كتب: أشرف شعبان الفار

جعل الله النماذج البشرية من أنبيائه ورسله والصالحين والصالحات من عباده نماذج للاقتداء، ومن ثم للاهتداء، والمؤمنون هم أولى الناس بهم، وأقدر الناس على التعرف عليهم، وعلى صحيح أخبارهم، وهم أحرص الناس على استقبال نعمة الله تلك، بأن أتاح لهم من نافع أخبار الأنبياء والرسل والصالحين والصالحات ما يفيدهم فى رحلتهم إلى الله، ويعينهم على الفوز المبين.

ولقد قص الله علينا من أخبار الأنبياء والرسل والصالحين والصالحات من عباده الكثير الكافى، وقد ورد ذلك فى كتاب الله- عز وجل- وفى سنة رسوله- صلى الله عليه وسلم. ويعد هذا الاقتداء والتأسى ذا أهمية قصوى للإنسان، وتكمن أهميته فى عدة عناصر، نورد ما تيسر منها:

أولًا: الحقيقة البشرية

وهذه الحقيقة ثابتة بالقطع واليقين، ومن شأنها أن تجعل حياتهم وأفعالهم ومواقفهم قابلة للتكرار، وتجعل ارتقاءهم فى سلم الكمالات البشرية أمرًا ممكنًا تكراره، مستهدفًا من كل عاقل يبتغى الخير، ويحرص عليه، وتلك حكمة الله الكبرى من ذكرهم وإتاحة أخبارهم. 

وحقيقة بشريتهم تنفى نفيًا قاطعًا شبهات التقديس والغلو التى يلقيها الشيطان فى نفوس الناس حول هذه النماذج، ليصرفهم من مقصود الله بذكرهم وهو حسن التأسى بهم، والتماس القدوة فيهم، إلى أنواع من الجهالات، قد تفضى إلى شرك بالله سحيقٍ مهلكٍ، ملعونٍ.

وهذه البشرية الثابتة تقطع على الإنسان طريق الكسل واليأس، وتفتح له أبواب المحاولة والرجاء، وتدفعه دفعًا لمحاولة الارتقاء والإنجاز.

ثانيًا: النجاح 

والنجاح هو الحقيقة الثابتة الثانية التى تتعلق بهذه النماذج البشرية الكريمة، التى عرضها الكتاب والسنة، نماذج الأنبياء والمرسلين والصالحين والصالحات من عباد الله الكرام، فهم قد نجحوا، وتوثق نجاحهم، وفازوا، وتأكد فوزهم، ونجاحهم وفوزهم بأن الله قد رضى عنهم، واعلن ذلك فى كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله الخاتم- صلى الله عليه وسلم.

هم قد حققوا أهدافهم فى هذه الحياة الدنيا على أفضل الصور، واستثمروا فترة وجودهم فى هذه الحياة أفضل استثمار، نجحوا ونجحت أعمالهم، نجحوا ونجحت رحلتهم، وقد تمثل نجاحهم فى رضوان الله عليهم، وعفوه عنهم، وغفرانه لما وقع منهم، وتقبله- سبحانه لصالح أعمالهم، وتخليد ذكرهم فى الكتاب والسنة بصريح أسمائهم -أو بما يدل عليهم دون ذكر أسماء.  

ثالثًا: الواقعية

وجدير بالذكر هنا أن ما وقع لأنبياء الله ورسله من معجزات كان لإثبات صدقهم أمام أقوامهم، ومن ثم فتح طرائق الهداية فى قلوب المعاندين، ولم تكن تلك المعجزات سببًا فى رضوان الله عليهم بحال!

فالواقعية فى حياة أولئك الكرام النماذج حقيقة ثابتة ثالثة، فباستثناء معجزات الأنبياء والرسل- لم يكن الأنبياء والمرسلون والصالحون والصالحات خارقين، يمتلكون وسائل لا تتوفر لغيرهم، ولا حباهم الله بما حرم منه غيرهم، ولا هيأ الله لهم سبل الفوز بغير جهدٍ وكدٍ، ومعاناة وصبر. بل كان طريقهم إلى الفوز والفلاح مليئًا بالعقبات الشداد، والفتن والشدائد، والابتلاءات بكل صورها واختلاف أقدارها. عذب أغلبهم أو كلهم، قتل بعضهم، وكذب الأنبياء والمرسلون، وسخر الناس منهم، ورماهم أقوامهم بمختلف التهم، أحاطت بهم المؤامرات، ولم تخل سيرهم من الكيد والدس ومكر الليل والنهار. 

لم يكونوا مطلعين على الغيب، ولا مسيطرين على الكون، ولا مؤيدين بقوى خفية، إنما كانوا مجتهدين غاية الاجتهاد، باذلين كل البذل، ساعين للفوز والنجاح، مصرين على هدفهم، ثابتين على طريقهم، عازمين على إرادتهم، لا يقهرهم شيطان، ولا تهزمهم تحديات، ولا يعيقهم عن أهدافهم شئ.

رابعًا: الربانية

وهى الحقيقة الرابعة، وهى حقيقة ثابتة ثبات ما سبقها من حقائق، ونقصد بالربانية هنا أن الله- سبحانه- هو الذى اختارهم قدوات لنا، فأعلى ذكرهم، وحفظ لنا هذا الذكر وتلك المعلومات فى أشرف المصادر وأقدسها، فصاروا بأسمائهم وأعمالهم وأخبارهم جزءًا من القرآن والسنة. وصار ذكرهم ومدارسة أخبارهم وتعليمها وتعلمها عبادة يحبها الله، ويثيبنا عليها.

ثم ربانية لأنه هو- سبحانه- الذى ذكر فوزهم، وقطع به، وأكده، وجعلهم النماذج الناجية من العذاب، الفائزة بالجنات، الحائزة على الرضوان، المستحقة لتكون أسوة للمؤمنين حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

ثم ربانية لأنهم كلهم كانوا على دين الحق، وعقيدة الحق، وشريعة الحق، فلم يكونوا إلا مؤمنين، قد تمثل فيهم الإيمان الذى يحبه الله، وكلهم قد تجسد إيمانهم فى حركاتهم اليومية، وأنشطتهم الحياتية. فكانوا ترجمةً صادقةً لهذا الإيمان. كانت أعمالهم كلها أعمال المؤمنين، كلامهم وسكوتهم، سعيهم وسكونهم، شخصياتهم وصفاتهم، أخلاقهم وقيمهم ..... وكل شأن من شئونهم قد علمناه، وكل ما يمت إليهم بصلة.

فى إيجاز معبر: (كانوا هم الحق. وكان الحق إياهم) وقد صدق فيهم قول ربنا- سبحانه- {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ}.