بقلم: العشماوي أبو العينين
تُثار كل عام تقريبًا بعض القضايا الثقافية أو الفكرية أو الفنية، ويتكرر المشهد بتفاصيله، ولا يصل المتلقي في العادة إلى نتائج أو نتيجة واحدة تضيف إلى ثقافته ما يرتجي من عناء متابعته وقراءته لأولي الفكر وأهل النقد، ويبدو المشهد في النهاية موسمًا سنويًّا يعرف المتابع ما يقال فيه مسبقًا.
من تلك المواسم السنوية ما يمكن أن نطلق عليه مجازًا (مناحة النقد) التي تنطلق مع بداية المواسم الصيفية ومواسم الأعياد؛ حيث تتسابق فيه الأفلام- خاصةً الكوميديةً- التي اكتسحت الساحة السينمائية مع بزوغ نجم جيل الفنانين الجدد وسيطرتهم المطلقة على شباك التذاكر، كما يقال بلغة السينما.
فما إن يبدأ الشباب المترقّب لنجومه المفضلين في الاطمئنان والسعادة لنزول الأفلام الجديدة.. حتى تطالعه المتابعات النقدية في الصحف والمجلات، إن كان ممن يقرأ أو يتصفح، تنهال بالهجوم اللاذع، والشكوى المريرة من تدنِّي مستوى الفن، وخشونة الكوميديا، وسذاجة التناول، والتحذير من الآثار المدمرة للأخلاق والمجتمع إن لم نتصدَّ جميعًا لهذه الكارثة!!
وردّ فعل الشباب- أو الجماهير- هو الإقبال المتزايد على هذه النوعية من الأفلام التي تحقِّق له المتعة الحقيقية والضحك من القلب، ناهيك عن ترقُّبه واستعداده لتلقِّي الإفيهات والنكت الجديدة من نجومه المحبوبين؛ لتصبح تقليعةَ السنة، إلى أن يتم تحديثها مع فيلم آخر جديد.
ويتعجَّب نجوم الإضحاك الجدد ويكادون يُخرجون ألسنتهم للنقَّاد، فهل هناك أصدق من الملايين التي تحققها أفلامهم؟!
والمحصلة التي نرصدها مع تكرار هذا المشهد هي التشكيك في الموهبة الحقيقية لصنَّاع هذه السينما وضحالة ثقافتهم، واتهام الجمهور في ذوقه وحسه الفني واختياراته- إن لم يكن في أخلاقياته- وفي المقابل وصْم النقاد وذوي الرأى بالتعالي والعجرفة وحبّ المخالفة والسباحة ضد التيار، إن لم يكن بالتآمر.
فإذا كان الفنانون يحتجُّون بأن ما يقدمونه يحقق رغبة جماهيرهم، فلا يكفي للناقد أن يقف عند اتهام كلٍّ من الفنان والمتلقِّي وحسب، ولكن يجب أن يبحث عن حقيقة الصورة كاملةً بكل تفاصيلها بطريقة علمية ربما تساعدنا في رؤية أفضل لواقع نقبل عليه ولا نرضى عنه!!
إننا إذا بحثنا عن إجابة علمية تلخص لنا القضية وتضيء جوانبها المختلفة وجدناها تكمن في نقطتين هما:
- طبيعة الكوميديا وفنون الإضحاك وجنوحها الدائم للخروج عن المألوف وارتباطها بالفحش والمجون والتحرر من المحاذير والتقاليد أيًّا كانت اجتماعية أو أخلاقية.
- صعوبة الكتابة الفكاهية بالمقارنة بالفنون الأدبية الأخرى، وصعوبة الكوميديا وأدائها بصفة عامة.
يقسم العلماء السخرية والفكاهة إلى أنواع رئيسية عديدة، على سبيل المثال نجد:
- الفكاهة الشعبية التي تعتمد على البساطة والسذاجة والجرأة والصراحة واللغة الجارحة الواضحة والمفهومة، في مقابل الفكاهة أو السخرية المهذبة؛ حيث تُبنَى على الذكاء والفطنة والعلم والثقافة مع جنوح إلى التورية والغموض.
