معيار الإنجاز

وما زالت نعم الله تترى، ما زال عطاء القرآن متدفقًا، يعطى بلا حدود، يهدى للتى هى أقوم، ما زال وسيظل القرآن كما أراده الله- سبحانه- كريما هاديا مبينا مهيمنا.

حين نتدبر أحوال أنبياء في القرآن، وما ذكر الله- سبحانه بشأنهم- فإننا بإزاء مدرسة متكاملة، تحتوى من القيم والعقائد والمبادئ والتطبيقات العملية ما يعد مرجعًا جامعًا، يجد فيه المؤمن كل ما يحتاج، من خير الآخرة والأولى، فيها أحوال الدعاة المختلفة، وأحوال المدعوين كذلك، فيها طرائق الدعوة والتأثير، وفيها النتيجة الطبيعية لقرارات الناس المصيرية، وفيها غير ذلك الكثير من الخيرات والفيوضات.

وحين يوفقنا الله فننظر ونتدبر لمحة قرآنية من هذه اللمحات تعطينا النموذج، وتفيض علينا برحمات الله وهداياته.

ذلك أن الله- سبحانه لم يذكر لنبى من الأنبياء ذلك العدد الضخم الذى آمن به وتبعه، واهتدى بدعوته، وانتفع بخيره، {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين} ذلك نبى الله يونس- عليه الصلاة والسلام. مائة ألف! مائة ألف نفسٍ أو مائة ألف بيت، أو يزيدون، والمعنى ويزيدون! سبحان الله!ّ

وهو هو يونس- النبى الكريم-صلى الله عليه وسلم- الوحيد من بين أنبياء الله ورسله الذى نهى ربنا- سبحانه- رسولنا الكريم محمدًا- صلى الله عليه وسلم أن يكون مثله! {ولا تكن كصاحب الحوت}. فما الأمر؟

فى مقياس الناس وَوَفقًا لظواهر الأمور فقد حقق يونس ما لم يحققه كثير من أنبياء الله ورسله- عليهم جميعًا صلوات الله وتسليماته- فمن الأنبياء من لم يؤمن به أحدٌ، ومنهم من آمن معه قليل، ومنهم من آمن به أهل بيته فقط، ولم تؤمن امرأته، وهكذا.. لكن يونس آمن معه كل هذا العدد الضخم- ربما كل قومه- يا له من نجاح عظيم! يا له من توفيق نادر، ربما يختلف عما عهدناه من طبيعة الناس، وشدة تكذيبهم وعنادهم، ومغالاتهم فى إرهاق رسل الله، ورد الحق، والكفر به. 

لكن الله- سبحانه- عاب على نبيه الكريم يونس أمرًا كبيرًا، يقول تعالى: {وذا النون إذ ذهب مغاضبًا} لقد عاب عليه مغاضبته قومه، وخروجه من بين ظهرانيهم، من غير أن يأذن له ربه. وسواء كان غضبه من قومه، غضبةً لله، وانتصارًا للحق، وإظهارًا لمفارقة الكافرين، أو كانت ضيق نفس، وانفعال مؤمن لا يرضى عن القوم الكافرين، فقد سجل الله فى كتابه العتاب، ومقتضاه أنه ما كان ينبغى ليونس أن يذهب عن قومه، ما كان ينبغى له أن يغادر، ما كان ينبغى له أن يقرر من تلقاء نفسه، ما كان ينبغى له أن يترك مهمته، وأن ينهيها حسبما يرى ويتصور.

وهنا يبرز الدرس الأكبر، ألا وهو معيار الإنجاز عند الله، ذلك أننا نحن البشر مهووسون بالإنتاج، مسحورون بالمادى من النجاحات، لا يملأ عيوننا إلا البهرج الظاهر، والزينة الصاخية، ولا نقدر من الأعمال إلا ما كان واضح النتيجة، عظيم الأثر، ملموسًا مشاهدًا محسوسًأ. أما الجهد المبذول، والمحاولات الجادة الصادقة، والنيات والعزائم، والهمم، والصمود، والثبات، والالتزام، فكل هذه الأمور العظيمة مما لا تراه العيون، ولا تشعر به النفوس، ولا تشم له ريحًا، ولا يقع من الناس موقع التقدير، إلا من رحم الله، تلك طبيعة البشر!

فكانت هذه الدروس؛ ليتعلم الناس من رب الناس، ليتعلموا ما ينفعهم، ويضع الله عنهم بها إصرهم والأغلال التى غلتهم بها الشياطين، أو غلوا أنفسهم بها، من غير أن يأمر بها الله، وهى أغلال الهوس بالإنتاج المادي، وتحقيق المستهدفات، فإن كان ذلك مقبولًا فى بعض مجالات الحياة، بل هو ضروى لضبط الحياة أحيانا، لكن الأمر ليس على إطلاقه فى كل المجالات، يبقى العنصر الأهم، والذى عليه ينبنى التقييم الصحيح للإنسان هو عمله، جهده، انضباطه، جديته، صبره، مثابرته، كل ذلك هو كسبه الشخصي، وذلك هو الذى يحدث الفارق بين الناس، أو ما ينبغى أن يكون.

إن أنبياء الله ورسله- عليهم الصلوات والتسليمات- كلهم أجمعون قد أفلحوا ونجحوا غاية النجاح في هذه الحياة، وقد حازوا الدرجة الأعلى بلا نزاع، وهم في المحل الأسمى عند ربهم في الآخرة، ذلك أنهم- بلا استثناء- قد بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، وجاهدوا في الله حق جهاده، حتى أتاهم اليقين، وذلك هو المعيار، معيار الفلاح والإنجاز عند الله، المعيار هو الجهد، ويتحقق بالكم المبذول والكيف المنضبط.

أما نتائج هذا الجهد، وما يترتب عليه من آثار فليس لأحد غير الله من ذلك حبة خردل، إنما الأمر كله لله، يهدى من يشاء- بعلمه وحكمته- إلى صراطه المستقيم.

فمن خلال هذا الدرس العظيم، مع هذا النبى الكريم، تتجلى صورة رائعة من صور رحمة الله، وكرم الله، وحكمة الله، وفضل الله، أن يجعل الله قدرك عنده متوقفًا على جهدك أنت، وكسبك أنت، وعملك أنت، والتزامك أنت، وصبرك أنت، أن يجعل قدرك عنده على قدر ما تفعله له- سبحانه، وتلك والله من أعظم رحمات الله، وحرى بكل عاقل أن يطيل السجود شكرًا وحبًا لله، فلم يجعل-سبحانه- قربنا منه ورضاه عنا وقدرنا عنده متوقفًا على تحقق النتائج، ونجاح الأسباب. بل أرادنا فقط أن نسعى لرضاه، {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا}