- رنَّات منتصف الليل والرسائل المنحلَّة وسيلة سهلة للفتنة بين الطرفين

- حب الظهور وتقليد الغير أوصلت العديد من الأُسَر إلى الشكِّ والطلاق

 

تحقيق- تسنيم محمد

حذرت إحصائية حديثة صادرة عن المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية من خطورة هاتف المحمول على استقرار الأسرة المصرية، ورصدت الدراسة العديدَ من المشكلات التي نتجت عن هذا الجهاز الصغير الذي لا يتجاوز كفّ اليد، وكيف أنه كان سببًا في الكثير من حالات الطلاق، كما كان سببًا في زرع الشكِّ بين الزوجين.

 

واستعرضت الدراسة العديدَ من الحالات التي كان المحمول سببًا في أزمة لها، وخاصةً حالات الشك بين الزوجين واتهام الزوجة لزوجها أنه على علاقة بأخرى، والدليل هو كثرة الرنَّات التي تجيء لزوجها بعد منتصف الليل، والرسائل التي تحمل عباراتِ حبٍّ وشوق، مع مشكلات أخرى عديدة، بعضها متعلق بالظروف الاقتصادية، وما يتحمّله الأب من تكاليف رنَّات ولوجوهات كل شهر لأبنائه.

 

 الصورة غير متاحة
 

هذه الدراسة طرحت العديد من الأسئلة حول ما يمثله المحمول من خطورة على الأسرة؟ ولماذا تحوّل استخدامه من وسيلة اتصال سريع إلى وسيلة لخراب البيوت؟ خاصةً أن آخر إحصائية مصرية ذكرت أن عدد حاملي الهاتف الجوال في مصر وصل نحوَ 9 ملايين مواطن على نهاية 2006م، من كافة الفئات والمستويات والأعمار، هذا مع العلم بأن الغالبية العظمى من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن هناك نحو 10 ملايين موظَّف في مصر تتراوح رواتبهم ما بين 200 و500 جنيه وهم مسئولون عن أسرة يصل أفرادها إلى 4 أطفال، وهناك 40 مليون مصري من إجمالي عدد السكان مطلوبٌ منهم تكييفُ أمورهم بما يتناسب مع الدخل المحدود الذي يحصلون عليه.

 

مصائب مبكرة

في البداية يقول إسلام إبراهيم (متزوج) ولديه 4 أطفال: عندما قمت بشراء المحمول ثارت زوجتي في وجهي ودبَّ الشجار بيننا، واتهمتني بالأنانية؛ لأنني قمت بشراء هذا الجهاز بسعر باهظ، وطالبتني بشراء بعض الأساور الذهبية بنفس قيمة المحمول.

 

ويضيف: في الحقيقة لم يكن معي أموال في هذا الوقت، فقد اشتريت المحمول بآخر ما كان معي من الأموال، وهنا تركَت زوجتي البيت واتهمتني بالبُخل وعدم الإنفاق على البيت، ورفضت العودة، وتحت الضغوط قُمت بالاستدانة وبالفعل اشتريت لها ما أرادت ولعنْتُ هذا الجهاز الذي كاد يهدم بيتي.

 

نموذج آخر صاحِبُه مهندسٌ مرموقٌ فضَّل عدم ذكر اسمه، قال إنه فوجئ بفاتورة تليفون زوجته الخاصة بالمحمول بلغت 3 آلاف جنيه، وعندما ثار في وجه مسئولي شركة الاتصالات أعطته فاتورة تفصيلية ليكتشف أن زوجته كانت تكلِّم شخصًا على رقم تليفون واحد، وعندما واجهها بما حدث أسرعت ورفعت قضية خلع، وحصلت على حكمٍ لصالحها، إلا أن الزوج قام برفع دعوى لتقوم زوجته بدفع هذا المبلغ.

 

من الطارق؟!

