بقلم: أحمد التلاوي*

في دراسةٍ سابقة جرت محاولة استشراف واقع التوصيف القانوني الدولي الإنساني والقانون الدولي في وقتِ الحرب للممارسات التي تقوم بها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، في كلٍّ من العراق وفلسطين ولبنان وأفغانستان، عن طريق أدواتها العسكرية، وخلصت الدراسة إلى أن الكثير من هذه الممارسات إنما هي عبارة عن جرائمِ حربٍ وفق توصيف عدد من الاتفاقيات والمعاهدات الدوليَّة المعنية بهذا الأمر، مثل الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، واتفاقيات جنيف الأربع وغير ذلك من المواثيق والعهود.

 

وخلصت النتائج أيضًا إلى أن هناك تبعاتٍ سياسيةً والتزاماتٍ قانونيةً من المفترض لها أن تترتب على الأطراف التي ترتكب مثل هذه الأفعال، سواءٌ أكانت هذه الأطراف أشخاصًا أم مؤسساتٍ أم دولاً، ولكن الملاحظات الختامية- لا سيما تلك المتعلقة بموقف الولايات المتحدة من محكمة الجزاء الدولية أشارت إلى أن هناك ثقوبًا واسعةً في رداء العدالة الدولية تتسرب منه العديد من الأطراف فرارًا من العقاب الذي فرضه القانون الدولي في صدد الجرائم والحالات التي تمَّ ذكرها.

 

وفي هذا الصدد تثور مشكلة أخرى قانونية ولكنها ذات طابع سياسي بحت هذه المرة، وهي العوامل التي أدَّت إلى خلق هذا الوضع، أي وضعية عدم تنفيذ أحكام العدالة الدولية في حق مخالفيها، وفي الإطار الشديد العمومية لهذه المسألة فإنَّ مفهوم القوة الذي يحكم حركة العلاقات الدولية والسِّياسات العالمية هو العامل الرئيسي وراء خلق هذا الوضع.

 

وفي القانون الدولي مصطلح يقول إن "القوة تخلق الحق وتحميه" وهو التطبيق الأكثر شيوعًا وواقعيةً في السياسة الدولية، بخلاف الصورة المثالية التي من المفترض أن تسود وهي أن "الحق قوة" أو ما يتم تعريفه في أدبيات السياسة والقانون الغربية بشعارRight is Might.
وفي هذا الإطار فإن "القوة" أو الـ(Power) هي التي تحكم حركة السياسات العالمية والعلاقات الدولية، وبناءً على ذلك فإن القوى العظمى والكبرى غالبًا ما تكون هي التي تحدد شكل القانون الدولي ومعايير تطبيقه أيضًا بشكلٍ يتوافق مع مصالحها، لا مع الأسس الأخلاقيَّة والإنسانيَّة المثاليَّة للشرعيَّة الدوليَّة التي يحددها وينظمها القانون الدولي.

 

وفي هذا الإطار أيضًا يعتبر القانون الدولي والشرعية الدولية المصطلحات الأكثر التصاقًا بمصطلحٍ آخر هو النظام الدولي "System International" الذي يعني الإطار الذي تنتظم فيه حركة العلاقات الدولية والسياسات العالمية وتتوزَّع فيه شكل القوى الدولية الفاعلة ما بين قوة واحدة عظمى ومسيطرة، فيكون النظام الدولي أحادي القطبيَّة أو ما يُعْرَف باسم "Uni Polar System" كما كان الوضع إبان فترة ظهور الدولة الرومانية أو سيطرة دولة الخلافة الإسلامية.

 

أو تكون هناك قوَّتان مسيطرتَان على قدمٍ وساقٍ من التوازُن والردع، فيكون النظام الثنائي القطبيَّة أو ما يُعْرف باسم "Bi Polar System" كما كان الحال إبان فترة وجود الاتحاد السوفيتي السابق خلال الحرب الباردة، وأخيرًا قد يكون النظام متعدِّد القوى أو ما يُعرف باسم"Multi Polar System" كما كان الحال قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، حينما كانت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وروسيا والولايات المتحدة واليابان هي القوى الأكبر في العالم دون ترجيح واحدة على الأخرى.

 

 الصورة غير متاحة
 
 وحاليًا يعيش العالم مرحلة مخاض عسير لنظامٍ دوليٍّ جديد بدأت تتضح ملامحُه في السنوات الأخيرة يعتمد على هيمنة الولايات المتحدة على الواقع الدولي، مع مساعي الإدارة الأمريكية الحالية وتيار المحافظين الجدد الحاكم الآن هناك لفرض نموذج السلام الأمريكي"Pax Americana" على العالم، على غرار نموذج السلام الروماني الذي ساد العالم لمدة ألف عام قبل أن تطيح