- اسم الكتاب: الزَّحف غير المُقَدَّس... تأميم الدولة للدين
- تأليف: الدكتور سيف الدين عبد الفتاح
- سلسلة: قراءة في دفاتر المواطنة المصرية
- الناشر: مكتبة الشُّروق الدَّوليَّة- القاهرة
- عدد الصفحات: 128 صفحة من القطع الكبير
- عرض وتحليل: أحمد التلاوي
تفاعلت في الآونة الأخيرة مجموعة من النقاشات ذات الطبيعة الخاصة بعد أنْ طَرَحَ النظام السِّياسي المصري التَّعديلات الدُّستوريَّة الجديدة التي طالت 34 من أهم مواد الدُّستور، وتمس هذه النقاشات قضيَّة علاقة الدِّين بعمليَّة الحكم والسِّياسة بوجهٍ عام في مصر، لا سيما بعد اتضاح الرؤية حول مغازي فرض تعديلات نوعيَّة على المادة الخامسة والمادة الأربعين من الدُّستور لمنع قيام أي حزب أو حتى نشاط سياسي على أساس ديني، مما يهدد بالفعل باستبعاد الفصيل السياسي الأكبر في مصر؛ والمقصود هنا الإخوان المسلمين من الحياة السِّياسيَّة المصريَّة.
وارتباطًا بهذه الإشكاليَّة تصاعدت حدة المناقشات حول عددٍ من القضايا ذات الصلة مثل مفهوم المرجعية الإسلاميَّة، وموضع قضايا المواطنة وحقوق الإنسان من برامج العمل السِّياسي والعام التي تطرحها قوى الإسلام السِّياسي، وقد فاعَل من حدة الإصلاحات محاولات الدولة المصريَّة الأبديَّة لتقديم تفسير أحادي ووحيد للدين وموضعه من الحياة السِّياسيَّة والاجتماعيَّة في مصر، وهو- وللطرافة- يتشابه أكثر عمليًّا مع مفهوم التَّفسير الغربي للدين سواءً الثيوقراطي أو نقيضه العلماني الذي تعلن الدولة دائمًا أنَّها ترفضه!!، بينما تطرح القوى السِّياسيَّة الأخرى في مصر تفسيرًا أكثر مرونة للدين ولمرجعيته في العمل السياسي.
إنَّ الموقفَ الذي تتبناه الدولة مُستهجن مع محاولتها دائمًا قصر عملية تسيير شئون الدين في حياة الأفراد على المجتمع عبر المُؤسَّسات الدِّينيَّة الرسميَّة- مثل الأزهر الشريف- بإصرارٍ جَعَلَ العديد من الباحثين والمُراقبين يصفونه بأنَّه محاولة من الدَّولة لـ"اختطاف" الدين أو "تأميمه"!!
وفي هذا السياق بين أيدي القارئ كتاب جديد ومهم للدكتور سيف الدين عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسيَّة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة حاول فيه أن يتناول غالبيَّة الهواجس السابقة مع مجموعة مُهمَّة من القضايا ذات الصلة مثل: مستقبل المواطنة المصريَّة وعلاقاتها بالدِّين والسُّلطة في هذا البلد المؤثر في محيطه العربي والإسلامي.
وفي سياق تناوله لهذه الملفات المهمة تناول المؤلف - وهو أحد رموز المجتمع الأكاديمي والفكري المصري المعروف عنهم المنهج العلمي الرصين- حزمةً من الإشكالات المرتبطة مثل "زحف" الدَّولة على معظم الأنشطة ومظاهر الحياة في المجتمع المصري؛ سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وحتى على المُستوى المُؤسَّسي، ومستوى السلوك الفردي الخاص والمجتمعي العام.
انتقادات أوليَّة
في مستهل كتابه ينتقد الدكتور سيف عبد الفتاح "مظهريَّة" التَّعامُل الرَّاهنة التي تُبديها الدَّولة المصريَّة مع موضوع "المواطنة" مع توازي هذه المظهريَّة مع مُزايدة الدولة على تلك القضيَّة في مواجهة الجماعات السِّياسيَّة الأخرى.
