منذ إعلان الرئيس قيس سعيد تمديد "التدابير الاستثنائية" بتجميد البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه، تواترت مواقف الأحزاب التونسية بين الاستنكار والرفض، ومطالبات بخارطة طريق عاجلة وانتخابات مبكرة.
وفي 25 يوليو الماضي جمد سعيد البرلمان لمدة 30 يوما، ورفع الحصانة عن النواب، وأقال رئيس الحكومة هشام المشيشي ومسئولين وعين آخرين.
وفي 23 أغسطس المنصرم أعلن الرئيس التونسي "التمديد في التدابير الاستثنائية المتخذة إلى إشعار آخر".
* غموض مقلق
وعلى لسان زعيمها راشد الغنوشي، أعربت حركة "النهضة" "53 مقعدا"عن " انشغالها العميق بالغموض الذي يكتنف مستقبل البلاد"، بعد التمديد إلى أجل غير مسمى.
وقالت في بيان موقع من الغنوشي في 23 أغسطس، إن التمديد "يلغي مراقبة البرلمان الذي يمنح الدستور لرئيسه أو 30 من أعضائه حق طلب إنهاء الإجراءات الاستثنائية".
وجدّدت الحركة دعوتها، إلى "استئناف المسار الديمقراطي، المُعطّل منذ 25 يوليو 2021 والعودة السريعة إلى السير العادي لمؤسسات الدولة كما ينص على ذلك الفصل 80 من الدستور، واعتماد الحوار سبيلا وحيدا لحلّ مختلف المشاكل".
وجددت "تمسّكها بموقفها المبدئي الذي يعتبر تعليق اختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن النواب خرقا جسيما للدستور، ومخالفة صريحة لمقتضيات الفصل 80 منه في التنصيص على إبقاء البرلمان في حالة انعقاد دائم".
** ضبابية سياسية
من جانبه، عبر حزب "التيار الديمقراطي" (22 مقعدا)، عن قلقه من "تجميع السلطات بيد سعيد دون أفق زمني واضح".
وقال في بيان أصدره في 28 أغسطس، إن على الرئيس "تعيين رئيس حكومة مع الحرص على الكفاءة ونظافة اليد، وبالإفصاح عن برنامج واضح وعاجل لمجابهة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والمالية والشروع في الإصلاحات الضرورية".
وعبّر "التيار" عن القلق مما صاحب إجراءات الرئيس من "ضبابية سياسية ودعوات لا مسؤولة لتعليق الدستور وتأخر غير مبرر في تعيين الحكومة وسد الشغور في عديد الوزارات".
* احتكار السلطات
وفي 25 أغسطس، أعلن حزب "ائتلاف الكرامة" (18 مقعدا) عن رفضه لكل القرارات الرئاسية التي أعقبت ما وصفه بـ "انقلاب 25 يوليو وأدخلت البلاد في المجهول".
وندّد "بمواصلة تجميد عمل السلطة التشريعيّة ورفع الحصانة عن النواب" معتبرا أن ذلك يمثل "خرقا جسيما للدستور واستهداف عدد من نوابه بمحاكمة عسكرية في ملف سبق وأن تعهد به القضاء العدلي منذ مارس ذار الماضي".
وأدان "الائتلاف" ما اعتبرها "أشكال التضييق على الحريّات العامّة والعقوبات الجماعيّة التي استهدفت وتستهدف السياسيّين ونواب الشعب والقضاة والمحامين ورجال الأعمال وأصحاب الرأي وحرمان المواطنين من حقوقهم المدنية التي جاءت بها ثورة الحرية والكرامة عام 2011 (في إشارة إلى الإطاحة بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي) ".
بدوره، اعتبر حزب "العمال" (يساري/ لا نواب له) في بيان يوم 25 أغسطس، أن تمديد التدابير الاستثنائية لمدة غير معلومة "يمثل حلقة من حلقات المسار الانقلابي الذي فتحه سعيد يوم 25 يوليو لتحييد خصومه في منظومة الحكم والاستيلاء على كافة السلطات".
ورأى أن هذا التمديد " يسمح لسعيد بمواصلة احتكار كافة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية دون الخضوع لأية رقابة، واستكمال انقلابه على الدستور ولو كان ذلك عبر سياسة الخطوة خطوة .. تمهيدا لتنفيذ مشروعه الشعبوي القائم على الحكم الفردي والاستبداد".
واستنكر "العمال" في بيانه، "مواصلة سعيد تعمّد الغموض في كل ما يتعلق بالخطوات التي سيقطعها مستقبلا".
** خارطة طريق وحكومة
في المقابل دعت أحزاب أخرى لم تبد رفضا لتمديد "الإجراءات الاستثنائية"، إلى التعجيل بتشكيل حكومة جديدة وخارطة طريق توضح الرؤية السياسية للمرحلة المقبلة.