- الفكاهة البسيطة التي يدركها العامي والمثقَّف للوهلة الأولى؛ إذ تتسم بالسطحية والمباشرة، يقابلها فكاهة مركّبة لا يستشف معناها أو مغزاها إلا بعد أناة وتريُّث وإعمال الفكر والذهن.
- فكاهة طبيعية تتفجَّر كما يتفجَّر النبع من الأرض حيًّا متدفِّقًا، وتنشأ في الفرد والظروف المحيطة به وفي كلامه وطبعه وكل ما يصدر عنه، وفي المقابل نجد الفكاهة المصطنعة تصنعها فئةٌ خاصةٌ لديها استعداد في اللغة أو الشكل أو الحركة مع الاستعانة بما يستثير الضحك من ملابس وأصباغ وحركات شاذة.
- الفكاهة البدائية الخَشِنَة التي ترتع في العاهات الخَلقية والخُلقية، والتجريح الشخصي ولا تتقيَّد بالمعايير الأخلاقية، بخلاف الفكاهة الحضارية، وفيها نجد العاهة تؤلم لا تضحك والمعايير الجمعية لها اعتبارها لا تتجاوزها كما تتسم بالرقي الفكري والثقافي.
كما نرى.. تدور التقسيمات السابقة حول نوعين من الفكاهة- والكوميديا- إحداهما فنية والأخرى لا تنتمي للفن بصلة، تحتاج الأولى إلى فكر وثقافة وحضارة ورقيّ، بينما لا تحتاج الثانية إلى شيء من ذلك بالضرورة.
إلا أن هناك عاملاً مهمًّا يؤثر في مسيرة الضحك والإضحاك على مسار التاريخ ومختلف الحضارات، وهو الصلة الوثيقة بينه وبين الفحش والمجون؛ مما جعل علماء النفس يربطون بين الضحك والمسائل الجنسية والإخراجية، وذهبوا إلى أنه المضمار الأكبر الذي تستطيع أن تصول فيه الفكاهة وتجول!!
إن بين الضحك والمجون في علم النفس ارتباطًا وثيقًا، وربما كانت اللذة الكبرى في الفكاهة الجنسية هي مظهر لارتياح الأفراد في بعض الأحيان لمخالفة بعض الممنوعات أو التعدي على بعض المحرمات.
وإذا كان الأمر كذلك- علميًّا- فلا عجب إذن أن نجد الفكاهات الفاحشة تنتشر في كتب الأدب أو بين الشباب أو في أوساط بعض الفئات النوعية، كالمجتمعات الذكورية أو النسائية المغلقة على نفسها، أو فئات العمال أو المساجين.. إلخ.
يبقى أن نتذكَّر ارتباط ما نطلق عليه فحشًا أو مجونًا بالذوق العام والبيئة، فالألفاظ الخارجة والبذيئة في مكان أو زمان ما قد تكون من الأمور المألوفة في مكان أو زمان آخر؛ مما يعظِّم من شأن ما يقوم به الكوميديانات الجدد، من تسريب وتمرير العديد من المصطلحات والألفاظ الشاذة إن لم نقل البذيئة.
من تلك البديهيات العلمية يمكننا أن نستوعب ما يقوم به ممثلو الكوميديا، فليس محمد هنيدي أول من قلَّد امرأة بحثًا عن وسيلة إضحاك مضمونة، فكل زملائه وكل من سبقوه فعلوا ذلك، كإسماعيل يسين، وسمير غانم، ومحمد عوض، وجورج سيدهم.. إلخ. وليس محمد سعد أول من بحث عن شذوذ الشذوذ في الحركات والنطق والأفعال من أجل الإضحاك، فكل ممثلي الكوميديا يفعلون ذلك وإن تفاوتت درجاتهم، ولعل أشهر ممثلي الكوميديا في السينما العالمية الآن يسلك هذا المسلك، أو إن شئنا الدقة قلنا إنه اكتسب شهرته من تلك الطريقة، ونقصد به بالطبع الممثل الأمريكي الكندي الأصل جيم كاري.
