بقلم فضيلة الشيخ / محمد عبد الله الخطيب

إن البشرية جميعها خُلقت لله ولعبادته وحده وهو الذي يجب أن تقربه العيون، وتخشع له القلوب وتعنو لقهره الوجوه، وتذل له الجباه، فنحن مخلقون لله، رضينا أم لم نرض، راجعون جميعاً إليه لا محالة، أطعنا أم لم نطع وصدق الله العظيم إذا يقول: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ سورة طه: آية 111. ويقول: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ سورة مريم: آية 93. 

 

ولقد أمتن الله على عباده بأن جعل لهم حرماً أمنا، ورد على الذين قالوا للرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو يدعوهم للدخول في دين الإسلام والسلم والأمان: ﴿إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ سورة القصص: آية 57 فحكى الله قولهم ورد عليهم بحقيقة الأمر الذي جهلوه: ﴿وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَ لَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون﴾ (سورة القصص: آية 57).

 

1- رحلة السلام الحقيقي:

إن بيت الله الحرام هو منطقة الأمن والأمان، منطقة السلام الحقيقي في العالم كله في زحمة الصراع بين بني البشر، إنها الكعبة بيت الله الحرام، والأشهر الحرم، تقدم في أتون المعارك المستعرة، والخصومات والصراعات بين المتزاحمين على تراب الأرض وطينها، المتزاحمين والمتفائلين على التفاهات والزعامات، والكل يريد الاستعلاء على الآخرين والقهر للآخرين والجميع تقتلهم المطامع والشهوات، تقدم هذه المنطقة المباركة السلام محل الحروب، والطمأنينة محل الخوف ويشعر المسلمون بالحب والإخاء والأمن والأمان قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (سورة المائدة: آية 97).

 

لقد شملت هذه المنطقة السلام: "للإنسان والحيوان والطير الزرع والحشرات، في البيت الحرام، وفي فترة الإحرام، ودرب الحاج عملياً على كف الأذى عن جميع مخلوقات الله، هذا الأمر يتم في الواقع لا في عالم المثل والنظريات فلا تتبقى هذه الحقائق مجرد كلمات وأحلام بعيدة عن التحقيق والتطبيق، كما جعل الأشهر الحرم الأربعة التي لا يجوز فيها القتل ولا القتال، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ثم رجب، ولقد ألقى الله في قلوب العرب حتى في الجاهلية حرمة هذه الأشهر فكانوا لا يروعون فيها نفسًا، ولا يطلبون فيها دماً، وحتى كان الرجل يلقي قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه، فكانت مجالاً أمنا للسياحة، والسعي للرزق، والضرب في الأرض" [1].

 

"إن الله -عز وجل- أراد للكعبة – بيته الحرام – أن تكون قياماً للناس صلاحاً ومعاشاً، لقيام أمر دينهم ودنياهم، وأن تكوم ملاذ الأمن والسلام، تقيم الناس ويلوذون بها وتقيهم الضعف والخوف والفزع، كذلك جعل الأشهر الحرم، لتكون منطقة أمن في المكان، ثم مد رواق الأمن خارج منطقة الزمان والمكان، فجعل الأمن حقاً للهدي- وهو النعم- الذي يطلق ليبلغ الكعبة في الحج والعمرة، فلا يمسه أحد في الطريق بسوء، كما جعله لمن يتقلد من شجر الحرم، معلناً احتماءه بالبيت العتيق" .[2]

 

وفي الصحيحين ‏عن مجاهد ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم الفتح فقال إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ولم تحلل لي قط إلا ساعة من الدهر لا ينفر صيدها ولا يعضد شوكها ولا يختلى خلاها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد فقال العباس بن عبد المطلب إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لا بد منه للقين والبيوت فسكت ثم قال إلا الإذخر فإنه حلال".

 

ولم يستثنِ النبي- صلى الله عليه وسلم- من الأحياء مما يجوز قتله في الحرم وللمحرم إلا الغراب، والحداة، والعقرب، والفأرة والكلب العقور، لحديث عائشة رضي الله عنها ‏ أمر رسول الله ‏- ‏صلى الله عليه وسلم- بقتل خمس فواسق في الحل والحرم الحدأة والغراب والفأرة والعقرب والكلب العقور سنن الدرامي.

 

‏عن ‏عمه عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله‏- ‏صلى الله عليه وسلم- قال: "‏إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة". وهي ليست منطقة سلام في هذه الأشياء وحدها، ولكنها أيضاً منطقة أمان في الضمير البشري في أغوار النفس وأعماقها حتى ليتحرج المسلم المحرم أن يمد يده إلى الطير والحيوان، فهي المنطقة الآمنة، والنفس الآمنة، وما أحوج البشرية المتصارعة إلى هذه المنطقة، تتعلم منها أن هذا الدين وحده هو زورق الأمان ومسلم النجاة، والله بكل شيء عليم.

 

2- رحلة فاضلة:

إنها الرحلة الفاصلة بين الهدى والضلال ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجّ﴾ سورة البقرة: آية 197. ومن هنا تحدد الاتجاه لمسيرة الإنسان، فالطريق القديم الحافل بالرفث والفسوق والجدال يجب أن يغلق وسحقاً لحياة الرفث والفسوق والجدال سحقاً للفحش كله، سحقاً لحياة الهبوط والسقوط والتدلي، سحقاً لحياة يحجب المرء فيها عن ربه، إنها حياة تافهة رخيصة، سحقاً للمهاترات والصراع والجدال، وبدأت من الآن الاتجاه إلى الله وحده، العزة لله وحده، في النفس والقلب والحواس، والتجرد الكامل لله وحده، له دون المال وله دون الأهل، وله دون الولد: "من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه" صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رواه أحمد عن أبي هريرة.

