الثبات والتثبت أمران مهمان في حياة كل مسلم ومسلمة، ويحتاجهما على الأخص الدعاة والعاملون في حقل الدعوة  لكثرة الفتن والشُّبَه والدعوات المغرضة، والمغريات الدنيوية، والثبات هو: الصبر والاستقامة على الحق، والتثبت هو: التوثق والتأني في النقل والحكم والكلام، وعدم الخوض في أمر إلا ببينة واضحة ساطعة،  وقدكان أكثر دعاء الرسول  - صلى الله عليه وسلم - كما قال أَنسٍ: "كان رَسولُ الله يُكْثِرُ أنْ يقولَ: "يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي على دِيِنكَ"، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: "نَعْم، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الله يُقَلِّبُهَا كَيْفَ شاَءَ".

 القلوب هي محل التقلب وعدم الثبات؛ لكثرة ما يعرض لها، ولذا كانت العناية بها من أهم الأمور وأصعبها وأشقها، نسأل الله الثبات على دينه،  والثبات على الحق والمنهج السليم، وعدم التذبذب والتنقل هنا وهناك،  هو من صفات أهل السنة من سلف هذه الأمة.

 يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:

"إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالاً من قول إلى قول، وجزماً بالقول في موضع، وجزماً بنقيضه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين، فإن الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له، بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد"، ولهذا قال بعض السلف عمر بن عبد العزيز أو غيره: "من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل".

نتجول هنا بين لمحات تربوية للسائرين على طريق الدعوة للعمل بها في أدب الثبات والتثبت ويستقي منها الداعية المعاني التي تناسبه في الأحداث الطارئة وقت الفتن وغيرها وللسائرين نبراس يتمسكوا به لتضيء هذه المعاني طريقهم حتى يثبتوا ويُثبتوا غيرهم ومن هذه المعاني :   

  • اكتمْ غيظك.... لله ؛ فبحبوحة الجماعة خيرٌ من جنة الأفراد، وإنما يأكل الذئبُ من الغنم القاصية.
  • ارسمْ بسمةً على وجهك .....لله ، وافتعلْ ضحكةً تدخلْ بها الطمأنينة في أهلك وفيمن حولك.
  • ادفنْ أحزانَك.... لله ، فسيأتي يوم تسمح فيه لعينيك أن تجود بالبكاء، ولكن ليس الآن.
  • تنازلْ عن حظ نفسك لمن أخطأ فيك من إخوانك ...لله ، فلن تجد غيرهم وقت الشدائد، ولن يجدوا هم كذلك غيرك.
  • لله .....خذْ بيد مَنْ وقع، واربتْ على كتف مَنْ جزع، واضممْ إليك مَنْ فزع، لتدفئ حرارةُ الأخوة شعورَ البرد، ولترطب نداوةُ المحبة حرارةَ القيظ.
  • ارفعْ رأسَك وامش شامخًا مع كل جراحاتك وعذاباتك الداخلية، ولا تطأطئْها لظالم، فما زالت رحى المعركة دائرة.
  • تعاهدْ مع مَنْ تثق به من إخوانك أنه سيأخذ بيدك إن وقعتَ، ويثبتك إن ترددتَ، وينصحك إذا تهاونتَ أو قصّرتَ.
  • لكل مقام مقال، وعندما نكون في مقام التثبيت لا تسمح لمثبط أن يتصدّر الحديث، أو لمتفلسف أن يفتح شوارع الجدال، فأي اهتزاز ولو للحظة سيجرّ تنازلات، ويفتح الطريق لنكوصِ زرافاتٍ ثم جماعات.

ومن ثم لابد من تحديد المقام الذي فيه الحديث، لئلا يطغى ميدان على ميدان، فلا تخبأ أخطاء تحت ذريعة لا صوت يعلو فوق المعركة، ولا تفتح معارك جانبية ولم تضمد جروح المصابين التي تسيل، ولا يسمح بحديث وثم مكلومين بجوارك لا يستطيعون حركة ولا تصرفًا.

