أصدرَ حشدٌ كبيرٌ من علماء محافظة كردستان الإيرانية، الواقعة في غرب البلاد، فتوى بالجهاد ضد الاحتلال الصهيوني، نصرةً لأهل غزة، داعين إلى الزحف نحو الحدود مع فلسطين المحتلة لكسر الحصار الظالم المفروض على سكان القطاع.

 

وخلال مؤتمرٍ حاشدٍ عُقد في مسجد قباء بمدينة سنندج، عاصمة المحافظة، وبحضور عددٍ من الناشطين والكُتّاب الكُرد والجماهير الشعبية، تليت الفتوى التي استندت إلى الآيات القرآنية المحكمة، ومنها قوله تعالى: "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ…" (النساء: 75)، وإلى السنة النبوية وفتاوى علماء أهل السنة.

 

وأعلنت الفتوى أن "الجهاد الدفاعي ضد الكيان الصهيوني الغادر، الذي يقتل الأطفال، هو واجبٌ شرعيٌ على الأمة الإسلامية".

وشدد بيان الفتوى على أن الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني المحتل هذه الأيام ليست مجرد انتهاكٍ صارخٍ لتعاليم الله، بل هي تدنيسٌ لجميع المبادئ الإنسانية، واعتداءٌ على المواثيق الدولية وحقوق الإنسان.

وأكد البيان أن الصمت واللامبالاة تجاه هذه المجازر يُعدان جريمةً لا تُغتفر وخيانةً تاريخية.

 

وأوضح علماء السنة في كردستان إيران أن "المقاومة الفلسطينية، وبخاصة حركة حماس والمجاهدين الفلسطينيين، هم رمزٌ لعزة الأمة الإسلامية وخط الدفاع الأول عن كرامتها. إن إيمان هؤلاء الأبطال وصبرهم وثباتهم يمثل حجةً دامغة على الضمائر الغافلة، وإنذاراً لكل المسلمين حول العالم. فسلاحهم ليس الرصاص فحسب، بل هو الإيمان، والنصر حليف المؤمنين الذين لم يخشوا الطغيان ولم يخضعوا له".

 

ودعت الفتوى الأمة الإسلامية إلى النهوض، وتحويل المساجد إلى منصاتٍ للوعي والدعم، ومقاطعة بضائع الكيان الصهيوني وداعميه في الأسواق الإسلامية، واستخدام الساحة الدولية كمنبرٍ للاحتجاج والضغط. وأكدت أن دعم فلسطين ليس مجرد قضيةٍ عربيةٍ أو قومية، بل هو اختبارٌ إلهيٌ لقياس مدى الوفاء للعدالة والتضامن الإسلامي.

 

وفي تحذيرٍ صريحٍ للحكام والحكومات التي طبعت مع الكيان الصهيوني، قال العلماء: "إن التاريخ سيشهد عليكم، والأمة الإسلامية لن تغفر خيانة القدس الشريف. إن غضب الله وصحوة الشعوب ستطاردكم عاجلاً أم آجلاً".

 

وطالب العلماء المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والمنظمات الحقوقية، ومنظمة التعاون الإسلامي، بالخروج من صمتهم المميت وأداء واجبهم الإنساني والقانوني. وقالوا: رغم أن الحقيقة باتت واضحة بأن هذه المؤسسات لم تعد سوى عناوين زائفة ودمى في يد القوى الصهيونية والأمريكية، إلا أن الإبادة الجماعية في غزة لا تقابل بالبيانات، بل تتطلب خطواتٍ عمليةً عاجلةً وحازمةً ومسؤولة.

 

ووجّه الدكتور فیصل سهیل مزید، عضو رابطة علماء فلسطين وأمين سر المؤسسات العاملة للقدس والأقصى في قطاع غزة، كلمة من غزة خلال المؤتمر مؤكداً ثبات وصمود الشعب الفلسطيني رغم الجراح والمِحن.

