من الطبيعي أن الفرد عندما ينتقل من بيئة إلى أخرى تختلف بدرجةٍ ما في ملامحها وسماتها بشكل كبير فإننا نرصد قدْرًا من التوتر والقلق في سلوك هذا الفرد، وتقلُّ هذه الشحنة الانفعالية كلما تضافرت العوامل والجهود للتمهيد والتهيئة النفسية للبيئة الجديدة، ومن ثم التكيُّف والتقبُّل والاندماج والانسجام الفعَّال.

 

وهذا ينطبق تمامًا على أطفالنا وهم على أعتاب الدخول إلى عالم الحضانة أو المدرسة وفي أيامهم وشهورهم الأولى أحيانًا، وتقع المسئولية كاملةً على عاتق الوالدين في التمهيد لعالم المدرسة والتدرُّج مع الطفل حتى يصل إلى مرحلة استيعاب الخطوة الجديدة والتأقلم معها بشكل طيب.

 

أولى هذه الخطوات ترتبط بأهمية التشويق والتمهيد للمدرسة، والحديث المؤثِّر عن الأجواء اللطيفة فيها.. المراجيح، الأطفال الحلوين، المعلمة المبتسمة التي ستحبه مثل ماما، ثم الانتقال إلى مرحلة شراء مستلزمات المدرسة.. الملابس.. الحقيبة.. الأدوات المدرسية، إعداد مكتب صغير مناسب أو منضدة وكرسي بألوان زاهية، وتعريف الأقارب والأصدقاء في الزيارات أو الهاتف أن الصغير أصبح كبيرًا وسيدخل المدرسة ولديه كذا وكذا.

 

أما الخطوة الثانية فتتمثَّل في اصطحابه عند دفع المصروفات واستلام الكتب وشراء الكراسات واستئذان الإدارة في التعرف على الفصل والجلوس فيه قليلاً، والإشادة باللوحات الجدارية ونظافة المكان، وكذلك إتاحة الوقت له لممارسة بعض الألعاب في المكان المخصَّص لها في فناء المدرسة مع والديه (كرة، بنج) أو مساعدته على تسلق الأرجوحة وما شابهها، مع التأكيد أن لعبه مع الأطفال غدًا في اليوم الدراسي سيكون أكثر متعةً، إضافةً إلى تعريفه بالفريق الإداري أو هيئة التدريس أو بعض مدرساته، ومن ثم تحفيزه على التواصل معهم في أيام المدرسة.

 

في اليوم الأول تبدأ خطواتُ العدِّ التنازلي للفطام المنزلي وتعرُّفه عن قرب على البيئة المدرسية؛ ليبدأ أولى خطوات النفس المتمثِّلة في استعداد الطفل للانفصال عن أمه ومنزله لفترة ساعات، يتبعه تكيُّفٌ اجتماعيٌّ مع المعلمة والأطفال والنظام الجديد، من تحديد لأوقات اللعب أو التعلم أو الانصراف، وتقع مسئولية تحقيق هذا التكيف على عاتق الوالدين والمعلمة معًا.. الوالدان يشجِّعان ويُجيبان على استفسارات الطفل، ويبدِّدان مخاوفه، والمعلمة تحاول فهْمَ الطفل ودوافعه وانفعالاته وتحتضنه، وتساعده في الوصول إلى التوافق والاندماج بالتعاون مع والديه؛ للوصول إلى أفضل الأساليب المناسبة لشخصية الطفل وظروفه.

 

ويجب أن يستمر هذا التعاون الوثيق في السنوات الأولى من التحاق الطفل بالمدرسة؛ حتى يصل إلى مرحلة التوازن والقدرة على تصريف أموره داخل المدرسة؛ ليبقى التعاون والتواصل بين الحين والآخر، وهناك تجارب ناجحة كانت الأم تتفق مع المعلمة فيها على قاعدة مريحة ومشتركة لتربية الطفل وتهذيبه لتتم متابعة الطفل بشكل ناجح.

 

وعندما تأتي شكوى إلى الأم بأن طفلها يبكي ويصرخ في المدرسة، ويرفض التعاون مع المعلمة أو الأطفال، فالمشكلة ليست في الطفل وإنما في المعالجة الخطأ للأم وإهمالها أو جهلها بالخطوات التي أشرنا إليها آنفًا.

 

ولحل تلك المشكلة يجب على الأم أن تدرك وتقتنع أولاً أن طفلها سويٌّ، وسلوكه هذا ناجمٌ عن خطأ الوالدين بالدرجة الأولى، وأن الخطوات الحكيمة مع مرور الوقت ستصل به إلى نتيجة أفضل بإذن الله، وهذا يعني أن تبدأ مع الطفل من نقطة البداية.. مرحلة التشويق والتمهيد والإعداد، ولا بأس أن يتغيَّب الطفل بعض الأيام عن المدرسة أو الحضانة حتى نطمئن إلى تقبُّله نفسيًّا للجوِّ المدرسي، ثم تبدأ المرحلة التالية.. مرحلة المصاحبة والمؤانسة في الفصل الدراسي، وقد تطول إلى أيام وأسابيع حتى يتكيَّف الطفل، ولكنها خطواتٌ لا بد منها، ويلزمها الكثير من الجلَد والتحمُّل وعدم إبداء الانزعاج والتذمُّر أو التقريع والتوبيخ لتعلُّق الطفل بأمه، وبالطبع وقبل أن تترك الأم طفلَها وحدَه عليها الاطمئنانُ إلى الجهد الذي ستُوليه المعلمة له، وإلى جماعة الرفاق الذين سيُحيطونه باهتمامهم ويشاركونه اليوم الدراسي، عن طريق المتابعة اليومية في الفترة التالية عن طريق الهاتف أو الزيارة.. تستطيع الأم التعرف على وجه التكيُّف والتوافق التي تنشرها.

 

كما ننصح الأم بمراجع