دعا السفير الأمريكي السابق بدمشق (2011-2014) روبرت فورد الولايات المتحدة إلى سحب قواتها من سورية وفك الارتباط مع قوات سورية الديمقراطية (قسد) والتعامل مع الحكومة السورية الجديدة.
وفي مقال نشره فورد الزميل حاليا في معهد الشرق الأوسط، بمجلة "فورين أفيرز" قال فيه إن الحرب الأهلية السورية التي استمرت 13 عاما انتهت بشكل مفاجئ، وهرب رئيس النظام بشار الأسد الذي حكمت عائلته سورية لستة عقود تقريبا.
وتقود هيئة تحرير الشام، بقيادة أحمد الشرع، الحكومة السورية المؤقتة وبانتظار حكومة انتقالية سيتم الكشف عنها في الربيع. ولا يزال من غير المؤكد كيف سيوحد الشرع دولة متنوعة ومنقسمة، وما إذا كان سيكبح جماح العناصر المتشددة في هيئة تحرير الشام، وما إذا كان سيفوز بدعم المجموعات السورية الأخرى إذا تحرك في اتجاه أكثر اعتدالا وشاملا.
وأكد فورد أنه من بين الشكوك التي تواجه سورية مستقبل التدخل الأمريكي في البلاد، فمنذ عام 2014، دعمت واشنطن كيانا مستقلا بحكم الأمر الواقع في شمال – شرق سورية يتألف في الأساس، ولكن ليس حصريا، من فصائل كردية.
واستغل هذا التحالف تحت راية قوات سورية الديمقراطية، الفوضى التي أطلقتها الحرب الأهلية في سورية لإنشاء جيب على طول الحدود مع تركيا. وقاتلت قوات سورية الديمقراطية قوات الأسد، تركيا، الميليشيات المدعومة منها والجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة، وبخاصة تنظيم الدولة الإسلامية.
ووفق السفير فقد عملت القوات الأمريكية مع قوات سورية الديمقراطية على مطاردة تنظيم الدولة الإسلامية حتى آخر معاقله في سورية. وتحتفظ الولايات المتحدة بنحو 2,000 جنديا بالإضافة إلى المتعاقدين في نحو 12 نقطة تشغيل وقواعد صغيرة في شرق سورية لدعم جهود قوات سورية الديمقراطية المستمرة للقضاء على تنظيم الدولة ومنع الهجمات التركية. وعلى الرغم من هذا الدعم، لا يزال تنظيم الدولة نشطا في سورية.
وأكد فورد أنه مع زوال نظام الأسد، يمكن للولايات المتحدة أن تختار العمل مع شريك أكثر نفوذا وفعالية في المعركة ضد بقايا تنظيم الدولة: الحكومة السورية الجديدة في دمشق.
ومن الممكن أن يعزز التعاون الأكبر، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، مع هذه الحكومة الوليدة الأمن الإقليمي، ويساعد في إنهاء القتال الدائر في شرق سورية ويسمح للولايات المتحدة بتخصيص موارد أقل للبلاد.
وأشار السفير السابق إلى أنه لطالما أبدى الرئيس دونالد ترامب أسفه على التورط الأمريكي في الصراعات الخارجية وبخاصة في الشرق الأوسط. ومن شأن الشراكة مع الحكومة الانتقالية الجديدة في دمشق أن تسمح للولايات المتحدة بمغادرة سورية بشروطها الخاصة.
وبحسبه يرى العديد من المسئولين والمحللين الأمريكيين أن الإدارة الذاتية في شمال- شرق سورية هي شريك موثوق به لضمان ما تأمل واشنطن به وهي “الهزيمة الدائمة” لتنظيم الدولة في البلاد. لكن قوات سورية الديمقراطية، الجناح العسكري للإدارة الكردية، فشلت في القضاء على الجماعة المتشددة. وبعد ست سنوات من استيلاء قوات سورية الديمقراطية على آخر معقل لتنظيم الدولة في سورية، لا يزال مقاتلوه يعملون في وسط وشرق سورية.
وأضاف فورد أن أفعال قوات سورية الديمقراطية أثارت حنق المجتمعات العربية المحلية. فقد ارتكبت هذه القوات، الخاضعة لسيطرة وحدات حماية الشعب الكردية، عمليات قتل خارج إطار القانون وقامت باعتقالات تعسفية للمدنيين العرب وابتزت من حاول منهم الحصول على معلومات عن أقاربهم المعتقلين أو تأمين إطلاق سراحهم، كما ضغطت على الشباب العرب للانضمام إلى صفوفها وحرفت نظام التعليم بما يتفق مع الأجندة السياسية لوحدات حماية الشعب وجندت العديد من المقاتلين الأكراد غير السوريين. وقد دفعت هذه التصرفات بعض السكان المحليين إلى أحضان تنظيم الدولة.
ولفت السفير السابق إلى أن العداء المستحكم بين قوات حماية الشعب وتركيا يعمل على عرقلة جهود قوات سورية الديمقراطية ضد تنظيم الدولة، حيث تشن وحدات حماية الشعب هجمات متقطعة ضد المواقع التركية في سورية وتركيا، مما يعزز وجهة النظر التركية الراسخة بأن وحدات حماية الشعب هي جماعة إرهابية.