وأشار إلى تمسك الفلسطينيين بالأمل والإيمان والوعد الإلهي، رغم ما يواجهونه من مجاعة ودمار نتيجة استمرار الحصار والهجمات.

 

ودعا العلماء والأمة الإسلامية إلى التحرّك الفوري والدعم الكامل لغزة، مؤكداً أن واجب النصرة اليوم بات أكثر إلحاحاً في ظل صمت العالم واختلال موازينه، وتساءل: كيف لأمة المليارين أن تعجز عن نصرة إخوانهم المحاصرين، وهم يواجهون الجوع والعطش والمجازر الوحشية؟ وشدد على أن الفلسطينيين يترقبون من العلماء ريادة الأمة، وقيادتها نحو نهضة جماعية دفاعاً عن غزة وفلسطين والمسجد الأقصى.

 

وختم د. فيصل مزید بالتأكيد على أن كل من قصّر في نصرة المظلومين سيكون خَصمهم يوم القيامة، داعياً العلماء ليكونوا كما عهدهم الشعب دوماً طليعة الأمة للدفاع عن الحق. وأعرب عن دعائه بأن يبارك الله جهود المجتمعين ويوحّد صفوف المسلمين لنصرة فلسطين وأبناء غزة، متمنياً قبول العمل والأجر من الله.

 

كلمات العلماء

 

في مستهل المراسم، ألقى العالم الديني الكردي، ماموستا أيوب غنجي، كلمةً دعا فيها إلى بذل الغالي والنفيس لنصرة أهالي غزة المحاصرين، منتقداً موقف حكام الدول العربية والإسلامية وصمت الأمة الإسلامية تجاه الكارثة الإنسانية.

 

وأشار إلى أن الشعب الفلسطيني في غزة يسجل أروع معاني التضحية والجهاد والصبر، بينما يسجل عدوهم الصهيوني أسوأ أشكال الإجرام والقتل والحصار. كما أكد أن الأمة الإسلامية لن تكون بخير ما دامت فلسطين محتلة وغزة تُذبح والمسجد الأقصى أسير.

 

واستذكر سيرة القائد صلاح الدين الأيوبي ونهجه في توحيد الأمة لتحرير القدس، مناشداً علماء الأمة قيادة الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم للتحرك العاجل لإنقاذ أهالي غزة من الجوع. ودعا ماموستا غنجي حكومتي مصر والأردن إلى فتح حدودهما أمام زحف شعبي عربي وإسلامي نحو غزة لكسر الحصار.

 

بدوره، ألقى المستشار علاء الدين الكعلوك رئيس شرح العالم الديني ماموستا حيدر ألماسي الوضع المأساوي في غزة، مستعرضاً ما يمارسه العدو الصهيوني من إجرامٍ غير مسبوق في عدوانه الهمجي وحرب الإبادة الجماعية ضد السكان العزل.

وعدّ أن قضية فلسطين وغزة هي قضية الحق الفلسطيني في مواجهة الباطل الصهيوني، مهاجماً ازدواجية المعايير التي تتبعها القوى الغربية، مستشهداً بقول الشاعر أديب إسحاق: "قتل امرئ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتفر، وقتل شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر".

 

كما ألقى العالمان الدينيان ماموستا عبد الجبار لطفي وماموستا فؤاد محمدي، اللذان يقودان حملة تبرعات منذ بداية العدوان على غزة، كلمتين منفصلتين. وتحدث لطفي عن الحملة وأنشطتها وتواصلها مع المؤسسات الخيرية في غزة، مشدداً على ضرورة وقوف الأمة الإسلامية صفاً واحداً لنصرة غزة ورفع الحصار عنها، ومشيراً إلى أن صمود الشعب الفلسطيني ومجاهديه أسطوريٌ يذكر الأمة بزمن صدر الإسلام.