وفي حقيقة الأمر فإنَّ السلطة في مصر ونتيجة لمجموعة من العوامل والمُتَغيِّرات الدَّاخليَّة والخارجيَّة- في غالبيتها العظمى- جاء في ذهنها أنْ تفتح ملفَّيْن مُهمَّيْن؛ الأول هو ملف المواطنة- تحت داعي مواجهة أزمة الطَّائفيَّة والمذهبيَّة التي أطلَّت برأسها في العديد من أركان العالم العربي والإسلامي- والثاني ملف الحوار بين القوى السِّياسيَّة الوطنيَّة المختلفة.
ولكن حينما فتحت الدَّولة ملف المواطنة، ومن خلال العديد من المؤشرات الراهنة كان هذا الفتح إمَّا مقصودًا به تقويض الوجود السياسي للتَّيَّار الإسلامي، أو مجرد "ديكور" لتزيين عملية الإصلاح السياسي والتغيير التي يدعيها النظام في مصر.
وفي ذات السياق جاءت نتيجة "الحوار الوطني" الذي حاولت الدولة المصريَّة بدءها مع القوى السِّياسيَّة الدَّاخليَّة؛ حيث كانت العمليَّة في غالبيتها واجهة فقط دون عمق حقيقي، مع عدم استيعاب هذا الحوار الذي جاء بصورة "فوقيَّة"، وبإرادة الحكومة ذاتها للكثير من القوى السِّياسيَّة الوطنيَّة، والتي- للدهشة- هي القوى الأهم والأكثر مشروعيَّة في الشارع المصري.
ولكن الإجراءات التي تبنتها الحكومة في هذا السياق لم تؤدِ- بخلاف ما كانت ترغب الحكومة فيه- إلا إلى المزيد من التشويه لوجه النظام أو لوجه "صاحب السلطان" في مصر بحسب المؤلف.
عملية مُعقَّدة
وفي حقيقة الأمر فإنَّ قضية المواطنة في المجتمع المصري ليست عمليَّة سهلة بحيث يمكن المرور عليها بشكلٍ استخفافي، كما يحاول النظام السياسي القائم حاليًا في مصر؛ فالمواطنة- كتحليل نص- يجب أنْ يتوافر لها مجموعة من المقومات والبنى على النحو التَّالي:
- بنية من المستلزمات والمقومات، ومن بينها: الإنسان الفرد، والإنسان المجتمع وصولاً إلى الدَّولة ذاتها والجماعات السِّياسيَّة المختلفة القائمة فيها والتي تُعبِّر عن مختلف ألوان الطيف السياسي والبشري الموجود داخل المجتمع.
- البنية الفكريَّة والقيميَّة، بما في ذلك قواعد الأخلاق والسلوك التي تحكم علاقات الفرد/ الجماعة بالآخر.
- البنية المُؤسَّسيَّة والمجتمعيَّة النظاميَّة.
- بنى السياسات والممارسات التي تتقاطع مع بنية المستلزمات والمقومات؛ حيث إنَّ الممارسات والسياسات إنَّما يقوم بها الإنسان الفرد والإنسان المجتمع وكذلك الدَّولة والجماعات السِّياسيَّة المُختلفة.
هذه هي مجموعة البنى الواجب توافرها في مصر لكي يمكن بناء بنية قوية لمواطنة راسخة، ولكن ما حدث من جانب الدَّولة المصريَّة خالف ذلك، وبدأت عمليَّة "تأميم" واسعة النطاق من جانب الدَّولة للدين والدنيا في المجتمع المصري؛ ففي مقابل شموليَّة الدِّين لمختلف المعايش وأمور الحياة، وفي مُقابل عمليَّة الإصلاح والصلاح التي يدعو إليها الدين؛ فإنَّ الدَّولة المصريَّة- وهو داء في كل الدِّول القوميَّة الحديثة التي ظهرت في القرن السابع عشر الميلادي في حقيقة الأمر- خلقت دينًا بديلاً "- بحسب تعبير الدكتور سيف عبد الفتاح- عبر الترويج لمفاهيم سيادة الدَّولة القوميَّة وطرح المواطنة على رأس كل الانتماءات الأخرى.