وأشار الكاتب إلى رفض وحدات حماية الشعب نداء الزعيم الكردي السجين عبد الله أوجلان الذي دعا في نهاية فبراير مقاتلي حزب العمال الكردستاني، بي كي كي الذي تتهم تركيا وحدات حماية الشعب بالانتماء إليه. وقال قادة الوحدات أن النداء لا ينطبق عليهم.
إلا أن تركيا لم تظهر استعدادا للتسامح مع جيب كردي على حدودها مع سورية. وقد حاولت الإدارات الأمريكية منذ باراك أوباما، دعم ميليشيا وحدات حماية الشعب السورية في القتال ضد تنظيم الدولة والاستماع لتظلمات أنقرة ورغبتها في توجيه ضربات لقادة وحدات حماية الشعب ومقاتليها. ووفرت المظلة العسكرية الأمريكية التي تغطي وحدات الحماية، ضمانا لها من الهجوم التركي في شرق سورية وسندا لرفض وحدات حماية الشعب والإدارة الذاتية التي أسسوها لأي تسوية مع تركيا أو الحكومة الجديدة في دمشق. وتخلق المظلة وضعا راهنا يمنح تنظيم الدولة مساحة أكبر للعمل، وهو ما يعني حربا بلا نهاية.
وشدد فورد على أنه للحفاظ على الشراكة مع قوات سورية الديمقراطية، ستحتاج إدارة ترامب إلى دعم الجماعات الكردية في معاركها المستقبلية مع تركيا. فبين عامي 2023 و2024، ضاعفت إدارة بايدن بهدوء عدد القوات الأمريكية في شرق سورية إلى حوالي 2,000، وذلك حتى تتمكن القوات الأمريكية من تمديد الدوريات غربا على طول الحدود التركية حتى المدن المهمة، مثل كوباني، التي لا تقع في مناطق نشاط تنظيم الدولة، وتواجه بدلا من ذلك ضغوطا تركية.
ومضى فورد يقول إنه في هذا المستنقع من العداءات الكردية والتركية، من السهل أن ننسى السبب الذي دفع الولايات المتحدة إلى الانخراط في هذا الجزء من سورية في المقام الأول: هزيمة تنظيم الدولة. ولم يكن الهدف الأمريكي قط نشر قوات في شرق سورية للدفاع عن جيب كردي سوري ناشئ بقيادة ميليشيا كردية غامضة في السابق. إن تبني هذا الهدف الآن من شأنه أن يمثل توسعا كبيرا في المهمة. وبسبب هويتها والطريقة التي تعمل بها، أزعجت قوات سورية الديمقراطية المجتمعات المحلية والحكومة التركية.
وذكر أنه في الحرب التقليدية ضد تنظيم الدولة، كانت قوات سورية الديمقراطية أداة مفيدة للمساعدة في استعادة الأراضي التي استولت عليها ما تسمى بالخلافة. لكن في حرب القلوب والعقول للمجتمعات العربية في شرق سورية والتي لا يزال تنظيم الدولة يجند منها، فإن قوات سورية الديمقراطية هي الأداة الخطأ بالتأكيد.
ويرى فورد أنه بدلا من الاعتماد على قوات سورية الديمقراطية، تستطيع الولايات المتحدة اللجوء إلى الحكومة الجديدة في دمشق للمساعدة في القضاء على تنظيم الدولة. وقد يبدو هذا اقتراحا غريبا للوهلة الأولى. ذلك أن الولايات المتحدة تعتبر هيئة تحرير الشام، الميليشيا التي أطاحت بالأسد وتقود الحكومة السورية الآن، جماعة إرهابية. ومع ذلك فإن هذا الاعتراف لم يمنع واشنطن من العمل بشكل وثيق مع وحدات حماية الشعب، التابعة لحزب العمال الكردستاني، وهي الجماعة التي تصنفها الولايات المتحدة أيضا كمنظمة إرهابية.
واستدرك السفير السابق أنه من المؤكد أنه لا ينبغي التقليل من شأن تشدد هيئة تحرير الشام وأيديولوجيتها العنيفة.
ويشير فورد إلى أنه عندما كان سفيرا في سورية، بقيادة الجهود الأمريكية في خريف عام 2012 لتصنيف جبهة النصرة، الجماعة المرتبطة بتنظيم القاعدة والتي انبثقت منها هيئة تحرير الشام في نهاية المطاف، كمنظمة إرهابية أجنبية.