 

أما ماموستا فؤاد محمدي، فقد وصف ما يجري في غزة بأنه كارثة إنسانية تشمئز منها الإنسانية، مؤكداً أن الصهاينة المجرمين أشعلوا حرباً دينية لإبادة شعب مسلم واحتلال أرضه، وأن الشعب الفلسطيني يسجل أروع معاني الصمود بتمسكه بأرضه ودينه، ومشيداً بنضال المجاهدين في غزة وقدرتهم على إلحاق هزيمة نكراء بالعدو الذي فشل في تحقيق أهدافه بعد عامين من حرب الإبادة.

 

واختتم الفعالية بكلمة نارية لخطيب جمعة مسجد قباء، ماموستا أحسن حسيني، استخدم فيها أبياتاً شعرية لشرح مظلومية أهالي غزة وجرائم الصهاينة وفضائعهم ضد الأطفال والنساء والشيوخ.

 

وتخلل المؤتمر أناشيد دينية وجهادية تحث أبناء المسلمين من جميع القوميات والأعراق المسلمة على الجهاد في فلسطين وغزة.

 

شكر فلسطيني

 

وفي كلمة عبر الهاتف، شكر رئيس التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية، المستشار الدكتور علاء الدين العكلوك، علماء كردستان إيران على مؤتمرهم لإصدار فتوى الجهاد والزحف نحو الحدود نصرة لغزة، مستشهدا بالحديث النبوي الشريف: إن مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

 

وخاطب العكلوك الأكراد وعلمائهم بالقول: "يا احفاد صلاح الدين الايوبي، يا اهل كردستان، يا من رفعتم رؤوسنا عاليا وانتم تخرجون من بلادكم الابطال منكم يا اهل السنة وانتم تدافعون عن أمة الإسلام كيف لا وانتم قد جدتم بالنفس قبل المال عبر تاريخ أمتنا الإسلامية وها أنتم اليوم يا علماء کردستان السنة في إيران، ويا أهل كردستان تجودون بالغالي والنفيس وتقدمون المال لعباده".

 

وأضاف أن غزة التي تموت جوعا من الحصار المطبق عليها، من القريب ومن البعيد والعالم كل العالم يشارك هذا المحتل فعله لا إنساني. نحن أهل غزة نعبر لكم عن شكرنا وامتناننا لكم في هذا الحشد العلمائي من العلماء والأهالي والحضور الكريم. نحن لا ولن ننسى تاريخكم المشرف في فلسطين فلا تزال هناك عائلات تنتمي من جذوركم من عائلاتكم من غزة من أصول صلاح الدين هذا البطل الكبير.

 

وخاطب رئيس التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية، علماء الأمة في مشارق الأرض ومغاربها، قائلا: "أين أنتم مما يجري في فلسطين؟ شعبنا يباد، أطفالنا تذبح، نساؤنا تغتصب حقوقهن، شيوخنا يقصفن بيوتهم، أرضنا تنتهك، مقدساتنا تدنس وتقصف ولايزال الصمت غالب والخذلان واضح والتخاذل مؤلم، فما لكم؟ قال تعالى: فما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان؟ أليس أهل غزة من المستضعفين؟ أليسوا أولى بالدفاع والنصرة؟ قال تعالى: “إنما المؤمنون إخوة” أين مقتضى الأخوة في نصرتكم؟ أين واجب الدين والضمير؟

 

وتساءل الدكتور العكلوك: "أين أهل الذكر والتذكير؟ فأين التذكير؟ أين التذكير يا علماء الأزهر وعلماء الحرمين الشریفين؟ قال الإمام أحمد شيخ السنة والجماعة إذا سكت العالم تقيه والجاهل لا يعلم فمن يتبين الحق؟ وقال ابن قيم العالم إذا لم يصدع بالحق ويظهر للناس الباطل فهو شيطان أخرس يا علماء الأمة كونوا كشيخ الإسلام ابن تيمية في وجه التتر أليس اليهود تتار اليوم؟ إلى كل من وقف وساند قضيتنا ووقف معنا واستنهض همته معنا أقول لهم بارك الله فيكم.