الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد،

أيها الإخوة الأحباب والأخوات الفضليات، فها نحن نودع عامًا هجريًّا عربيًّا تغيب عنا شمسه، لنستقبل آخر جديدًا نأمل أن يكون هلاله هلال خيرٍ وبركة ورشد، ونتفيَّأ في حرارةِ الأحداث العاصفة التي تمرُّ بها الأمةُ ظلال ذكرى طيبةٍ مباركة، هي ذكرى الهجرة النبوية العظيمة التي لم يجد الفارق عمر والمسلمون رضي الله عنه في أحداث السيرة حدثًا أعظمَ وأهمَّ منها ليجعلوه مبتدأ التاريخ الإسلامي، إذ كان هذا الحدث العظيم فاصلاً واضحًا بين مرحلة الاستضعاف ومرحلة التمكين، بين مرحلة الأمة التي تتكون من مجموعة من الأفراد بلا دولةٍ تنتظمهم ومرحلة الدولة التي تنشر الحق وتحمل الرسالة والملة.

 

وكلما اشتدت الأزمات بالأمة، وكادت الحيرة تعصف بأولي الألباب فيها عادت الأمة إلى سيرةِ نبيها العطرة تلتمس أسباب الهداية ومفاتيح الرشد، وتضع أيديها على الدروس النافعة في كل حدث، استنهاضًا للهمم، وتزكيةً للعزائم، ودفعًا لليأس، وتقويةً للأمل والرجاء.

 

في ضوء هذا تأتي هذه الرسالة التي نقف فيها بعض الوقفاتِ في ظلال الهجرةِ الكريمة، سائلين الله العظيم أن يلهمنا رشدنا، وأن يُوفقنا لما فيه عز الإسلام والمسلمين.

 

1 - الإخلاص في الهجرة

الإخلاص للّه تعالى في كل عملٍ هو أساس قبوله، ومحور صلاحه، وقد كانت الهجرة درسًا بليغًا في ذلك، وكان التأكيد على الإخلاص فيها أشد، حتى اختصت الهجرة من بين سائر الأعمال الصالحة بأن ضُرِب بها المثل في ذلك.

 

فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ، وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ".

 

وكان المهاجرون الكرام- رضوان الله عليهم- على تمام العلم بذلك، وعلى كمال الإخلاصِ في هجرتهم، كما وصفتهم بذلك الآيات والأحاديث الكثيرة.

 

أجل، خرجوا يريدون وجه الله، لا ينتظرون أجرًا ممن سواه وشهد لهم بذلك ربُّ العزة جلَّ وعلا، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر: 8).

 

ولم يحفظ لنا التاريخ منْ هاجر لمعنى آخر، غير رجل واحد هاجر يبتغى الزواج من إحدى المهاجرات.

 

فعن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: "مَنْ هَاجَرَ يَبْتَغِي شَيْئًا فَهُوَ لَهُ"، وقال: "هاجر رجل ليتزوج امرأةً يُقال لها أم قيس، فكان يُقال له: مهاجر أم قيس" (أخرجه الذهبي بسنده في سير أعلام النبلاء وقال: إسناده صحيح، وعزاه ابن حجر في الفتح إلى سعيد بن منصور).

 

وفي رواية قال: "كان فينا رجلٌ خطب امرأةً يُقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر، فتزوجها، فكنا نسميه: مهاجر أم قيس" (أخرجه الطبراني في الكبير، وقال الهيثمي في المجمع: (رجاله رجال الصحيح).

 

وبهذا الإخلاص وهذه التضحية استحقَّ أولئكم النفر الكريم الفضيلة التي خصهم الله بها، والدعاء الذي دعا لهم به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأن يتقبَّل الله هجرتهم، وأن يُمضي أجرهم.

 

فقد أخرج الشيخان عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال وهو يعوده من مرضٍ ألمَّ به "اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَل