في الوقت الذي تتفاقم فيه المجاعة في قطاع غزة، وتتحول إلى تهديد وجودي يطال حياة أكثر من مليوني إنسان، جاءت عمليات "الإنزال الجوي" للمساعدات في مشهد يبدو أشبه بإلقاء الفتات من السماء، منه إلى إغاثة شعب يواجه المجاعة تحت القصف والحصار.

 

وعبّر عدد من سكان القطاع عن غضبهم من هذه الآلية المذلّة والخطيرة في إيصال المعونات، مؤكدين أن الإنزال الجوي لا يسد رمق الجوع، ولا يحفظ كرامة الناس، بل يزيد من فوضى الشارع وخطورته.

 

نتقاتل على فتات يسقط من السماء

 

يقول المواطن وليد المصري، وهو نازح في مخيم وسط غزة: "في كل مرة تسقط فيها المساعدات من الطائرات، نتصارع تحتها.. البعض يركض، البعض يسقط، البعض يخرج خاوي الوفاض. هل يُرضي العالم أن نقتل بعضنا لننال كيس طحين؟".

 

وأضاف: "غزة ترفض هذا الشكل من المساعدة، لأنه لا يليق بكرامة الإنسان، ولا يحلّ المشكلة، بل يعمّقها".

 

الخطر في كل اتجاه

 

أما سامي عبد الله، وهو أب لأربعة أطفال يعيش في خيمة نصبت فوق أنقاض منزله شمال مدينة غزة، فيحذر من المخاطر الجسيمة للإنزالات الجوية، قائلًا: "رأيت المظلات تسقط فوق الخيام، واحدة منها سقطت فوق عائلة بالكامل، هذه ليست مساعدات، بل قذائف مغلفة بالطعام".

 

وأضاف بأسى: "هل من العقل أن يُلقى الطعام فوق رؤوس النازحين؟ بعض الناس تموت تحت المساعدات، لا من الجوع فقط".

 

"من السماء إلى عصابات الأرض"

 

وفي السياق ذاته، تحدث المختار علي أبو العطا مشيرًا إلى ظهور عصابات صغيرة تطوّق مناطق سقوط المظلات وتنهبها.

 

وقال: "رأينا بأعيننا من يمنع الجوعى من الوصول للمساعدات.. إنها فوضى، وغياب كامل لأي تنظيم، وغياب أخطر لأدنى شروط العدالة في التوزيع".

 

وشدد على أن بعض المساعدات تسقط في مناطق مدمرة بالكامل لا يمكن الوصول إليها، قائلاً: "في حي الكرامة، سقطت مظلات فوق ركام البيوت، من سيجرؤ على دخول تلك الأنقاض؟ هذا مجرد استعراض جوي لا يصنع فرقًا في المأساة".

 

انتقاد أممي واضح

 

من جهتها، انتقدت وكالة الأونروا بشدة استمرار الاعتماد على الإنزال الجوي، معتبرة أنه لا يشكل حلاً حقيقيًا لأزمة المجاعة، ولا يضاهي فعالية إيصال المساعدات عبر الشاحنات البرية.

 

وقالت جوليت توما، مديرة الإعلام في الوكالة، في تصريح لـ"نيويورك تايمز": "لماذا نلجأ إلى الإنزال الجوي بينما هناك آلاف الشاحنات الجاهزة تقف على الحدود بانتظار إذن الدخول؟ الإنزال ليس أكثر من إجراء مكلف وغير مجدٍ، لا يعالج أصل المشكلة".

 

وأكدت أن أكثر من 6000 شاحنة محملة بالمساعدات الأممية متوقفة على المعابر، ولا يُسمح لها بالدخول من قبل الاحتلال، مشددة على أن السبيل الوحيد لإنقاذ الأرواح هو: "رفع الحصار، وفتح المعابر، وضمان مرور آمن وكريم لقوافل الإغاثة".

 

الأمم المتحدة: تشتيت للانتباه

 

المفوض العام للأونروا، وصف الإنزال الجوي بأنه "تشتيت متعمّد للانتباه" و"وسيلة للتغطية على الكارثة الحقيقية في القطاع"، مؤكداً أن المجاعة الحاصلة ليست نتيجة نقص في المساعدات، بل نتيجة الحصار ومنع وصولها.

 

وكان جيش الاحتلال الصهيوني قد أعلن قبل أيام عن "سماحه" بإسقاط كميات محدودة من المساعدات جواً، وتطبيق ما وصفه بـ"تعليق تكتيكي" لبعض العمليات العسكرية في مناطق محددة، لتسهيل وصول الإغاثة.

 

لكن هذه الإجراءات لم تُقنع سكان غزة ولا المنظمات الدولية، واعتُبرت مجرد محاولة لتخفيف الضغوط الدولية المتزايدة، وسط تحذيرات أممية من خطر موت جماعي يهدد حياة أكثر من 100 ألف طفل في القطاع المحاصر.

 

مأساة تتعمق

 

ومنذ بدء العدوان الصهيوني في أكتوبر 2023، يعيش سكان غزة في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، وسط مجاعة شاملة، قصف متواصل، ونزوح غير مسبوق.

بحسب مصادر صحية فلسطينية، فقد خلفت الحرب حتى اليوم أكثر من 204 آلاف شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى 11 ألف مفقود، ومئات الآلاف من النازحين الذين يعيشون في ظروف قاسية ومهينة.