ولا يكاد يخلو بيت من هذا السؤال: من الذي يرنّ؟ أو من الذي أرسل هذه الرسالة؟ ليدبَّ الشجار بين الأزواج أو الآباء والأبناء أو بين الإخوة، فسعيد رضا- طالب الحقوق- قام بضرب أخته عندما وجد رسائل غرام على المحمول الخاص بها.

 

وقد تركت راوية مصطفى البيت لزوجها بعد شجارٍ عنيفٍ؛ بسبب معاكسات المحمول؛ ولأن الزوج شديد الغيرة على زوجته تحوَّلت الغيرة إلى شكٍّ، ولم ينته الشجار إلا بتكسير جهاز المحمول الخاص بها، ومنع الزوجة من التحدث في أي محمول آخر؛ مما جعلها تثور لكرامتها وتطلب الطلاق.

 

أما وائل محمود فكاد يطلِّق زوجته لأنها أغلقت المحمول بشكل أثار الشكَّ في قلبه عندما دخل عليها فجأةً، ورفضت الإفصاح عن شخصية مَن كانت تكلمه، وبعد شدٍّ وجذبٍ تم استدعاء أولي أمرهما وتبادل الطرفان الاتهامات بأن كل منهما يَخون الآخر، وبعد مناقشاتٍ ساخنةٍ وتهديد بالطلاق أكثر من مرة أفصحت الزوجة أنها كانت تحدِّث شقيقتها وأنها مسَحَت رقمها؛ عنادًا في زوجها الذي أدمن مضايقتها بالتحدث مع فتيات ونساء عنادًا لها.

 

أما عبد الرحمن الجيزاوي فهو حالة مختلفة؛ حيث كاد يطلق زوجته بعد زواج دام حوالي 20 سنة وله أربعة أبناء ثلاثة شباب وفتاة، والسبب كما أكده هو هذا الجهاز اللعين الذي يسمَّى المحمول، ويروي الجيزاوي المشكلة قائلاً: إن زوجته وأبناءَه ينفقون ما يقرب من 300 جنيه شهريًّا على الرنَّات الجديدة واللوجوهات وكروت الشحن، وهو ما يمثِّل عبئًا شديدًا عليه، وعندما رفض زيادة المصروف الشهري لزوجته قامت بالإنفاق من مصروف البيت على مصاريف محمولها ومحمول الأبناء الأربعة، فلم يجد في البيت ما يأكله أو يشربه، وانتهت القضية بأن باع محمول زوجته وابنته واكتفى بمحمول واحد.

 

حالة أخرى رأيتها في إحدى جاراتي التي مارست ضغوطًا على زوجها، وهو موظف يتقاضى 400 جنيه شهريًّا، لكي يشتري لها جهازَ محمولٍ جديدًا قامت شقيقتها بشرائه مؤخرًا وبه 2 كاميرا وراديو، وهو ما رفضه الزوج الذي كاد يطلق على زوجته يمين الطلاق لولا توسل ابنته البالغة من العمر 7 سنوات، وبعد مناقشات ساخنة بين الزوجين تراجَعت الزوجة عن مطلبها، مع مطلب من الزوج بقطع زوجته علاقتها بشقيقتها التي أدمنت المنظرة عليها وعلى زوجها.

 

أما راوية أبو السعود فتحكي لنا قصةً في غاية الخطورة؛ حيث قام ابنها (16 سنة) بسرقة جزء من ذهبها وقام بشراء جهاز محمول أحدث موديل، وعندما سألته والدته عن المال التي اشترى بها المحمول قال إنه استلفه من أحد أصدقائه، وبعد الضغوط عليه قال إنه سيشتريه بالقسط من صديقه، وبعد أيام اكتشفت الأم أن جزءًا من ذهبها تمَّت سرقته، فما كان من زوجها إلا قام بحبْس الابن وقصَّ شعرَه وهدَّده بتسليمه لقسم الشرطة بعد أن تحوَّل للسرقة ليكون مثل زملائه الميسورين ماديًّا.