  • ولا مانع من فصل الميادين حتى لا تختلط الأصوات وتتوه المقامات، وحتى لا تختلط المشاعر ويتحرك سوء الفهم، أخي دائمًا سيبقى لكل مقام مقال، ولكل حادث حديث؛ فاعرف دائمًا في أي المقامات تعزف ومن أيها تغرف.
  • لا تدرْ معركةً وأنت خارج ميدانها منقطعٌ عن ملابساتها وتطوراتها، فثمّ قادة للميدان، ولكن اثبتْ أنت على ثغرك الذي بقيت فيه حتى يأذن الله.
  • للبيت ربّ يحميه، وللدعوة ربّ يحرسها، فلا تقلقْ واثبتْ على ثغرك، واحرصْ ألا تفقده أو تفقد نفسك، فكل معركتنا أن ننجو ونفوزَ برضاء ربنا، ولا معنى لفوزٍ يحصل عليه زملاؤنا ونتخلف نحن، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ فانتبهْ.
  • وردّدْ مع الصّادحين بالإنشاد: «ليس بعد الليل إلا؛ نورُ فجرٍ يتسامى».
  • إن اهتزّت نفسُك فاهرعْ إلى: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ولا تنفك عن: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)) غافر، ولا يفتر لسانك عن قول: (حسبنا الله ونعم الوكيل).
  • وإن استوحشت نفسُك في الطريق، فتذكرْ أن أولياء لله وفي مقدمتهم رسل الله وقفوا موقفك فاستأنس بهم، وتذكر بذلهم وتضحيتهم، واحمدْ ربَّك أن أوقفك موقفهم، وادعُه أن يلحقك بهم على خير بفضله وكرمه، وأن يحفظ نفسك من أن ترتكن إلى قوتها أو بسالتها أو سابق خبرتها، فليس ثمّ إلا العون الإلهي، وليس من مناص إلا رحمات الله تتجلّى فينفرج عنها فجرُ الفرج والنصر.
  • وإن أوحشك أهلُك ومن أحببت وتحرّك الشوقُ والخشية عليهم؛ فلا تنسَ أنك تركتَهم أمانة عند من لا تضيع عنده الودائع، وتضرّع إليه أن يكون كفيلهم وحسيبهم، وهو نعم المولى ونعم الوكيل.
  • ولا تنفك أخي عن دعاء: «اللهم يا مثبت القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك»، ورتل قوله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)). إبراهيم
  • وإن آلمتك نفسُك وجراحُك فادعُ دعاءَ أيوبٍ عليه السلام حين دعا ربه قائلاً: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، وتذكرْ أنها ليس لها من دون الله كاشفة، وادعُ دعاءَ نوحٍ عليه السلام حين دعا ربه قائلاً: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ)، وإن أعياك لسانك فتذكر أن علمه بحالك يغني عن سؤالك.
  • وإن اشتقت لما فقدت من لذة وراحة، فاستشرف رحابة الأجر وسعة رحمة الله بعباده، وأن الصابرين يوفون أجرهم بغير حساب،
  • فجُلْ بخاطرك وتفكيرك في جنة عرضها السماوات والأرض، حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وطفْ في رياضها علّك تشم في محنتك ريحَها، فتكرّرَ قولَ من قال: «واهًا لريح الجنة»! ؛ فواهًا لها ثم واهًا لها، جعلك الله ممن يشرب من تسنيمها.
  • وأن تكون ممن عناهم الرحمن بقوله: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21))، ويقال لهم ساعتها: (إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا (22)). الإنسان.
  • يا أخي: الثبات منحة من رب العالمين، ندعوه أن يمنحنا إياها تفضلا، وأن يفرّج كرب المكروبين، ويفكّ أسر المأسورين، ويتقبلنا في الصالحين، غير خزايا ولا مبدّلين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.