إن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ما يقدمه لنا هؤلاء الشباب مضحك حقًّا؟!
لا أحد يماري في أن ما يقدَّم مضحك بل مضحك جدًّا.. إجابة السؤال لن تتغير إذا أضفنا لها: ولكنه ضحك خشن يجرح الذوق السليم، ويتجرَّأ على الكثير من المعايير الأخلاقية أو على أقل تقدير ليس هذا ما ينبغي أن نربي عليه أجيالنا الناشئة.
إذا تذكرنا أن الفكاهة تجنح دائمًا للخروج عن المألوف وجدنا أن (لكنه ضحك خشن..) هذه فيها السرّ الذي يجذب الجماهير العريضة من الشباب إلى هذه الأفلام.
عندما نسمع نكتة بذيئة فإننا نضحك، وإن فرضت الظروف الاجتماعية علينا أن نتمالك أنفسنا ولا نظهر الضحك فلا يعني ذلك بأي حال من الأحوال أن النكتة غير مضحكة.. إنها مضحكة وأكثر إضحاكًا من النكت المهذبة.. هذا إن وجدت نكتة مهذبة مضحكة من الأصل!!
فعلينا ألا نتَّهم الشباب عندما يقبل على هذه الأفلام ويشجِّعها؛ فالسينما هي أداة ترفيه في الأصل، والإضحاك من أعلى صور الارتياح والرضى النفسي الذي ينشده الإنسان.. أما كونها يجب أن تضيف أبعادًا ثقافيةً أو ترتقي بالذوق والفكر فهذه ليست قضية المتلقِّي ولا يحاسب عليها.
هنا نصل إلى سؤال آخر ليس بأقل من الأسئلة السابقة أهميةً، وهو: لماذا الإصرار على الكوميديا البذائية الخشنة المباشرة، مع أننا نرى كوميديا راقيةً في السينما المتقدمة؟!
ربما حملت صيغة السؤال الإجابة عليه؛ فالقضية في البداية والنهاية هي المقدرة على تقديم إنتاج، إما أن يندرج تحت مسمى (الفن) أو فلتختر له من الأسماء ما شئت، كالسينما التجارية أو الموجة الكوميدية أو غير ذلك.
ولأن السينما صناعة تتعدد فيها عناصر الإبداع فلا يمكن أن يعوض عنصر فيها غياب عنصر آخر، وإذا كان من الثابت أن النصَّ هو البطل في أي عمل سينمائي- كما يقال- فإننا نظلم محمد هنيدي- حينما يتقمص دور خالته- أو محمد سعد- حينما يقفز من اللمبي إلى عوكل أو بوحة إلخ- إذا ألقينا عليهما باللائمة أو شككنا في موهبتها.
ففي غياب منظومة كوميدية كاملة تبدأ من الكاتب الموهوب والمخرج المبدع وكل العاملين في الفيلم فلن نرى إلا استعراضات بهلوانية يستعرض فيها المهرِّج قدراته في الإضحاك والمسخرة، ولا ننفي عنه الموهبة، بل نعترف أنه لا يقل عن أشهر ممثلي الكوميديا عالميًّا، ونعترف أن ما يقدمه جد مضحك مضحك مضحك، وإن جذبنا إلى الأرض والطين، ودمّر الكثير من المعاني الجميلة داخلنا.
وإذا تقبَّل الجمهور البذاءة والشذوذ من محمد سعد "اللمبي" السكران دائمًا.. فلماذا لا يستعرض سعد الصغير بذاءته وشذوذ حركاته ليحقق النجومية وينادي بكل فخر.. بحبك يا حمار، فيرد عليه المنتج بصاروخ أكثر تشوُّهًا على كافة المستويات لدرجة أن اسمه- لا مؤاخذة- بعرور!!
