منذ انتهاء المرحلة الأولى في اتفاق وقف إطلاق النار بين الاحتلال الصهيوني والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، مطلع الأسبوع الجاري، والجميع يتطلع إلى معرفة ما ستئول إليه الأوضاع بين الطرفين، في ظل تهديدات متتالية من قادة الاحتلال الصهيوني باستئناف الحرب، ودعم أمريكي مطلق لقرارات نتنياهو، وصمت عربيٍ ليس جديدًا منذ بدء العدوان في أكتوبر 2023.

 

وفي الـ 19 من يناير الماضي، بدأ سريان اتفاق وقف إطلاق النار، واستمرت المرحلة الأولى منه 42 يومًا، شهدت تنفيذ بعض بنوده (وهي تبادل الأسرى وانسحاب الاحتلال من معظم قطاع غزة)، كما شهدت خروقات صهيونية متعددة كان أبرزها منع وصول أغلب المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة، وكذلك استهداف عشرات الفلسطينيين طوال فترة الهدنة، ما تسبب باستشهاد وإصابة المئات، ليأتي الحديث لاحقًا عن استحقاق دخول المرحلة الثانية من الاتفاق، بين ترحيب فلسطين وخرق إسرائيليٍّ يُلوّح كثيرًا بالعودة إلى شن عدوان على القطاع.

 

جاءت ردود الأفعال الصهيونية المرتبكة حول قرار استئناف الحرب أو الاستمرار في إكمال الاتفاق، بعد أن ظهرت حركة حماس في عمليات تبادل الأسرى بما يؤكد انتصارها في حرب طوفان الأقصى، وإفشال كافة أهداف الاحتلال التي أعلنها، متمثلة باستعادة الأسرى بالقوة والقضاء على الحركة وإدارة القطاع بما يتوافق مع رغبة الاحتلال، بينما كان اليوم التالي لوقف إطلاق النار يُظهر أن الاحتلال لم يعد من هذه الحرب إلا بالمجازر في حق المدنيين والفشل في تحقيق نصر يُذكر.

 

وعلت أصوات اليمين المتطرف في حكومة الاحتلال، وفي القلب منه وزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن المستقيل إيتمار بن غفير، وعدد من قادة الحكومة وأعضاء الكونغرس المتطرفين، ينادون بضرورة العودة للقتال حتى القضاء على حركة حماس، متعززين بدعم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي توعّد فتح أبواب الجحيم على قطاع غزة حال عدم عودة كل الأسرى دون مقابل، معتبرين أن هذا الدعم الأمريكي فرصة يجب انتهازها في القضاء على المقاومة.

 

تضارب المواقف الصهيونية

 

نقلت وسائل إعلام صهيونية عن مسئول رفيع قوله إن استئناف الحرب بات مسألة وقت، مشيرًا إلى وجود تفاهمات مع الولايات المتحدة بهذا الشأن، موضحًا أن تشكيل قيادة جديدة لهيئة الأركان الصهيونية قد يمهد الطريق لتنفيذ هذه العملية العسكرية، والتي وصفها بأنها "أمر لا مفر منه"، فيما قال سموتريتش" "ستندهشون من قوة ودقة وفتك العملية العسكرية لاحتلال غزة عندما نقرر الوقت المناسب لاستئنافها"، مشيرًا إلى أن الجيش يستعد لعملية أشد فتكًا في غزة بقيادة رئيس الأركان الجديد إيال زامير، وبدعم سياسي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

 

وعقب فشل المفاوضات في الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، تبنى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لغة التهديد بحق المقاومة؛ حيث أفادت وسائل إعلام صهيونية بأن المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) سيجتمع الأحد المقبل لمناقشة احتمال استئناف القتال، كما أشارت إلى تعليمات أصدرتها القيادة الجنوبية للجيش للجنود بالاستعداد لاحتمال تجدد الحرب، مع تعزيز القوات قرب قطاع غزة.

