بقلم: فوزي منصور

إن حال المسلمين اليوم يبكي له القلب وتدمع له العين؛ ذُل وهوان، ضعف واستسلام، الأعداء يذيقون أبناء أمتنا سوء العذاب، وكل هذا لأننا تخلينا عن القوةِ التي أمرنا الله بها أن نُعدَّها للأعداء في قوله تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: من الآية 60)، ونلاحظ أن كلمة "قوة" جاءت نكرة للعموم لتفيد جميع أنواع القوة، من قوة إيمان وعقيدة وقوة علاقة الإخوة بين المسلمين، وقوة الساعد والسلاح، ولا بد أن تأتي هذه الأنواع بالترتيب، فالإيمان أولاً ثم توطيد علاقة الإخوة بيننا، وبعد ذلك تأتي قوة الساعد والسلاح، أما إذا غاب الإيمان وغابت الإخوة فلن تُجدي معنا قوة السلاح، وستتوالى الهزائم تترا علينا.

 

الإيمان أولاً

إذا نظرنا إلى حال المسلمين اليوم فسنجد الكثير- إلا من رحم ربي- منغمس في الشهوات، وجعل الدنيا أكبر همه، وضَعُفَ الإيمان في القلوب فقويت الجرأة على معصية الله، فتعلقت القلوب بالدنيا وكرهت الموت، وكل واحد- سواء أكان حاكمًا أم محكومًا- أصبح يخاف على دنياه وما هو فيه من نعيمٍ زائفٍ زائلٍ لا قيمةَ له، وهذا هو سرُّ هزيمتنا.

 

وإذا عُدنا إلى جيل الصحابة- رضوان الله عليهم- فسنجدهم بإيمانهم القوي الراسخ زلزلوا عروش كسرى وقيصر، وفتحوا البلدان والأمصار، مع أنهم كانوا قلة في العدد والعتاد، ولكنه الإيمان الذي يصنع المعجزات، وعندما سأل هرقل ملك الروم جنوده عن سرِّ هزمتهم من المسلمين مع أن عددهم يفوق بكثير عدد المسلمين، ومعهم من العدة والعتاد ما ليس للمسلمين، فأجابه أحدهم: "لأنهم يصومون النهار ويقيمون الليل، ويحبون الموت كما نحب نحن الحياة".

 

وكان الصحابي الجليل عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يُوصي الجيش إذا خرج للجهاد بطاعة الله وعدم معصيته، حيث كان يقول لهم: "إنكم لا تنتصرون على عدوكم بعددٍ ولا عدة وإنما تنتصرون بطاعتكم لله ومعصيته له، فإذ تساويتم في المعصية غلبوكم بالعدد والعدة".

 

وبالإيمان القوي الراسخ كانت تفتح الأمصار والبلدان أمام المسملين، فقد ورد في كتب التاريخ قصة فتح كابل بعد حصارٍ طويل بقيادة القائد العظيم قتيبة بن مسلم، ولما صلوا الظهر، قال القائد قتيبة بن مسلم، وقد كان قبل المعركة يبكي ويقول: اللهم انصرنا، فإن النصر من عندك، فلما وقف بعد صلاة الظهر، وكان جيشه يُقدَّر بمائة ألف مقاتل، قال: ابحثوا لي عن الرجل الصالح محمد بن واسع، أين هو محمد بن واسع؟

 

لقد حانت ساعة الصفر، ساعة بيع الأرواح، ساعةٌ تفتح فيها أبواب الجنان، ساعة حضور الملائكة، ولا زال القائد يقول: ابحثوا لي عن محمد بن واسع، فالتمسوه، فوجدوه يبكي، وقد اتكأ على رمحه، ورفع إصبعه إلى السماء يقول: يا حي يا قيوم. فأخبروا قتيبة بذلك، فدمعت عيناه، ثم قال: "والذين نفسي بيده، لأصبع محمد بن واسع خير عندي من مائة ألف سيف شهير، ومن مائة ألف مقاتل طرير"، وابتدأت المعركة، وحمي الوطيس، وانتصر المسلمون، ولم يصلوا العصر إلا داخل كابل.. إنها رُوح الإيمان الراسخة في القلوب التي جعلت الواحد منهم بكتيبة كاملة فكان النصر حليفهم.