وحتى هذا الطرح لم تلتزم به الدولة المصريَّة بشكلٍ كامل، وعندما يُقال إنَّ هناك حالةً من الزحف والتأميم من جانب النظام في مصر على الدين ومصالح الحياة الإنسانيَّة في مصر كلها فهذا يعني أنَّ الدَّولة قد تبنَّت بالفعل كافة الإجراءات التي من شأنها عدم السَّماح بالأمور لأنْ تخرج من تحت نطاق سيطرتها وإدارتها أو تسمح بظهور قوى سياسيَّة تُعارض المشروع السِّياسي الحكومي الراهن.
وفي السياق العام انتقد الكتاب استغلال الدَّولة لقضية المواطنة تلك لضرب تيارات الإسلام السياسي والإعلاء من شأن قيم العلمانيَّة؛ أي أنَّ الدولة استغلت شعار المواطنة في محاولة القضاء على خصومها السياسيين الرئيسيين.
عقود إذعان!!
وفي إطار ممارسات الدولة هذه- التي جاءت بالعديد من الأدوات السِّياسيَّة والإعلاميَّة- ظهر إلى الوجود مصطلح شديد الأهميَّة يُعبِّر عن طبيعة العلاقات القائمة حاليًا بين الدَّولة في مصر وبين المواطن، وهو مصطلح "صناعة مواطنة الإذعان"؛ حيث أدَّت سياسات الدَّولة في قمع المواطن وفي الهيمنة على كافة مناحي النشاط الإنساني في المجتمع إلى وقوع المواطن تحت طائلة الدولة في وضعٍ أشبه بوضعيَّة الإذعان بحسب القانونيين.
وهنا فإنَّ المواطنةَ في مصر- وبالمصطلح الشرعي المستخدم- باتت "مواطنة مغارم"؛ أي مواطن لا حقوق له ودولة لها كل الحقوق و"استباحة المواطن والنظر إليه كمملوك"؛ وفي هذا الإطار فإنَّ هناك مجموعةً من الأطر التي وضعتها الدولة المصرية للمواطن لكي يسير عليها، حتى لا يخرج من مجال "عقد الإذعان" هذا على النحو التالي:
- المواطن لا يقول "لا" على خطابات السلطة فحسب؛ بل هو أيضًا لا يستطيع.
- على المواطن أنْ يقوم بترويض نفسه وذهنيَّته وفكره على السلوك الإذعاني.
- عندما يدخل المواطن في علاقة- أي علاقة- مع الدولة عليه أنْ يتأهب ويقبل لمبدأ "الاحتكاريَّة" المطلقة في قضايا المنح والمنع والتجريم والتأثيم؛ فالمواطن لا يمنح الدولة أو يمنع عنها شيئًا بإرادته الحرة، ولا يستطيع تجريمها أو تأثيمها.
وفي هذا الصدد وفي إطار تسلط الدولة على المواطن؛ ظهرت العديد من الظواهر السلبيَّة في هذا السياق في المجتمع المصري؛ لا سيما على مستوى علاقات المواطن مع الجهاز الإداري للدولة؛ فهذه العلاقة قامت على أساس مبدأ الخوف من جانب المواطن، وثقافة "الكمين" من جانب الإدارات الرسميَّة، بل إنَّ ثقافة "الكمين" هذه لم تعُد تقتصر على علاقة المواطن بالجهاز الإداري فحسب بل امتدت لتكون سمت أساسي في تعامل الحكم في مصر مع المواطن.