 

يأتي ذلك بينما قادة الشاباك الصهيوني، وقادة جيش الاحتلال يحذرون من المضي في هذا المسار، لا سيما بعد الإنهاك الذي أصاب جنود الاحتلال خلال أكثر من 15 شهرًا من الحرب على جبهتي غزة ولبنان، فكيف يمكن قراءة التهديدات الصهيونية المتكررة بشن عدوان جديد على قطاع غزة؟ هل تأتي في سياق النية الحقيقة للتوجهات الصهيونية القادمة بدعم أمريكي، أم أنها تمثل عملية عض أصابع والضغط على المقاومة لتقديم تنازلات يمكن أن ترمم الصورة المسحوقة لوجه الاحتلال؟.

 

خيار غير مطروح

 

ويرى خبير الشئون الإسرائيلية الدكتور علي الأعور، أن الساحة السياسية الصهيونية تشهد تصعيدًا في الخطاب تجاه قطاع غزة، فيما تأتي في ظل انقسام داخلي بين مؤيدين للالتزام بالاتفاق، وضغوط من أوساط اليمين المتطرف تطالب باستكمال الحرب، وسط تساؤلات حول مدى جدية هذه التهديدات وإمكانية تنفيذها على أرض الواقع.

 

وتساءل الدكتور علي الأعور في تصريح لموقع "مصراوي"، حول جدية هذه التصريحات قائلاً: ماذا تبقى من غزة حتى يعود القتال؟ سكان القطاع عاشوا أهوال الحرب، لكن إرادتهم وصمودهم في أرضهم أحبطت مشاريع التهجير، تمامًا كما فشل مشروع ترامب في ترحيل الفلسطينيين، والدليل على ذلك عودة نحو نصف مليون فلسطيني من النازحين إلى مناطقهم المدمرة، ليؤكدوا أنهم أصحاب هذه الأرض.

 

ويوضح علي الأعور، أنه في ظل هذه الأوضاع، يعود بعض وزراء الاحتلال وأعضاء الكنيست للمطالبة بتدمير ما تبقى من غزة والقضاء على حركة حماس، لكن الواقع الميداني يفرض معادلة مختلفة: إما استعادة الأسرى الصهاينة في توابيت، أو استكمال الصفقة والمضي قدمًا في مرحلتها الثانية. هذا هو الخيار الحقيقي المطروح أمام حكومة الاحتلال.

 

خيار الحرب لم يعد مطروحًا، وفقا لـ"الأعور"، ليس فقط بسبب الضغوط الدولية، ولكن أيضًا بسبب التغيرات في الشارع الصهيوني، الذي بات يوجه المرحلة المقبلة، وليس نتنياهو أو وزراؤه، فالشارع الصهيوني يضغط لتنفيذ المرحلة الثانية من الصفقة، مما يقلل من احتمالات العودة إلى الحرب.

 

ويبدو أن نتنياهو لا يستطيع تحمل مسئولية استمرار احتجاز الأسرى الصهاينة في غزة، ولا حتى إدارة ترامب قادرة على تحمل تداعيات ذلك، من هنا، فإن الاتجاه العام يسير نحو تنفيذ الاتفاق، رغم محاولات نتنياهو للمراوغة وتأخير التنفيذ عبر المناورات السياسية، لكن المؤشرات تشير إلى أن القرار النهائي سيكون المضي قدمًا في الصفقة، وليس العودة إلى التصعيد العسكري، وفق خبير الشؤون الإسرائيلية.

 

عودة للحرب

 

بينما يرى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني عبد المهدي مطاوع، أن الاحتلال يسعى من خلال استراتيجيته الحالية إلى تحقيق هدفين رئيسيين في مفاوضاته حول الهدنة مع حركة حماس، الهدف الأول هو تمديد المرحلة الأولى من الاتفاق، بهدف الحصول على مزيد من الأسرى وتعزيز موقفه التفاوضي، أما الهدف الثاني، فيكمن في فرض شروط المرحلة الثانية، والتي تتضمن نزع سلاح حماس، وإزالة حكمها من قطاع غزة، إلى جانب شروط أخرى من المتوقع أن ترفضها الحركة، ما قد يمنح تل أبيب ذريعة لاستئناف العمليات العسكرية.

