رغم ظروفه الصحية السيئة، يخطط الجنرال الانقلابي خليفة حفتر لتنظيم احتفال ضخم، اليوم السبت، بالعملية التي سمّاها الكرامة، باستعراضات عسكرية هائلة في تحد لجميع من يعلوه سلطة ويتجاوزه مرتبة.
الاحتفال الضخم سبق تأجيله، بحسب مصادر مقربة منه، لثلاثة مرات بسبب وجود حفتر للعلاج في مصر بعد إصابته بمرض في القلب، ولكنه تمسك بإقامته، بل ووجه دعوات لحكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي للاحتفال بذكرى انتهاكاته.
سبع سنوات مرت منذ أن أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر إطلاقه لما يسمى بعملية الكرامة، التي لم تساهم إلا في زيادة حدة الصراع الدموي والانقسام السياسي والتشظي المجتمعي، فضلاً عن تأثيراتها الكبيرة على المستوى الاقتصادي على كامل أرجاء البلاد شرقاً وغرباً وجنوباً، حيث لم تترك تداعياتها جزءاً واحداً من البلاد.
دول عديدة منها الإمارات وروسيا ومصر، دعمت عملية الكرامة منذ اليوم الأول لإطلاقها، وعززتها بشكل مباشر بالأسلحة والعتاد والمرتزقة، حيث بدأت حاملة شعار مكافحة الإرهاب، وقد بات الشعار محط سخرية واستهزاء عقب تمكن قوات البنيان المرصوص التابعة لحكومة الوفاق الوطني من تحرير مدينة سرت، والتي تمركز فيها الإرهاب بكل فعلي.
تنديد بالاحتفال
عضو المجلس الرئاسي الليبي عبد الله اللافي أصدر الجمعة، بياناً، بصفته القائد الأعلى للجيش الليبي. وتعليقاً على عزم حفتر الخروج في استعراض عسكري ضخم احتفالاً بالذكرى السابعة لعملية الكرامة، قال من خلاله إن المجلس قد أصدر بلاغاً بخصوص حظر جميع اللقاءات والإدلاء بالتصريحات أمام وسائل الإعلام من قبل العسكريين دون إذن مسبق .
وأضاف اللافي أن المجلس قد شدد مراراً وتكراراً على تجنب القيام بأي تصرفات أحادية ذات طابع عسكري من أي طرف، ومن بينها المناورات والتحركات الميدانية والاستعراضات العسكرية التي قد تؤدي، على حد قوله، إلى نشوب صراع جديد.
وأكد اللافي أن قيام أي طرف من الأطراف بتصرفات أحادية ستعطي المبرر لأطراف أخَر للقيام بتصرفات مشابهة، وستؤدي إلى عرقلة العملية السياسية، مضيفاً أن تلك الأعمال ستخلق عوائق كثيرة في سبيل توحيد المؤسسة العسكرية وتهدد الأمن والسلم وكأنها قائمة على الانقسام .
وناشد في ختام بيانه، الجميع بالتوقف الفوري عن كل ما من شأنه المساس بهذا المسار عبر اتخاذ خطوات أحادية غير محسوبة، كما ناشد كافة الدول التي ترعى الاتفاق والبعثة الأممية أن تقوم بدور نشط وفعال لتفادي أي تطورات تهدد ما جرى إنجازه. على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والأمنية، لم تسهم عملية الكرامة التي مر على ذكرى إطلاقها سبع سنوات إلا في تدمير أجنحة الدولة الليبية والتي كانت تتعطش إلى النهوض والعمار عقب ثورة على نظام ظالم، ومازال قائد العملية متمسكاً بمبادئها حتى الآن، في رفض منه لقيام الدولة بأي شكل يذكر .
العملية من البداية
في 16 من مايو عام 2014 انطلقت العملية بمدينة بنغازي شرق ليبيا، بإعلان رسمي من قائدها حفتر عقب انقلاب فاشل أعلن عنه قبل أشهر، ومع انطلاقها قامت قواته بمهاجمة مقار للثوار والكتائب التي ساهمت في ثورة السابع عشر من فبراير، وبعد ذلك انتقلت العملية إلى العاصمة طرابلس، ومن ثم توسع الصراع ليشمل العديد من مناطق البلاد.
حفتر وفي خطابه الإعلاني عن عملية الكرامة والذي اعتبره العديد من المتابعين انقلاباً يضاف إلى سلسلة انقلاباته الفاشلة، أكد أن العملية تهدف إلى إنقاذ البلاد مما يسميه “الإرهاب”، وإنهاء سيطرة “المتشددين الإسلاميين” على الدولة، إلا أن معظم المتتبعين للمشهد أكدوا أن إعلانه هذا كان بمثابة ثورة مضادة هدفت لإلغاء نتائج ثورة السابع عشر من فبراير والتي تمكن الليبيون عقبها من إجراء أول انتخابات تشريعية.
وساهمت عملية الكرامة هذه في تدمير أجنحة الدولة من اقتصادية إلى سياسية وأمنية، وكان لها مساوئ لا تعد ولا تحصى.