 

الإخوة ثانيًا

والإخوة أخت الإيمان والتفرق أخو الكفر؛ وعندما وصف الله المؤمنين قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات)، وهذه العلاقة يجب أن تتحقق على مستوى الأفراد والأمم والدول والشعوب، علاقة إخوة تعم جميع المسلمين على وجه الأرض، حتى يشعر المسلمون كأنهم جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، كما جاء في الحديث الشريف؛ حيث يقول صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"، والإخوة درجات أعلاها الإيثار وأدناها سلامة الصدر، وليس بعد ذلك مثقال ذرة من إخوة إن لم يكن الصدر سليمًا، وقد حوى التاريخ الإسلامي نماذج رائعة في الإخوة بل في أعلى درجاتها وهو الإيثار، وأعظم مثال على ذلك ما حدث بين المهاجرين والأنصار عندما هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة وآخى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار؛ حيث كان الأنصاري يقسم ماله نصفين نصفًا له ونصفًا لأخيه، وإن كان عنده بيتان يعطي أحدهما لأخيه، بل وصل الأمر إلى الزوجات، حيث من كان عنده زوجتان يجعل أخيه ينظر إليهما والتي تعجبه يُطلقها له حتى يتزوجها.. سبحان الله إلى هذا الحدِّ وصلت الإخوة بين المسلمين!!.

 

نعم.. وإذا نظرنا إلى حال المسلمين اليوم لوجدنا العجب العجاب، البعض عنده من خيرات الله ما عنده وبجانبه جار لا يجد لقمة خبز يأكلها ولا يسأل عنه، وبعض الدول عندها كنوز وخيرات، وبجانبها دول مجاورة إسلامية (كفلسطين والعراق والصومال)، يعيشون تحت الحصار والنار والاحتلال لا يجدون لقمة العيش ولا الدواء للمرضى ولا السلاح الذي يدافعون به عن أنفسهم.. فمَن لهؤلاء إذا لم نكن نحن لهم، وهل نحن كمثل الجسد الواحد فعلاً.. فكيف يطيب لنا لذة عيش ونحن نرى جزءًا من جسدنا يشتكي؟!

 

وإذا تحققت الإخوة بيننا بمعنى الكلمة كما تحققت بين المسلمين الأوائل ما استطاع عدو أن ينال من جسد الأمة، وإذا اختفت نار العداوات والحسد والبغضاء بين الدول الإسلامية ووقفت كل الدول وقفةَ رجلٍ واحد لتحقق لها النصر.. فسر ضعف أمتنا يرجع إلى التفرق وعدم القيام بواجب الإخوة حق القيام.

 

وأخيرًا قوة الساعد والسلاح

ونأتي للعنصر الثالث، ألا وهو قوة الساعد والسلاح، والسلاح المقصود هنا ليس السلاح العسكري فقط، ولكن الأمة الإسلامية تملك أسلحةً جبارة لو استخدمتها حق الاستخدام ما استطاع العدو أن يتحكَّم فيها، فعندنا سلاح النفط والسلاح الاقتصادي وسلاح المقاطعة، إضافةً إلى تطور الأسلحة العسكرية وتبادل الخبرات بين الدول وبعضها، ولكن هذا الأمر لن يحدث إلا إذا قوي الإيمان في القلوب وقويت علاقة الإخوة بين الأمة الإسلامية جمعاء، فما يحدث من بعض الدول باستخدام أراضيها من قِبل الأعداء لضرب إخواننا في دولة إسلامية أخرى أو استخدام الميناء الجوي أو الطريق البحري، إنما يعود إلى ضعف الإيمان أولاً حيث ضعفت ثقة هذه الدول بالله وقويت ثقتها بأعدائها، ويرجع ثانيًا إلى ضعف علاقة الإخوة بيننا.

 

وأخيرًا.. فلن تعود العزة لأمتنا- دولاً وشعوبًا- إلا إذا عُدنا إلى مصدر عزتنا وقوتنا وهو الإيمان بالله عز وجل وتقويته في القلوب، ثم الوحدة والترابط والاستشعار بعلاقة الإخوة بين المسلمين جميعًا، والإعداد العسكري القوي لجيوش الأمة الإسلامية ووضع خطة للاستفادة من ثروات الأمة والاكتفاء الذاتي فيما بيننا وعدم الاحتياج إلى الأعداء حتى لا يتحكمون في قرارتنا ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا تجاه هذه القوة الإسلامية المترابطة، وهذا الأمر حتى يحدث لا بد أن يُفعَّل عن طريق الدعاة المخلصين وكل الغيورين على الإسلام في كل أرجاءِ الأمة الإسلامية.