 

رحلة فاصلة، وبداية عهد وميثاق جديد مع مالك الملك الغني عن العالمين ميلاد جديد للمسلم، الشهادة بالتوحيد هي بداية الطريق، والاستجابة لله هي معالم الطريق، هدير التلبية، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شرك له لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، تملأ الصدور، وتنطلق بها الحناجر من أعماق النفس، هدير يحمل المسلم على الصعب والذلول في سبيل عقيدة التوحيد، هدير هو الحداء الذي يرفع المسلم إلى القمة، ويروضه على صدق الالتزام بحق هذه العقيدة.

 

يا الله.. يا ذا الجلال والإكرام، ما أعز من لا يذل إلا بين يديك وما أكرم من لا يخضع إلا لسلطانك.

 

3- سمو الغاية:

ليس بكثير على أولئك الذين سعت هممهم، فأدركوا الغاية من الوقوف بين يدي ربهم، وشغلهم ذلك عن كل شيء، ورضا ربهم هو أمنيتهم ومبتغاهم، ليس كثيراً عليهم بعد أن رفعوا أيديهم بالدعاء، وبسطوا أكفهم بالضراعة، أن يهيئ الله لهم مواسم خير ومواطن رحمة، ويعيد إليهم أكفهم مملوءة بالمغفرة والعطاء، ويجعل من دموعهم التي سكبوها وزفرات قلوبهم التي صعدوها معالم نور في حياتهم تضيء لهم السبل، وتهون عليهم الصعاب وترقى بهم إلى مدارج الكرامة في الدنيا والآخرة.

 

4- مرحلة يجب أن تدرك:

من المسلمين في أن يعودوا سيرتهم الأولى علماً وعملاً وسلوكاً، وصدق غاية وسلامة اتجاه وحياة جهاد وتضحية، وبعد نظر.

 

إن المسلمين اليوم وغداً تنتظرهم في هذا العالم واجبات وتكاليف لا يستطيع أداءها إلا الذين تخففوا من ثقل اللحم والدم، وارتفعوا فوق متع الحياة، ولم يركنوا إلى الراحة والدعة وطلب العاقبة والسلامة. كما ترقبهم أعباء لا قبل لهم بها، إذا لم يخلصوا أنفسهم لله ولدينه، ويعطوا من وجودهم وكيانهم ما لا يبخل به إنسان يؤمن بيوم الحساب، لابد أن يدرك المسلمون أن أمتهم اليوم تمر بفترة كئيبة من تاريخها الطويل فترة فقدت فيها وحدتها، ونسبت رسالتها، وطاف بها نوم عميق جعلها ضعيفة الوعي عاجزة عن الحركة والفقر الحقيقي في هذه الأمة هو شلل المواهب وفقدان الهمم والعزائم، والصحوة الحقيقية هي الشفاء من هذه العلل والاستهداء بالإيمان والاستعلاء على متاع الدنيا.

 

إن الذين يقفون في هذه الأمة أمام كل التيارات ويريدون إقامة المجتمع الإسلامي والفضائل الإسلامية قلة تحتاج إلى عون، والشعوب الإسلامية للأسف لا زالت تقف موقف المتفرج، أو العاجز أمام حملات التغريب والتبشير، في حاجة إلى وقفة جادة أمام الكوارث التي تنزل بهم.

 

 الصورة غير متاحة
وفي الحج تجديد وإعادة بناء وتربية وتعليم، وتعويد على تحمل المشقات للأمة التائهة المفككة التي تجاهلت رسالتها، وفي الحج توحيد لها تحت راية الإسلام، وتذكير لها بهذا التوحيد، وهو أيضاً تعليم بأن الطريق إلى توحيدها وجمعها ليس غير طريق الله، طريق لبيك اللهم لبيك، إنه طريق الأمة الوسط، خير أمة أخرجت للناس، الأمة التي أكد الله عليها وألزمها بحمل رسالة الإسلام إلى الدنيا، بعزم وقوة ومضاء، لتقوم بدورها في هداية البشرية، وإنقاذ العالم، وتحرير الدنيا من العبادة لغير الله.

 

إنها مهمة التبليغ والدعوة والجهاد، حتى تصل رسالة الحق إلى كل بلد، وتدخل كل بيت، عن طريق الإقناع والدليل، ونصاعة البرهان.

 

يا حجاج بيت الله الحرام: اذكروا أن الحج مؤتمر إسلامي عالمي، يجمع المسلمين من كافة بقاع الأرض فاذكروا عند بيت الله إخوانكم في الشيشان، وماذا فعل الإلحاد بهم؟ وهو أمر من وراء العقول، لا تستطيع ألفاظ اللغة العربية أن تعبر عن عُشر معشار ما نزل بإخوانكم، واذكروا ما نزل بإخوانكم في فلسطين المسلمة، وما ينزل بهم على أيدي عصابات يهود، وهو خطير… خطير بكل الموازين، اذكروا ما نزل بإخوانكم في لبنان في هذه الأيام، واذكروا إخوانكم في البوسنة والهرسك وكوسوفا.. وسبحان الحليم ولا حول ولا قوة إلا بالله، عودوا من هذه الرحلة وأنتم على يقين بضرورة العمل لدينكم ونصرة إخوانكم وتخليصهم من حثالات البشر.

 

إن أمة تتجه جميعها إلى قبلة واحدة، يقودها منهج رباني خالد، ومشاعرها واحدة، لو استيقظت ورجعت إلى ربها فلن تغيب أبداً بإذن الله، ولن تموت أبداً بإذن الله وهذا أمل في الله كبير، وهو سبحانه الغالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

----------------

[1] - راجع كتاب في ظلال القرآن للشيخ سيد قطب- رحمه الله-

[2] - المرجع السابق.