ومنذ أن بدأ حفتر في عمليته هذه، قامت قواته بقتل أكثر من 100 شخص بدون محاكمة عادلة وخارج إطار القانون، وقد ساهم حليفه السابق محمود الورفلي، المطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية، في هذه العمليات. كما ارتكب عدداً كبيراً من المجازر والتصفيات، منها مجازر الأبيار والضمان الاجتماعي وشارع الزيت. كما أنه وخلال السنوات الماضية، عثر في بنغازي على عشرات الجثث لأشخاص اعتقلتهم أجهزة أمنية ومليشيات موالية لحفتر قتلوا إما بالرصاص أو بالتعذيب قبل رمي جثثهم في الشوارع، إضافة إلى عمليات اغتيال طالت أسماءً بارزةً منها المحامية الحقوقية والمدافعة البارزة عن حقوق المرأة سلوى بوقعيقيص، والنائبة سهام سرقيوة المغيبة حتى الآن، ويرتبط اسم حفتر بعملية اغتيال منافسه اللواء عبد الفتاح يونس، فضلاً عن الناشطة المدنية حنان البرعصي، التي اغتيلت في وضح النهار في أكبر شوارع بنغازي، إضافة الى حليف حفتر الورفلي .
وبتوسع عملية الكرامة التي طالت طرابلس، والتي هجم عليها في عام 2019 ارتكب حفتر، للسيطرة عليها، مجازر وانتهاكات تحدثت عنها معظم المنظمات الحقوقية، ومنها المقابر الجماعية في مدينة ترهونة، والألغام التي زرعتها ميليشياته جنوب طرابلس، فضلاً عن استهدافه لمبنى الكلية العسكرية والصواريخ العشوائية التي أطلقها .
كما أن توسعه في الجنوب لم يزده إلا معاناة، فقد دخل إلى الجنوب بذريعة تحريره من العصابات الأجنبية، إلا أنها توغلت بشكل أكبر بعد دخوله ووجدت بيئة خصبة للاعتداء وتهريب السلاح والوقود، والسيطرة على مناطق كاملة.
عسكرياً واجتماعياً
زعم حفتر وبإطلاقه لعملية الكرامة، أنه أنشأ جيشاً وطنياً ليبياً قادراً على تمثيل مؤسسة عسكرية نموذجية، ولكن الواقع كان يبتعد ويختلف كل الاختلاف والبعد عن هذه المزاعم المتمثلة في إنشاء الجيش الوطني الليبي .
فقد تكونت قوات حفتر من مجموعة من الميليشيات المسلحة والكتائب التي نصّب عليها أبناءه والمقربين منه، مثل كتيبة طارق بن زياد، والصاعقة، وأولياء الدم، والتي كانت مسئولة على العديد من الجرائم والمجازر، ومنها خطف النائبة سهام سرقيوة من منزلها . وقد دعم قواته هذه بمجموعة من المرتزقة من مختلف الجنسيات، أبرزها: المرتزقة الروس “الفاغنر”، والجنجويد، والسوريون الذين تمكن من خداعهم وجلبهم إلى ليبيا من خلال تفاهمات واتفاقيات مع شركات سورية وإماراتية وروسية تولت نقلهم وتدريبهم، فضلاً عن شركة “بلاك شيلد” التي استجلبت المرتزقة من السودان.
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد أشعل حفتر فتيل صراعات قبلية واجتماعية وساهم في تمزيق النسيج الاجتماعي من خلال عمليته المسامة بعملية الكرامة، فقد هجّر آلاف الأسر من مدينة بنغازي، وأشعل بينهم حروباً ومشاكل، وزع بينهم فتناً منعت من رجوعهم إلى المدينة حتى الآن .
على الصعيد الاقتصادي، ومن خلال الحروب التي أشعل فتيلها حفتر، ولتغذية مصاريفها، قام بالاستدانة من المصارف، حتى ارتفع الدين العام للدولة إلى 50 مليار دينار، بل ساهم في إفلاس عدد كبير منها، فضلاً عن تعزيزه للانقسام بالمصرف المركزي الليبي . وزعماً من حفتر وداعميه من السلطة في الشرق الليبي بحل مشكلة السيولة، فقد طبع أكثر من 4 مليارات دينار من العملة الليبية في روسيا والتي تعتبر مزورة كلياً، وأغرق السرق بها؛ مما ساهم في الإطاحة بالقوة الشرائية للدينار الليبي، وزيادة معدل التضخم، والهبوط بقيمة الدينار الليبي حتى وصل سعر الدولار الواحد إلى ثمانية دنانير ليبية .
وبإغلاق حفتر للحقول والموانئ النفطية بعد فشله من السيطرة على العاصمة طرابلس، زادت الأمور سوءاً، حيث وصلت إيرادات الدولة إلى صفر لاعتمادها على النفط بشكل كلي، فيما ارتفعت الخسائر إلى أكثر من عشرة مليارات دينار جراء هذا الإقفال الذي استخدم من خلاله المصدر الوحيد للدخل كورقة مساومة سياسية.