بقلم: عماد عجوة*
بغداد مدينة السلام, عاصمة الدولة العباسية, ذات التاريخ الزاهر والحضارة المجيدة والآثار العتيدة، وهي من المدن العالمية التي قارعت الأحداث وقاومت الزمن.
بغداد أكبر مدن العراق ويعود إنشائها إلى عهد أبي جعفر المنصور ثاني خليفة عباسي سنة 145 هـ/ 762 م، وكانت بلا شك ذات موقعٍ متميز، ساعد على نموها وازدهارها، لتصبح عاصمةً للشرق العربي والعالم الإسلامي، ويتكون معظم سكان مدينة بغداد من العرب المسلمين بقسميهم السنة والشيعة، ويشكل اليهود والنصارى والصابئة في مدينة بغداد أقليات دينية، كما يشكل التركمان والأكراد أقليات قومية.
وتناول وصف بغداد عددٌ كبيرٌ من المؤرخين والباحثين، أرخو خططها وسجلوا هندستها وحضارتها، ووصفوا مجدها وتراثها وآثارها وأخبارها وحضارتها، وقد وصُفت بغداد أيام عزها وازدهارها بأنها كانت من أعظم المدن هندسة وإحكامًا والتئامًا والتصاقًا، فقال عنها الجاحظ في وصفها: "رأيت المدن العظام بالشام والروم وغيرهما فلم أرَ مدينةً قط أرفع سمكًا، ولا أجود استدارة، ولا أوسع أبوابًا ولا أنبل نبلاً، ولا أجود فصيلاً من الزوراء وهي مدينة أبي جعفر المنصور، كأنما صيغت في قالب وكأنما أفرغت إفراغًا".
أما اليعقوبي في كتابه تاريخ البلدان فيقول عنها: "إنها المدينة العظمى التي ليس لها نظير في مشارق الأرض ومغاربها سعةً وكبرًا وعمارةً وكثرة مياه وصحة هواء، سكنها من أصناف الناس وأهل الأمصار، وانتقل إليها من جميع البلدان القاصية والدانية، فآثرها جميع أهل الآفاق على أوطانهم، فليس من أهل بلدٍ إلا ولهم فيها محلة ومتجر، فاجتمع بها ما ليس في مدينةٍ في الدنيا وسيقت لها خيرات وجُمعت فيها ذخائر الدنيا وتكاملت بها بركات العالم.
وقال فيها الخطيب البغدادي صاحب موسوعة تاريخ بغداد: "لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في جلالة قدرها وفخامةِ أمرها وكثرة علمائها وأعلامها، وتميَّز خواصها وعوامها وعظم أقطارها وكثرة دورها ومنازلها وأسواقها ومساجدها وحماماتها وخاناتها وطرزها وطيب هوائها".
ووصفها ابن الفقيه بقوله: "هي محلة الخلفاء ومسكن الوزراء رفيقة بالغرباء مؤاتية لكلِّ مَن أتاها، مغيثة لمَن اشتكاها، وحسبك بلدًا قد جمع الله فيها ما فرَّقه في غيرها من البلدان من أنواع التجارات وأصناف الصناعات فهي سلة الدنيا وخزانة الأرض ومعدن العلم وينبوع الحكمة".
مسمياتها
اتفق المؤرخون وعلماء اللغة على أنَّ لفظة "بغداد" أعجمية؛ ولذلك اختلفوا اختلافًا كبيرًا في ضبط حروفها، فنُطقت بأكثر من نُطق وبأكثر من لفظ، وبالتالي اختلف معنى الاسم باختلاف النطق واللفظ.
ولبغداد عدد من الأسماء فقد سمَّاها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور عندما أسسها (مدينة السلام) تفاؤلاً بالسلامة والأمان من الخطر والعدوان، وتُسمَّى (دار السلام)، وهو اسم مقتبسٌ من القران الكريم عن الجنةِ في قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127)﴾، وسميت بـ(الزوراء)؛ لأن الجانب الغربي من بغداد كان يُسمَّى الزوراء في العصر الإسلامي، وسُميت (المدينة المدورة)؛ لأنها شُيدت على شكل دائرة، وهو اتجاه جديد في بناء المدن الإسلامية، كما سُميت بمدينة المنصور، ودار الخلافة.
مكانتها
بغداد من المدن التي ترتبط بتاريخ الخلافة العباسية إن لم يكن بتاريخ العالم الإسلامي خلال القرون الخمسة من عام 150هـ/767م إلى 656هـ/1258م فعرفت كأشهر المدن الثقافية والاجتماعية والسياسية في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، كانت بغداد قبلة الدنيا وزهرة المدائن ومدينة النور، وكانت من أهم مراكز العلم على تنوعه وملتقى للعلماء والدارسين، ووصلت مدينة بغداد قمة مجدها ومنتهى فخارها في عصر الخليفة العباسي الثالث هارون الرشيد، سنة 184هـ/ 800 م، وبلغ عدد سكانها أكثر من مليون نسمة، وصارت مركزًا مهمًّا للتعليم ومسرحًا لخيال ألف ليلة وليلة، ومركز جذبٍ للحكمة والفلسفة والعلوم ونفائس الكتب،