سيد معروف

حوار- سالي مشالي
مع تكرار حالات الاعتقال في الآونةِ الأخيرة والتي طالت عددًا كبيرًا من الشرفاءِ من مناطق مختلفة ويمتهنون مهنًا مختلفة، كان هذا الابتلاء هذه المرة من نصيبِ الشيخ سيد معروف وأسرته.
والشيخ سيد معروف يبلغ من العمر ثلاثة وخمسين عامًا، وهو حاصل على ليسانس الحقوق، ويعمل مديرًا في شركة عمر أفندي، وله باعٌ طويلٌ في مجال الخدمات الاجتماعية والخطابة والدعوة، وهو متزوجٌ ولديه أربعة أبناء هم سيف تخرَّج في كلية الهندسة، وسمية تخرجت في كلية العلوم، إضافةً لسندس بالصف الثاني الثانوي، وسلسبيل بالصف الثاني الإعدادي.
في طريقي إليهم كنتُ أفكرُ في الأسئلةِ التي ينبغي عليَّ طرحها، وكنتُ أخشى أن أجرحَ شعورهم وأُذكرهم بتجربةٍ أليمة لا يتمنى أحدٌ المرورَ بها؛ ولأن منطقةَ سكنهم جديدة بالنسبةِ لي ولم أزرها من قبل فلم يكن هناك مفرٌّ من أن اضطر أن أسألَ عن العنوانِ بعضَ مَن يصادفني، ومع كل شخصٍ أسأله عن العنوان كنتُ أواجه بردٍّ مختصر: ومَن تريدين؟ وعندما ذكرتُ اسم الشيخ "سيد معروف" وجدتُ نوعين من ردِّ الفعل على وجوهِ الأهالي؛ فالبعضُ يتهلل وجهه لسماع اسمه، وآخرون تحمل نظراتهم القلق والتوجس كما لو كان الجميعُ قد أصبحوا مسئولين عن حماية أسرته الصغيرة التي تعيش بينهم، حتى الفتاة الصغيرة- 6 سنوات- التي أوصلتني إلى بيتهم سألتني مرارًا وتكرارًا ماذا أريد منهم؟ ولم تطمئن إلا عندما وجدتهم يرحبون بي.
استقبلتني الأسرة ببسماتٍ ودودة احترتُ معها إن كنت أُظهر بهجتي بلقائهم أم تعاطفي مع الظروفِ التي يمرون بها!! وبدأ الحوار مع زوجته:
* بدأتُ بسؤالٍ تقليدي: كيف حدث الاعتقال؟
** الحمدُ لله، نحن مقتنعون أنَّ قدرَ الله كله خير؛ ولذلك لا نملك إلا الشعور بالرضا في كل الأحوال، أما عن ظروفِ الاعتقال فقد فُوجئنا في الساعةِ الثالثة فجرًا بطرقاتٍ قويةٍ على باب الشقة، وعندما فتحنا قاموا باقتحامِ الشقة بأعدادٍ كبيرةٍ من العساكر الحاملين للرشاشات، ثم انتقلوا إلى غرفِ النوم ولم يعطوا فرصةً للفتياتِ لارتداءِ حجابهن، ونحمد الله أننا في الشتاء وإلا لكان الحرجُ أشد لو كان الوقت صيفًا، ووقف عسكري بجوارِ سرير كل فتاةٍ موجهًا لها الرشاش الذي بين يديه، أما أنا فأمروني بالخروجِ خارج الشقة تمامًا، وانفردوا بالشيخ في إحدى الغرف ووجهوا له أسئلةً لم أسمعها.
وهنا تدخلتْ ابنته سندس في الحوار واصفةً شعورها في هذه اللحظات: سمعتُ صوتَ ضجة في الخارج، وظننتُ في البدايةِ أننا لدينا ضيوف، ودخلت والدتي لتوقظنا وتأمرنا بارتداء الحجاب، ولكنهم لم يمهلوها ودخلوا فورًا وراءها، وعندما خرجتُ سمعتهم يقولون لوالدي: إننا نعلم أنك إخوان وأنك نائب مجدي عاشور، فأجابهم أنَّ هذه حقائق وليست تهمةً، فسألوه: أين الأوراق؟ ردَّ: أي أوراق؟ فأجابه الضابط: أنت تعلم جيدًا ما الذي نريده بالضبط، فأجاب: لا، لا أعلم.
