في كثير من الحالات التي واكبنا تفاصيلها، حين كان الأسر مصير المقاومين والمناضلين، ومن يسعون إلى التغيير وإلى الحرية، سواء من الاحتلال أو من الأنظمة الديكتاتورية، كانت هناك حالات كثيرة سقط فيها من كانوا ضحايا هذه المسيرة. البعض منهم سقط في فخ الارتباط مع العدو، أو على الأقل مع الخصم الذي وقف ضده، وسعى إلى تغيير أسلوبه ومنهجه، والبعض الآخر اتجه في اتجاه معاكس، وسار في ركب التطرف الشديد، وبات المجتمع بأكمله، أو قل العالم بأكمله عدوًا له إن لم يكن نصيرًا له، وبعضهم اكتفى بأضعف الإيمان وانعزل وحاد عن الطريق الذي بدأه، واعتبر نفسه واحدًا من المجتمع، يعيش كما يعيشون لا يعنيه الأمر أكثر منهم.

 

إلا أن الذين يسطرون في صفحات المجد، ويذكرهم التاريخ في كل زمان ومكان، هم أؤلئك الذين يثبتون على ذات الطريق، ويتمسكون بالنهج الذي انتهجوه، مؤمنين أن طريق التغيير محفوفة بالأخطار، ورحلة التحرر والانعتاق من الظلم والعبودية تحتاج إلى التضحيات، وهم يؤمنون بمقولة الشهيد عبد الله عزام "إن الجيل الأول من الدعاة لا بد أن يكبروا على أنفسهم أربعًا في عداد  الشهداء"، وهم أيضًا لا يستوحشون الطريق لقلة الرفقاء في هذا الدرب، ويعلمون أن رجال التغيير هم الغرباء، والغرباء فقط، فإن من يسعى إلى إحداث تغيير في مجرى الحياة، يبدأ وحيدًا ثم يجمع الناس حوله.

 

 الصورة غير متاحة
 
من هؤلاء الرجال الذين ثبتوا، رجل لا أعرفه، وقليلاً ما شاهدت صورته، أو سمعت بعضًا من كلامه، إلا أن آخر كلمات سمعتها منه هزّت كياني، وحرّكت كل مشاعري، وأثارت أشجاني، لأنني أدركت أن الغرباء ما زالوا موجودين فيما بيننا، وأن أصحاب فكر التغيير لا زالوا أحياء، وهم على أتم استعداد لرسم معالم هذا الطريق بدمائهم، كما فعل أسلافهم من جيل الصحابة والتابعين والمجددين، وأئمة الدعاة وطلاب الحرية والكرامة.

 

خيرت الشاطر الذي وقف كالأسد في محكمة الظلم التي عقدت له ولإخوانه، وصاح بأعلى صوته بسقوط الظالمين، وهيّج جمهور الحضور، بل وحرّك الأمة بأسرها بكلماته التي قالها، معلنًا ثباته على ذات الدرب الذي بدأه، رغم الظلم الذي وقع عليه، بعد أن حجرت قيادة الظلم على أمواله وأموال إخوانه، وانتزعتهم من بين أبنائهم وعائلاتهم، وأودعتهم السجون لا لذنب إلا لأنهم قاموا ليعيدوا للأمة كرامتها، قاموا ليحملوا أمانة الدين على أعناقهم، وقدموا في سبيل ذلك كل غالٍ، من الأرواح والأموال، والسنين الطوال في السجون، فكان جزاؤهم أن يستمر القمع والظلم في محاولة لكسر شوكتهم، وثنيهم عن الطريق الذي سلكوه.

 

يظن الظالمون أن مثل هؤلاء الرجال يمكن أن يكسر، وأن يحيدوا عن الدرب الذي خطوه بدمائهم، واهمين أن السجون تكسر العزائم، وما علموا أن الأسود تخرج من أقفاصها أشد بأسًا وعزيمةً كلما طال حبسها، ما دروا أن تلك الأسود تغضب أكثر كلما اشتد عليها الألم، وتنتظر اللحظة المناسبة كي تثأر لنفسها.

 

يظنون أن مثل هذه القلوب يمكن أن يسكنها الخوف، ما علموا أن الخوف من الظالمين لا يدخل قلوبًا سكنها الخوف من الله، والوثوف به، والتوكل عليه، ما عرفوا أن هذه القلوب مضيئة بالإيمان، وعامرة بكتاب الله، مطمئنة به، لا يعرف الخوف إليها سبيلاً، ما عرفوا أن هؤلاء الرجال وضعوا الموت أمام أعينهم من أول خطوة لهم في هذه الطريق، فكيف سيمنعونهم من إكمال دربهم؟.

 

 الصورة غير متاحة
 
ما كان غريبًا أن أرى خيرت الشاطر كالأسد خلف القضبان، يزأر فتسمع الدنيا زمجر