 

صراع طبقي

 الصورة غير متاحة

 د. أحمد المجدوب

هذه الوقائع دفعتنا إلى سؤال الدكتور أحمد المجدوب- مستشار المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية- عن: هل تحوَّل المحمول لخطر يهدِّد استقرار الأسرة المصرية؟ فأكد أن المحمول خلَّف العديد من الظواهر الاجتماعية السلبية على المجتمع المصري، ومنها الصراع بين الطبقات؛ حيث يسعى الفقير إلى الحصول على هذا الجهاز الصغير بشتَّى الطرق، سواءٌ بالسرقة أو بالاستدانة.

 

موضحًا أن هذا المحمول أطلق باب الجريمة على مصراعيه، ومن مظاهر ذلك أن المحمول ساهَم في صعوبة وعدم سرعة القبض على عصابات المخدّرات والدعارة، والتي كانت تراقب تليفوناتهم، ولصعوبة المراقبة على المحمول فاستطاعت هذه العصابات أن تجد مساحةً من الحرية لممارسة نشاطها.

 

ويوضح أن المحمول أفسد الأخلاق وهزَّ القيم الأصيلة، وأفقد الاحترام، وأشاع حب الظهور والوجاهة والتنافس المادي وأعلى من قيمة المنافسة، وأطفأ ما كان في العلاقات الأسرية من دفء، وساعد على الاعتزال، وهو جزءٌ من منظومة القيم المادية التي طَغَت على الناس وتغلَّبت على أفكارهم وأخلاقهم وتصرفاتهم، فأصبح الكلام عن المحمول والسيارات والنيولوك ومدارس اللغات والجامعات الخاصة، مشدِّدًا على أن المجتمع يمرُّ بمرحلة عصيبة، فالمحمول أصبح وراء كل مصيبة في مصر، وإذا كانوا في فرنسا يقولون: "ابحث عن المرأة"، فنحن في مصر نقول "ابحث عن المحمول".

 

ولكن ما يحذر منه المجدوب ويدقُّ له ناقوس الخطر هو الجيل الثالث لأجهزة المحمول والمقترح طرحُه في مصر خلال الفترة القادمة، وهو أمرٌ في منتهى الخطورة، وقد رفضت عدد من الدول تداوله داخل بلدانها، ومنها المملكة العربية السعودية؛ حيث أجمع العلماء على رفضه؛ لأنه سينشر الفجور في المجتمع، معربًا عن قلقه الشديد من أن هذا الجيل الثالث سوف يُحدث انفجارًا غير أخلاقيٍّ في البلد.

 

اجتناب الظن

 الصورة غير متاحة

 د. أحمد العسال

ويؤكد الدكتور أحمد العسال- المستشار بالجامعة الإسلامية الباكستانية وأستاذ الشريعة- أن الأجهزة الحديثة لا تؤثر إلا على الإنسان الذي لديه استعداد لهذا التأثير، فعندما يفسد الناس تصبح الوسيلة عونًا لهم وتزيد من فسادهم، ولكن لا يمكن إنكار أهمية هذا الجهاز الذي سهَّل الكثير من المهمَّات ويسَّر لهم باقي الوسائل التكنولوجية؛ ولهذا يرى أنه لا ينبغي تحميل الوسائل الحديثة أكثر مما تحتمل، مشبهًا جهاز المحمول بـ"الرداء"، مَن لبسه خيلاء ورياءً يصبح ذنبًا، وإذا لبسه الإنسان كرداء يداري سوءته فلا ذنب عليه.

 

ولكن يبقى تساؤل، وهو: هل يجوز إطلاع طرف من الزوجين على الرسائل الخاصة بالطرف الآخر؟ وهنا يؤكد الدكتور أحمد العسال أنه لا يجوز للزوج الاطلاع على رسائل زوجته والعكس أيضًا، ولا بد من الثقة المتبادلة بين الزوجين قال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: )، وقال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "شيئان لا خير بعدهما: حسن الظن بالله وحسن الظن بالناس"، مشيرًا إلى أن المجتمعات الراقية- والتي نجد فيها الحريات- يقلُّ فيها الخوف والظن وعدم الثقة، وقال الرسول- صلى الله عليه وسلم- "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث".