بقلم: أحمد جاد

لقد حدد رسول الإسلام وخير الأنام محمد عليه الصلاة والسلام الغاية الأولى من بعثته والمنهاج المبين في دعوته بقوله- صلى الله عليه وسلم- في حديثه "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".. فكأنَّ الرسالةَ التي غيَّرت مجرى التاريخ وبذل صاحبها صلى الله عليه وسلم جهدًا كبيرًا في مدِّ شعاعها وجمع الناس حولها لا تنشد أكثر من تدعيم فضائلهم وإنارة آفاق الكمال أمام أعينهم حتى يسعوا إليها على بصيرة ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: من الآية 108).

 

إن العبادات التي شُرعت في الإسلام واعتُبرت أركانًا في الإيمان ليست طقوسًا مبهمةً ولا أعمالاً غامضةً وحركاتٍ لا معنى لها، فإنَّ الفرائضَ التي ألزمها الإسلام لكل منتسبٍ إليه إنما هي تمارين متكررة لكي تعود المرء إن يحيا بأخلاق صحيحة وإن يظل متمسكًا بهذه الأخلاق لا يتغير ولا يتلون حسب الظروف التي أمامه، ولكنه يظل ثابت على أخلاق هذا الدين ثبوت الشم الرواسي.

 

وما وصل إليه حال المجتمعات إلا بسبب انهيار قضية الأخلاق فإذا أردت أن تتعرف على تاريخ أمة أو حضارة شعب فتعرَّف على أخلاقِ أبنائها.

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت         فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

فبقاء الأمم وحضارات الشعوب وتقدمها إنما هو كامنٌ في مقدارِ تمسكها ومحافظتها على الأخلاق، والواقع خير شاهد على ذلك، فرسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد جاء إلى أهل الجزيرة العربية وقد ساءت أخلاقهم، وكان خير شاهد على ذلك ما ذكره جعفر بن أبي طالب وهم في مهجرهم بالحبشة عندما عرض على النجاشي أحوالهم قبل بعثته صلى الله عليه وسلم فقال: "أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ونشرب الخمر ونتعامل بالربا ونئد البنات، ويأكل القوي منا الضعيف"، ثم أوضح له الجانب المشرق؛ جانب الأخلاق التي جاء بها رسول الأخلاق فقال جعفر بن أبي طالب "حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وأباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات".

 

هذه كلها أخلاق جاء بها رسول الإسلام والأخلاق ثم وضَّح له جعفر بن أبي طالب المعينات على التخلق بهذه الأخلاق فقال: "أمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام والحج"، وعدد عليه أمور الإسلام.

 

والقرآن الكريم- دستور هذه الأمة- والسنة المطهرة يكشفان بوضوحٍ عن هذه الحقائق بأنَّ العبادات في الإسلام وأركان الإسلام فُرضت لتُعوِّد المرء أن يحيا بأخلاقٍ صحيحةٍ وأن يظل متمسكًا بهذه الأخلاق، فالصلاة الواجبة التي هي عماد هذا الدين وركنه الركين، وعندما أمر الله بها أوضح الحكمة من إقامتها فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت: من الآية 45).

 

ويقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "مَن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاةَ له"، فالابتعاد عن الرذائل والتطهير من سوءِ القول وسوء العمل هي حقيقة فريضة الصلاة.

 

وقد جاء في الحديث الذي يرويه النبي- صلى الله عليه وسلم- عن ربِّ العزة أنه قال: "إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل بها على خلقي، ولم يبت مصرًّا على معصيتي، وقطع النهارَ في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة ورحم المصاب"، ويقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "رُبَّ مصلٍّ ليس له من صلاته إلا التعب والنصب" لماذا؟ لأن الصلاةَ لم تُؤدَ كما يجب وبالتالي لم تأتِ بالثمرةِ المرجوةِ منها؛ استقامةً لخلق المصلي على ما أراد الله وأراد رسول الله.

 

ثم تأتي فريضة الزكاة لتقول للبشرية كلها أنها ليست ضريبة تؤخذ من الجيوب لكنها غرس لمشاعر الحنان والرأفة وتوطيد لعلاقات التعارف والألفة والمحبة بين شتى الطبقات البشرية، ولقد نصَّ القرآن الكريم على الغايةِ والهدف من إخراج الزكاة فقال سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: من الآية 103)، فتنظيف النفس من أدران النقص والتسامي بالمجتمع إلى مستوى أرفع وأنبل هو الحكمة الأولى من فريضة الزكاة.. فهي طهرة وتزكية للغني من أمراض الكبر والعجب والبطر والتغطرس والشح والبخل بمال ليس ماله، ولكنه مال الله عز وجل وهو مستخلف فيه كما ورد في الحديث الذي يرويه المصطفى- صلى الله عليه وسلم- عن رب العزة: "المال مالي، والأغنياء وكلائي، والفقراء عيالي، فإن بخل وكلائي على عيالي أخذتهم ولا أبالي".

 

أيضًا هي مطهرة وتزكية للفقير من الحقد والحسد وتمني زوال نعمة الغنى.. ولنرَ ماذا فعلت هذه الأخلاق السامية في هذه البيئة الصحراوية التي عاشت دهورًا على التخاصم والحروب إنها لتشير إلى الأهداف التي رسمها، وقاد بها العرب في الجاهلية المظلمة؛ ولذلك وسَّع النبي- صلى الله عليه وسلم- في دلالة كلمة الصدقة التي ينبغي أن يبذلها المسلم فقال- صلى الله عليه وسلم-: "تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإشاردك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لكَ صدقة، وإفراغك بين دلوك في دلو أخيك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة".

 

وكذلك عندما شرع الإسلام الصومَ فلم ينظر إليه على أنه حرمانٌ مؤقتٌ من بعضِ الأطعمة والأشربة، لكن اعتبره خطوةً وتدريبًا إلى حرمان النفس من شهواتها المحظورة ونزواتها المنكورة وفطامها عن هذه الشهوات المتكررة والملحة، والنفس كالطفل يشب على حبِّ الرضاع وأن تفطمه ينفطم.

 

ولهذا بيَّن القرآن الحكيم الغاية من الصيام فيقول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ (البقرة)، ويقول النبي- صلى الله عليه وسلم- إقرارًا لهذا المعنى معنى الأخلاق تلك الثمرة المرجوة من الصيام.. يقول صلى الله عليه وسلم: "مَن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، ويقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث، فإنْ سابك أحدٌ أو جهل عليك فقل إني صائم"، ويقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش".

 

ثم يأتي الركن الخامس من أركانِ هذا الدين العظيم، وهو ركن الحج، وقد يحسب الإنسان أن السفر إلى البقاع المقدسة الذي كلَّف به المستطيع يحسبه الإنسان أنه رحلة مجردة من المعاني الخلقية، وهذا خطأ لأنَّ الله عز وجل يقول في شأن هذه الفريضة: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197)﴾ (البقرة).

 

هذا عرضٌ مجملٌ لبعضِ عباداتِ الإسلام التي اشتهر بها وعُرفت على أنها من أركانه الأصيلة يتضح لنا متانة الأواصر والروابط التي تربط الدين بالخلق، إنها عبادات متباينة في جوهرها ومظهرها، ولكنها تلتقي عند الغاية التي رسمها الرسول- صلى الله عليه وسلم- في قوله: "إنما بعث لأتمم مكارم الأخلاق" هذه الطاعات هي مدارج الكمال المفرد، وروافد الكمال المطلق وروافد التطهر- الذي يصون الحياة البشرية ويُعلي شأنها السجايا الكريمة التي تربط بها وتنشأ عنها- لها منزلة كبيرة في دين الله.

 

إذا لم يستفد المرء منها بما يُزكي قلبه وينقي لبه ويهذب بالله ثم الناس صلته فقد هوى.. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلا (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)﴾ (طه).