مشكلات قِيَميَّة
وفي هذا الإطار فإنَّ هناك مجموعةً من المشكلات القِيَميَّة التي ثارت في هذا الإطار في المجتمع المصري؛ حيث انتشرت- بالتوازي مع سيادة قيم الظلم والاستبداد- قيم الغش والفساد والكذب والخداع من جانب أبناء المجتمع تأسِّيًا بالوضع القائم في بنية النظام السياسي الحاكم في مصر، كما أنَّ النظام الحاكم قلب المعايير بحيث بات الحديث عن المواطنة وحقوقها "مجرد جنون"، كما أنَّ البيروقراطيَّة أدَّت إلى ظهور اللامبالاة.
وفي السياق فقد صاحبت هذا كله منظومة من الفقر المبرمج التي ساعدت على انتشار الخلق غير القويم بسبب الأمراض الاجتماعية والسلوكية التي تصاحب ظهور الفاقة غالبًا في أي مجتمع، كما أثبتت دراسات علماء الاجتماع مثل عبد الرحمن بن خلدون.
وقد أدَّت هذه الأزمة القِيَميَّة- بجانب مشكلات الحالة الاقتصادية والخدميَّة العامة المتدهورة في المجتمع، كما رصدها الدكتور سيف عبد الفتاح في كتابه هذا تحت عنوان "مذكرات مثقف مصري"- إلى عددٍ من المخاطر التي وصلت إلى حد تهديد الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي في مصر، وأبرز الظواهر التي رصدها الكتاب في هذا المُقام هي الفقر وهجرة العقول.
ومن الناحية الأخرى انتقد مفكرنا السِّياسي في كتابه سلوك "الغريم" أو المعارضة هنا، والذي جاء فارغًا من المضمون و"احتفاليًّا" في كثيرٍ من الأحوال، واعتمد على مجرد الحديث عن "الخيانة" واعتماد الخطاب المؤدلج والخطاب القائم على المعايرة!!، في المقابل وصلت درجة الاستبداد بالنظام واستخفافه بالمواطن أنْ جعل الخروج على مظاهرة الاحتفاليَّة بالإصلاح بمثابة خروج على نص الوطنيَّة، وضد مصالح الوطن.
أزمات وممارسات
وقد جاء الجزء الثاني من الكتاب في هذا الإطار؛ حيث عمد الدكتور سيف عبد الفتاح إلى دراسة مجموعة من الظواهر والمواقف من الشارع المصري للتعبير عن حالة الضياع التي تسود حياة المجتمع في الوقت الراهن بفعل الممارسة السِّياسيَّة القائمة، من تدهور في الخدمات وفي السلوك العام، وفي الحس الوطني؛ وهو أمرٌ خطيرٌ في واقع الأمر.
ويروي الكاتب من جهةٍ أخرى مجموعةً من تجاربه المريرة مع الإدارات الحكوميَّة، مثل إدارة المرور والمحليات وجهاتٍ أُخرى أوضحت في واقع؛ الأمر أنَّ المجتمع المصري ليس بحاجة إلى مجرد إصلاح بل إلى تغييرٍ شامل يشمل مختلف جوانب حياة المواطن الفرد والمواطن في إطار المجتمع.
هذا الإصلاح يجب أنْ يشمل بنية النظام الحاكم وسياساته، وقيم المجتمع وسلوكه الفردي والمجتمعي، ويواجه حالة التجهيل القائمة على مختلف المستويات، بما في ذلك النتائج السلبيَّة التي ترتبت على شخصانيَّة القيادة في مصر، وتحويل الدستور إلى مجرَّد واجهة في ظل حالةٍ من العشوائية السائدة في عمليَّة التشريع أو التقنين، وفي عمل السلطة التشريعية بوجهٍ عام بما في ذلك دورها الرقابي وعملية انتخابها من الأساس.
وفي السياق العام فإنَّ انهيار دور الدولة في المجتمع- بالذات مهامها الاجتماعيَّة التي نص عليها الدستور- سمح بالمزيد من المشكلات التي أدَّت إلى انفلات حقيقي في الدولة المصرية؛ انفلات بحاجة إلى رجل رشيد!!