* وماذا فعلوا بعد ذلك؟ وهل كان لهم رد فعل عنيف؟
** قاموا بتفتيش الشقة، وقلبوا الكتبَ كلها على الأرض حتى إنهم كانوا يسيرون فوقها، وأخذوا الكمبيوتر ومبلغ 7500 جنيه كان الشيخُ يحتفظ به لشراءِ أضحية له ولآخرين، ولم يكن هجومهم مقصورًا علينا؛ بل إنهم قاموا باحتلالِ العمارة كلها، حتى إنهم أوقفوا "عسكري" يحمل رشاشًا أمام باب كل شقة من الشقق يمنع أصحابها من الخروج، بالإضافة إلى العساكر الذين كانوا على بابِ العمارة وعلى مدخل الشارع، ولم يذهب أي من الجيران إلى عمله أو مدرسته حتى غادر الأمنُ المكانَ في الساعة السادسة والنصف صباحًا، بل إنه لم يكن مسموحًا لأي أحدٍ منا بالجلوس أو حتى الدخول إلى الحمام.
الاستعداد للاعتقال
* بعد حملةِ الاعتقالات الأخيرة حدثت حالة من الاستعداد في بيوتِ كثيرٍ من الإخوان، وكان هناك توقع وترقب بأن يأتي عليهم الدور.. فهل حدث هذا معكم؟
** توقعنا للاعتقال غير مرتبطٍ بأحداثِ الاعتقالاتِ الأخيرة، وإنما مرتبطٌ باعتيادِ الظلم من الدولة، وإن كانت الاعتقالات الأخيرة مرتبطة بأحداث الأزهر والتي لا علاقةَ لزوجي بها من قريبٍ أو بعيد.
* ما وصفتيه يُثير الخوفَ والاضطرابَ.. فهل هذا ما حدث معكم؟
** الحمدُ لله، الله يربط على قلوبنا في ظروفٍ كهذه وإن كانت سلسبيل قد ارتعدت وأفزعها أن تستيقظَ من النوم على هذا المشهد، ولكن يمكنني أن أؤكد لكِ أنَّ الضباطَ والعساكرَ رغم عددهم وأسلحتهم كانوا أكثر رعبًا وفزعًا منا، فقد كانوا عصبيين للغاية، وحدث أن انقطع التيار الكهربي فبدأوا يتشنجون، وكنا نظن أنهم هم مَن قطع التيار، في الوقتِ الذي اتهمونا هم بأننا نحن مَن قطع التيار الكهربي رغم أنه لم يتحرك أحدٌ منا من مكانه، وكانوا في غايةِ الخوف، وظلوا يسألون زوجي كل دقيقتين متى ستأتي الكهرباء؟ كما لو كان هو مدير شركة الكهرباء!! ثم أحضروا كشافًا من مسجدٍ مجاورٍ ليتموا عمليةَ التفتيش ولا يتعطلون.
* وماذا عن إذن التفتيش أو قرار النيابة؟
** لم يكن معهم أي أوراقٍ رسمية، بل إنهم أخبروني عند نزولهم أنهم ذاهبون إلى قسم شرطة المرج، وهو ما لم يحدث، بل ذهبوا به إلى مجمع نياباتِ القاهرة الجديدة، وبعد أسبوعٍ عرفنا أنهم نقلوه إلى سجن طرة المؤقت، وهو سجنٌ جنائي سيئ للغاية وأكثر نزلائه من تجارِ المخدرات والجنائيين.
* هل ذهبتم لزيارته في السجن؟ وهل واجهتكم مشقة أو عراقيل في هذا؟
** نعم، وكانت الزيارة شاقة للغاية، وإدارة السجن كانوا يتعمَّدون إيذاءنا، فكنا ننتظر من الساعة الثامنة صباحًا وحتى الثالثة عصرًا لنحظى بزيارةٍ قصيرة، ونُسجِّل أسماءنا وننفذ كل الإجراءاتِ والتعليمات، ويدخل في هذه الأثناء زائرو كل السجناء من مختلفِ التهم، ثم يخبرونا في النهاية أنَّ زيارتنا قد تمَّ إلغاؤها، وحتى بعد أن تمَّ نقلهم لسجن مزرعة طرة لم يخل الأمر من المشقةِ وخاصةً لوالديه وهما كبيران في السن، حتى إنَّ والدته أحيانًا تبذل كل طاقتها لتزوره ثم لا تستطيع إكمال "المشوار" وتعود من منتصف الطريق، إلا أنه لم يستمر بقاؤهم في سجن طرة طويلاً؛ لأنَّ إدارةَ السجن علمت أنَّ الإخوانَ المحبوسين والمعتقلين قاموا بعمل دعوةٍ مع السجناءِ وبعض تجارِ المخدرات والذين بدأوا يقتنعون بحرمةِ تجارتهم وبدأوا يتوبون، وهو ما واجهته إدارة السجن بتعسفٍ معهم ومضايقات ونقلٍ من سجنٍ لآخر.
