حذّر مركز الدراسات السياسية والتنموية في غزة، من مساعي حكومة الاحتلال الصهيوني لفرض ما يُعرف بـ"نموذج لبنان" على قطاع غزة.
وقال المركز، في ورقة "تقدير موقف" أصدرها اليوم، بعنوان: "نموذج لبنان: عقيدة الردع الإسرائيلية الجديدة وتحديات تعميمها على غزة"، إن تعميم هذا النموذج يحمل في طياته مخاطر أمنية وسياسية كبيرة، وقد يتحول إلى وصفة للفشل الإستراتيجي إذا لم يتم إدراك الفوارق العميقة بين جبهتي لبنان وقطاع غزة.
وتناولت الورقة العقيدة العسكرية الصهيونية الجديدة التي ظهرت بعد سلسلة الحروب الأخيرة، وترتكز على فرض ما يسمى بـ"الردع المفتوح"، أي تنفيذ عمليات عسكرية حتى في ظل وقف إطلاق النار، كما يفعل الكيان الصهيوني حاليًا في لبنان.
نموذج لبنان
ورأى المركز أن الاحتلال بات يعتمد على صيغة أمنية جديدة بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان أواخر 2024، تقوم على الاحتفاظ بحرية الضرب والردع دون الارتباط باتفاقيات أو التزامات صلبة.
وأشارت الورقة إلى أن "تل أبيب" تعتبر عدم رد حزب الله على عشرات الغارات الجوية منذ انسحاب جيش الاحتلال من جنوبي لبنان بمثابة نجاح لهذا النموذج، مما شجع دوائر القرار السياسي والعسكري على التفكير بإسقاط التجربة على غزة وإيران.
غزة ولبنان
وأكد المركز، أن محاولة تطبيق "نموذج لبنان" على غزة تتجاهل الخصوصية السياسية والميدانية للقطاع، حيث تسيطر حركة حماس على الأرض دون وجود سلطة رسمية معارضة لها، خلافًا للبنان الذي تلعب فيه الدولة دورًا غامضًا أو متواطئًا ضمنيًا في مواجهة حزب الله.
وبيّن المركز، أن بيئة غزة "أكثر تعقيدًا"، إذ لا توجد ترتيبات أمنية محلية أو دولية تتيح للاحتلال تنفيذ ضربات مستمرة دون رد، كما أن ملف الأسرى بيد المقاومة يفرض قيودًا ثقيلة على يد الكيان الصهيوني، ويحمي أي هدنة من الانهيار السريع.
تحذير من الوقوع في فخ الردع غير المتكافئ
وشددت الورقة، على أن الاحتلال يحاول الالتفاف على فشل حسم الحرب عسكريًا عبر فرض قواعد اشتباك غير متوازنة، تتيح له القصف وقتما شاء دون التزامات حقيقية.
وأشار المركز إلى أن فرض هذا النموذج على غزة قد يؤدي إلى نتائج معاكسة، أبرزها: "ترسيخ وجود حماس بدلًا من إضعافها، شرعنة العدوان العسكري دون ردع فعّال، تدويل المواجهة بسبب ازدياد الإدانات الدولية".
ودعا المركز إلى التعامل مع هذا التوجه الصهيوني باعتباره محاولة لشرعنة الاستنزاف، وليس لضمان الاستقرار.
ثلاثة سيناريوهات محتملة… والراجح؟
وطرحت الورقة، ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتوسيع نموذج لبنان على غزة، وهم: "فرض النموذج بنجاح: وهذا يتطلب سكوت المقاومة ودعمًا أمريكيًا، وهو سيناريو محفوف بالمخاطر، الفشل وتثبيت الردع المتبادل: حيث تظل المقاومة حاضرة، ويُعاد إنتاج معادلة "هدوء مقابل هدوء"، تسوية مؤقتة مشروطة: وهي الأرجح، وتشمل وقفًا هشًا لإطلاق النار مع ترتيبات أمنية تدريجية وضغوط دولية لضبط الطرفين".
واعتبر المركز أن السيناريو الثالث هو الأقرب في المدى القريب، في ظل هشاشة التوازنات السياسية الصهيونية، وقوة أوراق المقاومة، وغياب ترتيبات ما بعد الحرب.
توصيات المركز
وقدّم المركز حزمة توصيات عملية لصنّاع القرار الفلسطيني والدولي، من بينها: "رفض أي تهدئة غير متوازنة تسمح للكيان الإسرائيلي بتنفيذ ضربات دون رد، الحفاظ على أوراق القوة مثل ملف الأسرى، واستخدامه كورقة ردعية رئيسية، توثيق وفضح الخروقات الإسرائيلية دوليًا، خصوصًا في ظل محاولات الاحتلال تصوير الغارات كـ"حق مشروع"، تعزيز التنسيق الميداني والسياسي بين الفصائل لمنع الاحتلال من استفراد أي طرف أو تفكيك الجبهة الداخلية، وبناء خطاب إعلامي جماعي يواجه محاولات حكومة الاحتلال تسويق نموذجها على أنه “قانوني أو ناجح".
لا استقرار دون حقوق
وخلص المركز، إلى أن العقيدة الجديدة التي يتبناها الاحتلال تُعبّر عن عجزه عن الحسم، أكثر مما تعكس ثقة بالانتصار، وأن محاولة تعميم نموذج لبنان في غزة دون معالجة سياسية حقيقية لما بعد الحرب، سيعيد إنتاج دائرة العنف والتصعيد والاستنزاف، بدلًا من تحقيق الأمن.
وشدد على أن الردع الحقيقي لا يُبنى بالقصف وحده، بل بتحقيق تسويات عادلة، ورفع الحصار، واحترام الحقوق الفلسطينية، وهو ما تتجاهله حكومة الاحتلال في سعيها المحموم لتكريس وضع لا حرب ولا سلام.