لكن الشرع قاد المجموعة عبر تغييرات وتطورات مختلفة في الاسم حتى أصبحت في عام 2017 هيئة تحرير الشام. ويشكك كثيرون في واشنطن من تحولات الحركة الجديدة وتحولها عن التشدد. ولكن الشرع يصر على خلاف ذلك، فقد أمضت جبهة النصرة ثم هيئة تحرير الشام سنوات في محاولة للابتعاد عن الجماعات الإرهابية الإسلامية. وانفصل الشرع عن تنظيم الدولة في عام 2014 ثم خاض مقاتلوه معارك دامية ضد الجماعة، وطردوها في نهاية المطاف من شمال -غرب سورية. كما انفصل علنا عن تنظيم القاعدة في عام 2016، وخاضت قواته قتالا ضد جماعة تابعة لتنظيم القاعدة تسمى حراس الدين في شمال – غرب سورية.
وعليه فسجل هيئة تحرير الشام على مدى السنوات الثماني الماضية يجعل من الصعب تبرير إبقاء هيئة تحرير الشام على القائمة الرسمية للمنظمات الإرهابية الأجنبية. ومن هنا، فسجل هيئة تحرير الشام، يجعلها الأكثر تأهيلا لهزيمة تنظيم الدولة وليس قوات سورية الديمقراطية، فقد هزم الشرع القاعدة وتنظيم الدولة في شمال سورية، وباتت المنطقة خالية منهما. ومن السهل على الشرع الحصول على دعم المجتمعات العربية في شرق سورية. وستحتاج الحكومة الانتقالية السورية إلى وضع الجماعات المقاتلة العربية الآن تحت القيادة المباشرة لوحدات حماية الشعب ووضعها تحت إشراف وزارة الدفاع الناشئة في دمشق.
وبالتوازي مع ذلك، سيتعين على حكومة دمشق أن تجد صيغة تسمح لها بتولي مسئوليات الحكم في المجتمعات العربية في شرق سورية وتخفيف مسئوليات قوات سورية الديمقراطية هناك. ولا شك أن هذه الإجراءات سوف تثير استياء قوات سورية الديمقراطية، ولكنها ستساعد سورية وشركائها الإقليميين على هزيمة تنظيم الدولة في نهاية المطاف.
ويرى الكاتب أن إدارة ترامب بحاجة إلى فتح قناة مع الحكومة السورية ومناقشة الجهود المستقبلية ضد تنظيم الدولة. ويجب أن تشمل المحادثة مواضيع مثل كيفية انضمام الميليشيات العربية المحلية التي تعمل الآن تحت مظلة قوات سورية الديمقراطية إلى حملة حكومة دمشق ضد تنظيم الدولة ونشر جنود من حكومة دمشق في المناطق التي لا يزال التنظيم يعمل فيها وبحث الجداول الزمنية لهذه التدابير.
ويؤكد فورد أنه يمكن للجانبين أيضا مناقشة كيفية مشاركة سورية والولايات المتحدة في المعلومات الاستخبارية، فقد ساعدت الاستخبارات الأمريكية بالفعل الشرع في إحباط هجوم لتنظيم الدولة في دمشق في يناير. ويجب أن تتناول المناقشة أيضا القضية الأصعب: مستقبل معسكري الهول وروج حيث لا يزال حوالي 40,000 شخصا مرتبطين بالتنظيم محتجزين لدى قوات سورية الديمقراطية.
ويذكر فورد أن الشرع لم يتسامح مع أي تحد سياسي من العناصر الإسلامية الأكثر محافظة، وكانت إدارته في شمال غرب سورية تدير برنامجا صغير النطاق لإزالة التطرف هناك. ومع ذلك، فإن حجم التحدي في الهول يتجاوز بكثير ما تعامل معه الشرع من قبل.
ويقول فورد إنه لمساعدة حكومة دمشق على استقرار سورية ومحاربة تنظيم الدولة بنجاح، سيتعين على واشنطن تخفيف العقوبات المفروضة على سورية. فوفقا لتقديرات البنك الدولي لعام 2021، فإن إعادة بناء سورية بعد الدمار الهائل الذي خلفته الحرب الأهلية الطويلة قد تكلف أكثر من 200 مليار دولار. وسيحتاج السوريون إلى المساعدة الدولية والاستثمار الخاص.
ويشدد فورد على أن التحول عن قوات سورية الديمقراطية لا يعني تخليا عن الأكراد، فمصيرهم ليس مرتبطا بالقوى الأجنبية، بل بالحكومة السورية واحترامها لحقوقهم وحقوق جميع المواطنين السوريين. ولا يزال من غير الواضح مدى استعداد هيئة تحرير الشام لإقامة ديمقراطية شاملة في سورية. ولكن لا جدال في أن السوريين الذين يعيشون تحت سيطرة الحكومة الجديدة يتمتعون عموما بحقوق سياسية وشخصية أكثر مما كانوا يتمتعون به منذ تولى حزب البعث السلطة في عام 1963.
وفي النصف الثاني من يناير، أمضى فورد عشرة أيام في سورية، بما في ذلك أسبوع في دمشق. كانت حرية التعبير واضحة في كل مكان. في المقاهي، شعر السوريون الذين لم يكن أعرفهم بحرية الانضمام إلى المحادثات السياسية وانتقاد الحكومة التي تديرها هيئة تحرير الشام. ولم تتعرض المظاهرات الصغيرة التي ظهرت في العاصمة لمضايقات من قبل الشرطة.