وإذا خرجنا بعيدًا عما أطلقنا عليه (مناحة النقد) سيفاجئنا المتخصصون بأن الكتابة الفكاهية ليست سهلة المنال، ولا تتاح لكل كاتب، فالقادرون على السخرية من القلة بحيث لا يمثلون أي نسبة في مجتمعاتهم، وقد لا يمثل السخرية في مجتمع ما أو عصر أو أمة من الأمم إلا شخص واحد.
فالكتابة الفكاهية تحتاج إلى عقلية فذَّة تجيد الصياغة التي تتوفر فيها الدقة والبراعة في التصوير؛ حيث لا تسمح الفكاهة بأدنى خطأ مما قد لا يستشعر في التراجيديا، ولعلنا نعرف جميعًا أن مجرد نكتة بسيطة لا يستطيع أن يرويها كل إنسان وتستثير نفس الضحك، بل هناك من الأفراد من يُجيد إلقاء النكات وإخفاء مواطن المفاجأة فيها دون غيره.. إن الابتعاد عن الصواب في الجملة المثيرة للضحك- أقل ابتعادًا- لا يجعلها مثيرةً للإضحاك على الإطلاق ويفقدها قيمتها وغايتها.
ويعترف كلُّ من مارس العمل في الكوميديا- بصورتها العلمية الراقية- بصعوبة كتابتها وأدائها على عكس ما يتبادر إلى أذهان الكثيرين، ويُرجع علماء النفس ذلك إلى أن الفكاهة تخاطب العقل والذهن، في حين تخاطب الدراما العاطفة.
ففي ظل انحدار ثقافي لا تخطئه العين، وفي ظل شهوة الشهرة والاستحواذ على غنيمتها كاملةً لا ينازعهم فيها شريك لن يبقى أمام هؤلاء الفنَّانين سوى الكوميديا البدائية، أو الاقتباس وتشويهه ليصبح صالحًا لما اعتادوا عليه، ولا ضيرَ في كل الأحوال، فالملايين تتدفق، والجماهير تنادي هل من مزيد؟!
وهكذا تستمر العجلة في الدوران، ويتكرر المشهد بتفاصيله المملَّة، فجمهور الشباب من حقِّه أن يضحك، والفنَّانون من حقهم الشهرة والمال، والمنتجون غايتهم الربح، أما الثقافة والرقيّ الفكريّ فلها الله بعد أن خذلتها مؤسساتٌ حكوميةٌ وجماعاتٌ ثقافيةٌ وأصحابُ رأي وكتَّاب ومبدعون، فضَّلوا الفرجة من بعيد؛ حتى لا يضبطهم أحد وهم مستغرقون في الضحك الهستيري.
وقد نسِيَ كل هؤلاء أن بناء الشباب مسئوليتهم وواجبهم الذي من أجله تبوؤوا أماكنهم، ولا يمكن أن يحاسب أحد أو يلام إذا فرطت الدولة في دورها في حفظ مستقبلها المتمثل في الشباب، واكتفى محتكرو الثقافة بالقيام بدور(اللبيس الروائي) للنجوم لينالوا نصيبهم من الملايين، أو إصدار البيانات التي تؤيد فخامة الوزير في حربه على مظاهر التخلف والرجعية، أو في أحسن الأحوال لَعْن ما يقدَّم للشباب دونما عناء يذكر في تقديم بدائل عملية، بالرغم من هيمنتهم على مقاليد الثقافة والفنون والمسارح والمهرجانات منذ نشأتها، والعجب العجاب أنهم لم يقدموا تنويرًا ولا فنًّا ولا يحزنون حتى بمقاييس ثقافتهم الغربية التنويرية غير الرجعية ولا الراديكالية، وإلى أن يستيقظ أحد انتظروا ما بعد بعرور، أعزكم الله!!