وفي هذا الصدد شدد حزب "آفاق تونس" (ليبرالي/نائبان) على ضرورة أن "تهدف التدابير الاستثنائية إلى الإصلاح السياسي وتكريس مفهوم دولة القانون والمؤسسات واستئناف مسار الانتقال الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة".
ودعا في بيان يوم 23 أغسطس سعيد، إلى "الإسراع بتشكيل حكومة كفاءات مُصغّرة تتولى تنفيذ إصلاحات تشريعية واقتصادية كبرى، وتعمل على ايجاد الحلول اللازمة لعجز المالية العمومية ومجابهة الأزمة الوبائية وتداعياتها السلبية على مختلف القطاعات".
كما دعا إلى "صياغة رؤية سياسية شاملة وعملية للمرحلة المقبلة وتجاوز حالة الضبابية والأوضاع الاستثنائية في أقرب الأوقات".
بدورها أكدت حركة "مشروع تونس" (ليبرالية/3 مقاعد) في بيان يوم 25 أغسطس، أن "غياب برنامج عمل وطني معلن وشفاف محدّد الآجال والخطوات للخروج من المرحلة الاستثنائية إلى المرحلة غير الاستثنائية لن يؤدي إلى نتائج إيجابية".
وقالت إنها "سجلت إرادة الرئيس (سعيد) في تحسين مستوى عيش التونسيين بالتحكم في الأسعار والتخفيض منها"، معتبرة أن "الوصول لهذا الهدف يتطلب إضافة لإرادة سياسة اقتصادية واضحة تنفذها حكومة قوية كفؤة يجب الإعلان عنها وتركيزها في أقرب الآجال بعد تأخرا غير مفهوم".
* انتخابات مبكرة:
من جانبه أكد حزب "التكتل" (ليبرالي/ لا نواب له) أن "يوم 25 يوليو مثل لحظة فارقة مكنت من إيقاف نزيف الديمقراطية الفاسدة التي هيمنت على دواليب الدولة"، معتبرا أن "السيادة تبقى للشعب، وعليه يجب العودة إليه في أقرب وقت وتحديد موعد الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها".
ودعا "التكتل" في بيان يوم 25 أغسطس رئيس الجمهورية إلى "الإفصاح عن رؤيته للمرحلة القادمة حتى تتمكن تونس من صياغة خارطة طريق واضحة توحد الشعب و تتفادى الفراغ والضبابية الحالية".
من جهته، طالب الحزب "الجمهوري" (وسط/ لا نواب له) "بوضع حد لحالة الاستثناء التي تمر بها البلاد"، مشددا على "أهمية الرجوع إلى الشعب صاحب السيادة في انتخابات عامة مبكرة بعد تعديل المجلة الانتخابية بما يضمن شفافية ونزاهة الانتخابات".
ودعا الحزب في بيان، سعيد إلى "الإسراع بتشكيل حكومة إنقاذ وطني تضع من ضمن أولوياتها المعالجة السريعة للأزمة الاقتصادية المستفحلة ولاختلال التوازنات المالية والقضاء على منظومة الفساد".
يذكر أن أحزابا أخرى ممثلة بالبرلمان لم تعلن أي موقف رسمي من قرار "التمديد" حتى اللحظة، وهي أحزاب "قلب تونس" (28 مقعدا)، و"تحيا تونس" (10 مقاعد)، و"الدستوري الحر" (16 مقعدا)، وحركة الشعب (15 مقعدا) التي أعلنت في 25 يوليو مساندتها لقرارات سعيد.
* تراجع دور الأحزاب:
وتعقيبا على المواقف التي أبدتها الأحزاب تجاه تدابير سعيد وتمديدها قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي صلاح الدين الجورشي للأناضول، إن " هناك تراجعا واضحا وغير فاعل للأحزاب أمام الصعود القوي لدور رئيس البلاد".
وأضاف أن هذه الأحزاب " تراقب بشكل دقيق تفاعل التونسيين مع الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها سعيد، لذلك هي تخشى أن يتم تعميق عزلتها في حال واجهت رئيس الدولة".
ورأى الجورشي أن الأحزاب " لم يعد لها أي وزن في معادلة الرئيس سعيد"، معتبرا أن الرئيس "لا يؤمن بدور الأحزاب ولا يأخذ مواقفها بعين الاعتبار عند اتخاذ قراراته".
واستبعد الجورشي، أن "يكون للأحزاب دور فاعل في المرحلة المقبلة خاصة وأنها أبدت ضعفا وعدم قدرة على مواجهة قرارات سعيد" حسب رأيه.
وفي 25 يوليو الماضي قال سعيد، إنه اتخذ القرارات الاستثنائية لـ"إنقاذ الدولة التونسية"، لكن غالبية الأحزاب رفضتها، واعتبرها البعض "انقلابا وخروجا على الدستور"، بينما أيدتها أخرى، معتبرة إياها "تصحيحا للمسار".