بقلم: سمية رمضان

إذا خرج الحاج قاصدًا بيت الله الحرام في أشهر الحج ناويًا تأديةَ الفريضة عازمًا على تلبيةِ دعوةِ الله لزيارةِ بيته المحرم فبمجرد خروجه يصبح جزءًا لا يتجزء من كونه مسبحًا للمولى متجردًا في كل أعماله إخلاصًا لله تعالى، ضيفًا لله غير مشركٍ فيكون كل همه ذكر الله ذكرًا كثيرًا بكرةً وأصيلاً بلسانه وقلبه وأفعاله وأقواله، ولا يكتفي بأعمالِ الخير والصلاح، ولكنه يتزود منها ويجعل زاده في ذلك تقوى الله سبحانه وتعالى.. فهو قبل أن يحجَّ إلى البيتِ العتيق كان يتطهر ويتجه إلى بيتِ الله مناديًا إياه الله أكبر فيكون لقاء الله معه في بيته أيًّا كان هذا البيت، ولكن في هذا المكان المبارك هو ينادي ربه.. الله أكبر.. فيستضيفه الله سبحانه في بيته جل شأنه وتعالى قدره، وقد اختار رب العزة أفضل وأحب الأرض إلى الله سبحانه ليكون فيها البيت المحرم الذي يعلوه البيت المعمور وعرش الرحمن سبحانه فيطوف الحاج من حول البيتِ كطوافِ الملائكة حول العرش ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (الزمر: من الآية 75).

 

فيجعل الملائكة قدوةً له فيفعل ما يفعلون؛ حيث يخلص العبادة لله وحده ويستغفر لنفسه وللمؤمنين ويسأله سبحانه الجنة لنفسه وللآباء والأزواج والذرية والمؤمنين ويسأله سبحانه أن يقيه السيئات فيشمله برحمته سبحانه ويكثر من التسبيح والتهليل وإفراد الله بالعبودية وعدم الشرك به في أي فعلٍ أو قولٍ أو حتى تصور بعد طوافه وتسبيحه وإصراره على اتباع ملة إبراهيم باقيًا على العهدِ مصليًا عند المقام فيسأله سبحانه أن يسأل يستجاب له وهو يرتوي بماء قد فجَّرها سبحانه تحت قدمي النبي إسماعيل عليه السلام فتكون عونًا له على السعي متذكرًا أمه هاجر عليها السلام فيدعو الله حاجته كما كانت تدعو أمه لعل الله يستجيب له كما استجابَ لأمه، ويستمر في الدعاء والتوسل إلى الله والإلحاح عليه، وهو في كل ذلك يكون باسم الثغر، معينًا للآخرين، يحلو لسانه بالكلام الطيب محاولاً احتواء كل ما يرضي الله.

 

وفي السكن يكون ألوفًا ودودًا يستأنس بمَن معه متلطفًا معهم في الحديث، متقربًا إليهم بكل ما تحب قلوبهم في مرضاةِ الله ولا يُفضِّل نفسه عنهم في حجرةٍ أو فراشٍ أو ملابسٍ أو حمام أوغير ذلك بل متنازلاً برضى نفسٍ وطيبِ خاطر قاصدًا وجه الكريم فيسبغ عليه نعماءه بسخاء لا يفارق التسبيح لسانه صابرًا على كل أمرٍ لم يكن في حسابه محتسبًا أجره عند الله سبحانه ولاينسى في دوامةِ الاهتمام بأداء وترتيب المناسك أن له أخوة لهم حقوق عليه من الصداقة وحسن الجوار والانضمام معهم في قافلة القلوب التي لا تجد لأحد مع الله في قلبها نصيبًا أو مكانًا وكذلك يكون في منى وعرفات والمشعر الحرام وفي بيت الله الحرام مسلمًا لا يذكر إلا في الله ثم الله ثم الله ليكون عصمته ذكرًا وحديثه دعوة وحركته في الله ولله لا يرضى إلا أن يكون حجه مبرورًا ويعتبر أن كل من حوله إن أحسن معهم التعامل جزاؤه الجنة وقد اختار الله سبحانه له هذه الصحبة بالذات لتكون له عونًا على دخول الجنة ونيل رضا الله فليكن هو عونًا لنفسه أيام معدودات إن أخلص لله فيها في كل شيء وكل أمر فالجنة هي المسكن وغفران الذنوب هو الجزاء، ولا بد وأنه مبتلى ومختبر فعليه أن يجعل دومًا نفسه تواقة للفوز بنعيم رضا الرحمن عليه بالصبر وهو واقف على عرفات أن يصبر على نفسه فيجاهدها ألا تنقطع عن الذكر والدعاء ودعوة الآخرين على ذلك وتذكيرهم، وعند المشعر الحرام يكون من الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وعليه أن يبتعد عن الجدال والمناقشات وارتفاع الصوت فما كانت حملته عليه فليكن معها ما دام هناك رخصة وعند رمي الجمار ليكن بسكينة وخضوع ويسأل الله التيسير ولا ينس ذكر ربه لحظة واحدة مهما كان تعاقب الأحداث، وعند طواف الإفاضة تكون الراحة القلبية والهدوء النفسي والتوسل إلى الله مع سكب الزفرات أن يستجيب ويرحم فإذا قضى مناسكه يكون لذكر الله أكبر وأكثر وأرغب، وقد طهرت نفسه وغُفِر ذنبه بإذن الله وبُشِّر بالجنة.