وتشكو ابنته سلسبيل من مكانِ الزيارة قائلةً: مكان الزيارة سيئ للغاية، لا نتمتع فيه بأي خصوصية وحولنا متهمون في مختلفِ القضايا، وتتراكم فيه القاذورات والروائح السيئة، بالإضافةِ لتدخين السجائر بكثافةٍ خانقة، فإن كان الهدفُ من الاعتقال منعهم من ممارسةِ العمل العام، فليجعلوا إقامتهم على الأقل في مكانٍ مناسبٍ لوضعهم الاجتماعي، فهم ليسوا مجرمين.
الشعور بمعية الله
* كثيرًا ما يحكي الإخوان المعتقلون عن استمتاعهم بالصحبةِ وبمعية الله أثناء الاعتقال.. فهل هذا هو حال زوجك داخل السجن؟
** زوجي بطبعه صبورٌ ولا يشعر بضغينة ضد أحد، ويلتمس دائمًا الأعذارَ للناس، حتى في أسوأ الظروف، ويضع رضا الله في أول أولوياته، ورغم حرمانهم من حريتهم ورغم المعاناة والقسوةِ التي يعانون منها إلا إنهم بالفعل يشعرون بالاستئناسِ في وجودهم معًا، فيصلون معًا ويقرأون القرآن، وهو دائمًا يطمئننا على أحواله ويخبرنا أنه في أحسنِ حالٍ، وأن معنوياته ومعنويات باقي الإخوان معه مرتفعة للغاية، ويرجونا ألا نقلق عليه، ويهتم كثيرًا لمعرفةِ أخبارنا ويخاف أن نُخفي عليه أي أمرٍ مراعاةً لظروفه.
* غالبًا ما تنشأ علاقات بين أسر المعتقلين أثناء الزيارات؟ فكيف كان شعوركم تجاه بعضكم البعض؟
** ربما يكون هذا من أهم المنح التي نحظى بها وسط هذه المحن، حيث تلتقي الوجوه والقلوب والهم الواحد بيننا وبين أسرٍ أخرى تعاني ما نعانيه، ولم نكن قد التقينا من قبل، فيؤلف الله بين قلوبنا ونصبح من أقربِ الناس إلى بعضنا البعض.
* كثيرًا ما يصيب الخوفُ الناسَ من التعامل مع أُسرِ المعتقلين.. فهل مررتم بتجربةٍ من هذا النوع؟
** على العكس تمامًا، فالشيخُ سيد مشهور جدًّا في المنطقة، والجميع يحبونه، ويوميًّا يأتي إلينا مَن يسأل عنه ويعرض خدماته علينا سواء أعرفهم أو لا أعرفهم، ومهما طالت المدة أو غاب فإنَّ الناسَ لن تنساه، ويعلمون أنَّ ما حدث ظلمٌ، بل يرون أنَّ كلَّ ما تقوم به الحكومة لا يحمل إلا ظلمًا، ومن الجميل أن هناك كثيرًا من الناسِ تذهب لزيارته في المعتقل باستمرارٍ دون خوف.
نفتقد أبينا
سيد معروف مع ابنتيه

* ثم توجهت لابنتيه الصغيرتين وسألتهما عن تأثير غيابِ والدهم عليهم، وهل تعوَّدا على ذلك نظرًا لانشغاله الدائم في عمله الدعوي؟
** فقالت سندس إنه رغم انشغالِ والدي في عمله والعمل الخيري والدعوي إلا أنه كان يشاركنا دائمًا في كل أمورنا، وبالتالي فإننا نفتقده بصورةٍ كبيرة، فالزيارات متباعدة ومدتها قصيرة ونكون فيها مقيدين لأنَّ المكانَ غير مناسب.
كما أن اعتقال والدنا كان قبل العيد بقليلٍ وقد اعتدنا أن يذبح هو الأضحية بنفسه مثل كل عامٍ فافتقدناه كثيرًا، وحاولنا أن نعمل بما أوصانا به من الاستمرارِ في الحياةِ بصورةٍ طبيعية، فذهبنا لزيارةِ أهلنا ولكن كانت تنقصنا الفرحة.
وأريدُ أن أذكر لكِ أحدَ الدروسِ التي استفدتها من هذه المحنة: ففي موعد إحدى الزياراتِ حدث ظرفٌ منع أمي من الذهابِ للزيارة، فأصررنا أن نذهب وحدنا لزيارته، ورغم قلق أمي علينا إلا أننا ذهبنا بالفعلِ في المواصلات وحدنا، واستطعنا الدخول ومقابلة والدنا، وكان سعيدًا جدًّا بنا.
وتلتقط سلسبيل طرف الحديث وتخبرنا أن أهم ما أوصاهم به والدهم هو ألا يدعوا على الجنود والضباط أثناء اعتقالهم له، حتى إنه نهى سندس أن تقول "حسبي الله ونعم الوكيل"، وأوصانا أن نهتم بدراستنا كما لو كان موجودًا معنا، وأن نكون عونًا لأمنا في غيابه