلال الحرب الحالية مستشفيات قطاع غزة ضمن قائمة أهدافها العسكرية بادعاء استخدامها من قبل فصائل المقاومة، لكنها لم تقدم أدلة ملموسة، في حين دحضت ذلك تقارير وتحقيقات صحفية دولية.

 

ومؤخرًا، كشف مدير مستشفى المعمداني في مدينة غزة فضل نعيم، عن الظروف القاسية التي يعمل فيها الطاقم الطبي، مشيرًا إلى أن الأطباء "يتضورون جوعًا ويُحرمون من الطعام والنوم والراحة"، وسط استمرار العدوان الصهيوني على القطاع.

 

وقال "نعيم" في تصريحاتٍ صحفية: إن الأطباء يواصلون أداء واجبهم الإنساني رغم الانهيار الجسدي والنفسي، مؤكدًا أن كثيرين منهم يعملون لساعات طويلة دون تناول الطعام أو أخذ قسط من الراحة، في محاولة مستميتة لإنقاذ أرواح الجرحى والمصابين.

 

ويعاني القطاع الصحي في غزة من انهيار غير مسبوق نتيجة العدوان الصهيوني المتواصل منذ أشهر، حيث خرجت عشرات المستشفيات عن الخدمة بسبب القصف المباشر أو نفاد الوقود والأدوية.

وتُواصل قوات الاحتلال الصهيوني، لليوم الـ 664 على التوالي، حربها الشعواء والعدوان العسكري، تزامنًا مع ارتكاب مجازر مروعة وجرائم حرب موصوفة، بحق المدنيين والنازحين في مختلف مناطق قطاع غزة المحاصر.