 

ويضيف مطاوع خلال حديثه لـ"مصراوي"، أن هذه التوجهات تحظى بدعم واضح من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يساند نتنياهو في أي قرار يتخذه، الأمر الذي يعزز فرص التصعيد العسكري. لكن في الواقع، تبقى الضفة الغربية هي الهدف الأهم بالنسبة للاحتلال، خاصة مع انضمامها إلى أولويات الحكومة اليمينية المتطرفة الحالية، وهو ما يفسر التصعيد الصهيوني غير المبرر هناك، حيث لم يأتِ كرد فعل على أي تطورات جوهرية على الأرض، بل يأتي في سياق رؤية أيديولوجية تهدف إلى فرض الأمر الواقع.

 

وأكد أنه في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الاتفاق الحالي سيتم تعديله، وسيتم فرض شروط جديدة على أي مرحلة قادمة، وفي حال رفض الجانب الفلسطيني لهذه الشروط، فإن البديل سيكون العودة إلى الحرب، وفقًا لما تسعى إليه حكومة الاحتلال.

 

ضبابية موقف الاحتلال

 

أما الدكتور محمود يزبك، الأكاديمي المتخصص في الشأن الإسرائيلي، فيرى أن الحديث عن تجدد الحرب يحمل قدرًا كبيرًا من الضبابية المقصودة، ويوضح أن المجتمع الإسرائيلي، وفقًا لاستطلاعات الرأي الأخيرة، يعارض بنسبة تتراوح بين 70 و75% فكرة العودة إلى القتال، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هو الوحيد الذي يلوح أحيانًا بهذا الاحتمال، بينما تبدي القيادة العسكرية معارضة واضحة لفكرة تجديد الحرب.

 

ويضيف يزبك في حوار لشبكة الجزيرة أن جيش الاحتلال يعاني من إرهاق كبير؛ حيث وقّع آلاف الجنود على عرائض ترفض العودة إلى القتال في غزة، كما أن الاحتلال فقد ما بين 15 و16 ألف جندي بين قتلى وجرحى ومرضى نفسيين خلال الحرب الأخيرة.

 

ويرى الأكاديمي المتخصص بالشأن الإسرائيلي أن هذه المعطيات مجتمعة تشير إلى صعوبة استئناف حرب واسعة النطاق، رغم احتمال حدوث ضربات محدودة لكنها مشروطة بالموافقة الأمريكية.

 

ويلفت يزبك إلى أن رسائل الاحتلال تبدو متضاربة؛ حيث تشير بعض التقارير إلى أن هدف ويتكوف هو تمديد المرحلة الأولى من الاتفاق أو المضي قدمًا في المرحلة الثانية، دون ذكر لاستئناف الحرب، وأن زيارة ويتكوف قد تكون بمثابة فرصة أخيرة للاحتلال للتوصل إلى اتفاق، مع تهديد بفرض حلول إذا لم يتم التوصل إلى نتيجة، ويرى أن الإدارة الأمريكية لن تقبل بنقض الاتفاقيات من قبل إسرائيل، خاصة أن ويتكوف يعتبر الاتفاقيات أساسا في سياسته.

 

ضربات محدودة

 

ومن جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي أحمد الحيلة أن الفصائل الفلسطينية تأخذ احتمال تجدد القتال بجدية، برغم أن المؤشرات لا تؤكد أن الحرب هي الخيار الأول للاحتلال، لافتًا إلى أن التلويح بالحرب قد يكون أداة ضغط في المفاوضات، خاصة مع زيارة المبعوث الأميركي ستيفن ويتكوف إلى المنطقة.

ويشير الحيلة في مداخلة مع "الجزيرة" إلى أن الاحتلال الصهيوني يستخدم المعاناة الإنسانية في غزة أداة حرب، مع تحريك القطع العسكرية لإظهار الجدية في موقفه، ويرى أن انعقاد المجلس الوزاري المصغر يوم الأحد، بعد زيارة ويتكوف، قد يكون محاولة لإظهار أن الاحتلال  جاد في خيار الحرب إذا لم تتوصل المفاوضات إلى نتيجة.

ويتساءل الحيلة عن مدى فاعلية استخدام الاحتلال للجوع سلاحًا ضد الفصائل الفلسطينية، ويوضح أن تمديد المرحلة الأولى من الاتفاق ممكن وفقًا لبنود الاتفاق، لكنه يتطلب التزام الاحتلال باستحقاقات هذه المرحلة، مثل استمرار دخول المساعدات ووقف إطلاق النار.