يتحدث الإمام الشهيد حسن البنا في رسالة ( إلى شيء ندعو الناس ) عن معان غفل عنها كثير من الناس، وربما لا يعرفونها؛ فمَن منا كان يعرف من قبل هذا المعنى الذي طرحه الإمام البنا في سهولةٍ ويسرٍ أن (عبادة ربكم) تتساوى تمامًا مع (التمكين لدينكم)، وهذه واجبات غفل الناس عنها..

يقول الإمام البنا: "أيها المسلمون، عبادة ربكم والجهاد في سبيل التمكين لدينكم وإعزاز شريعتكم هي مهمتكم في هذه الحياة، فإن أديتموها حقَّ الأداء، فأنتم الفائزون، وإن أديتم بعضها أو أهملتموها جميعًا، فإليكم أسوق قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (المؤمنون)" (إلى أي شيء ندعو الناس).

هذا المعنى الذي طرح في كتاب لأبي حامد بعنوان (ترك ترتيب الخيرات) كما قال الإمام أبو حامد الغزالي: "إن ترك ترتيب الخيرات لمَن أعظم الشرور"؛ لأنه يُربك الأولويات في العمل، وكما قال في الأمثلة على ذلك حاجة الوالدة مقدمة على حاجة الوالد ونفقة الوالدين مقدمة على نفقةِ الحج، فالاضطراب في ترتيبِ الخيرات يجعل الواجب مهملاً، لا ينهض به أحد ولا يستقر على حالٍ فكل واحد يفعل ما يُمليه عليه عقله في ترتيبِ الواجبات، وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد رأى أحد أصحابه يريد أن يتفرغ للعبادة ويترك الجهاد فقال له: "إياك أن تفعل؛ فإن قيام أحدكم في سبيل الله ساعة خير من عبادةِ سبعين عامًا". ألا تحبون أن يغفر الله لكم وتدخلوا الجنة غزوًا في سبيل الله.

فقد يتخيل البعض أنَّ التفرغَ للعبادة في الزوايا والخلوات والتكايا والربط يأتي على قمة الواجبات، وهذا في الحقيقة يرجع إلى ترك ترتيب الخيرات، الذي يجعل الواجب مهملاً فلا ينهض به أحد ولا يستقر على حال، وما رواه عبد الله بن مسعود أيضًا: "يأتي على الناس زمان يؤثرون فيه الحج والعمرة ثم يرجعون مأزورين غير مأجورين، يهون عليهم الطريق ويسهل لهم الزاد، يهوي بأحدهم بعيره في الصحاري والقفار، وجاره إلى جنبه مأسور (من الفقر والعوز) لا يُواسيه".

وقد نبَّه الأستاذ الإمام البنا على ذلك عندما تكلَّم عن مراتبِ العمل المطلوبة من الأخ الصادق ورتبها هذا الترتيب، وفي هذه الرسالة اتضح ذلك في كلامه عندما تحدَّث عن المهمة والغاية والوسيلة.

وعندما وضَّح الرابطة بين التكاليف الفردية وما يتعلق بها من صلاةٍ وصومٍ وارتباطها بالتكاليف الاجتماعية، كما أوضح الله تعالى ذلك للناس، ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (الحج).. تلك المهمة الاجتماعية التي ندب الله إليها المسلمين جميعًا، وأن يكونوا صفًّا واحدًا وكتلةً واحدة، وأن يكونوا هم جيش الخلاص الذي ينقذ الإنسانية ويهديها سواء السبيل.

وجعل الإمام البنا التكاليف الفردية وسيلة للتكاليف الاجتماعية، وأنَّ العقيدةَ الصحيحةَ أساسهما معًا؛ "حتى لا تكون لأناس مندوحة من القعود عن فرائضهم الفردية بحجة أنهم يعملون للمجموع، وحتى لا يكون لآخرين عن العمل للمجموع بحجة أنهم مشغولون بعبادتهم مستغرقون في صلتهم بربهم" (إلى أي شيء ندعو الناس).

"عبادة ربكم والجهاد في سبيل التمكين لدينكم وإعزاز شريعتكم هي مهمتكم في هذه الحياة (الرسالة)، هذا فهم كان يغفل الناس عنه كثيرًا، فجاء الإمام البنا ووضَّحه؛ ولذلك هناك أناس كثيرون عندما يرون ذلك

يقولون هذا تدخل في السياسة، ولهذا قال الإمام البنا: "يا قومنا إننا نناديكم والقرآن في يميننا، والسنة في شمالنا، وعمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام وهدي الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، وإن كان مَن يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيًّا فنحن أعرق الناس والحمد لله في السياسة، وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسة فقولوا ما شئتم فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات" (إلى أي شيء ندعو الناس).

ولذلك وضَّح الإمام البنا ذلك وأنَّ هذه واجبات غفل الناس عنها، وعندما غفل الناس عنها وقع العنت بالأفراد والأمة كذلك. (عبادة ربكم) تساوي تمامًا (التمكين لدينكم)، فكما أنَّ الله فرض على المسلمين الصلاة والصوم والحج وبقية العبادات فرض عليهم الجهاد كذلك.

"فهذا الجهاد في سبيل نشر الدعوة الإسلامية، فضلاً عن الاحتفاظِ بمقدساتِ الإسلام، فريضة الله على المسلمين كما فرض عليهم الصوم والصلاة والحج والزكاة وفعل الخير وترك الشر، وألزمهم إياها وندبهم إليها، ولم يعذر في ذلك أحدًا فيه قوة واستطاعة" (إلى أي شيء تدعو الناس).

وقد وضَّح الإمام البنا ذلك مرارًا، وضَّح الغايةَ التي تقوم عليها هذه المهمة.. إن غاية الإخوان هي تحقيق مضمون الإسلام وجوهره، وأن يعود مرةً أخرى في حياةِ الأمة المسلمة كما يقول الإمام البنا: "لستم طلاب حكم، ولكن طلاب عقيدة ونظام ومبدأ وإصلاح" تحقيق المضمون والجوهر بحيث يعود الإسلام مرة أخرى ليكون قاعدة الانطلاق الصحيحة لبناء حضارة  ومواجهة حضارات أخرى، على أساس تلك الرؤية الإسلامية الواضحة، مثلما كان.. كان كل شيء يتخذ الإسلام قاعدة انطلاق له حتى هذه العلوم المختلفة من الفقه وعلم الكلام والأدب والتفسير والفلسفة، كل ذلك كان يخدم هذا المبدأ وهذه العقيدة.. كان يدل دلالةً قاطعةً على مدى الارتباطِ بين هذه العلوم مجتمعةً وبين عالم الشهادة والقدرة على استيعابه والتحكم في وقائعه وأحداثه، ثم تراجع هذا المفهوم، فتراجع دور الأمة وانحسر مفهوم الرسالة.