بقلم: د. حامد أنور

لا أحدَ يُنكر أن "هوليود" بارعةٌ جدًّا في ترويج الأكاذيب الأمريكية، فهي مرتبطةٌ بدوائر صنع القرار الأمريكي، وإحدى مروِّجي السياسات الأمريكية؛ لذا ترى كلَّ إمكانات البنتاجون والمباحث الفيدرالية تحت يدها وبميزانيات مفتوحة، فيكون الإخراج بهذا الإبهار المُدهِش، الذي يشدُّ جميعَ المشاهدين بلا استثناء؛ ولذلك فإن "هوليود" ليست مدينةً للترفيه والتسلية فقط كما قد يبدو، بل هي إحدى بؤر السياسة الأمريكية.

 

وكانت "هوليود" تروِّج منذ فترة لإمكانية تعرُّض الولايات المتحدة لهجومٍ خارجيٍّ؛ بحيث إن العدوَّ يأخذ أشكالاً مختلفةً، فهو مرةً يأخذ شكل نيزك كما في فيلمdeep impact  أو جرم سماوي كما في فيلم armagedon أو مركبات فضائية كما في فيلمindependence day  أو فرقة كوماندوز تهاجم طائرة الرئيس الأمريكي كما في فيلم air force 1 وغيرها الكثير.

 

وكانت تروَّج فيها كلها بلا استثناء أن أمريكا هي قائدةُ العالم، وأنها هي التي سوف تخلصه وفيلم (غزو المريخ أو mars attack ) أحد هذه الأفلام، ولكنه جعل العدوَّ يأخذ شكلَ كائنات مريخية، تتميَّز بأن رأسَها زجاجيةٌ، ويظهر المخُّ بتعريجاته التشريحية من تحتها، وكان الهجوم على أمريكا، فدمَّرت كل ما تجده أمامها، وهنا كان التحرك الأمريكي لمواجهة هذا الخطر الداهم، كل المحاولات تبوء بالفشل.. لا شيء ينفع في مواجهتها.

 

وبينما أحد أبطال الفيلم يتوجه إلى جدته لإنقاذها في الوقت الذي تدخل فيه الكائنات المريخية إلى بيتها وهي غير منتبهة، تضع السماعة على أذنها تستمع إلى الموسيقى والغناء.. الكائنات المريخية تقترب منها أكثر وأكثر في الوقت الذي يدخل فيه الحفيد ترفع الجدة السماعة فجأةً فتموت الكائنات المريخية؛ ليتضحَ أن هذه النغمات وتلك الموسيقى تتسبَّب في القضاء عليها، فيتم تعميمها في كل أمريكا، ويتحقق النصر على هذا العدوّ الشرس، ولكن هناك مشهد في غاية الأهمية في الفيلم.. رجل أسمر يرتدي زيَّ الفراعنة- ولذلك مغزًى كبيرٌ- يتعرض لهجوم من تلك الكائنات المريخية، ولكنه ينتصر عليها، ويصل المشهد إلى قمة إثارته حين يمرُّ هذا الرجل بجوار أحد المريخيِّين الذين لقوا حتفَهم ويدهس بقدمه على مخِّه بتعريجاته التشريحية والتي تظهر من تحت الرأس الزجاجية.

 

إن الدور المصري فيما يسمَّى الحرب على الإرهاب لا يخفَى على أحد، بل هو مصرَّحٌ به ومعلَنٌ للجميع، ويكفي تصريحُ عبقريِّ السياسة المصرية الأوحد د. أحمد نظيف (رئيس الوزراء) حين قال إن مصر ليست نادمةً على الوقوف مع أمريكا في الحرب على الإرهاب، ورغم أن تعريف الإرهاب حتى الآن غير واضح وكلمة الإرهاب نفسها مطَّاطة فالدور المصري استراتيجيتُه غيرُ واضحة الأبعاد ولكنه يبقَى وفْقَ البوصلة الأمريكية.

 

ونأتي إلى هوليود الشرق وفيلم (المصير)، والذي اختار فيه مخرجُه يوسف شاهين الحقبةَ الأندلسيةَ التي هُزم فيها المسلمون وتم طردُهم من الأندلس نهائيًّا عام 1492م؛ ليجعل الأحداث تدور إبانها والتي اشتعل فيها الصراع بين فكر ابن رشد والعلماء المسلمين، فيقومون بحرق كتبه؛ في محاولةٍ للقضاء على فكرِه، ولكن يتضح أن أحد تلامذته يحتفظ بنسخة منها كلها، فيعيدها إلى الحياة مرةً أخرى، بل إن أحد الأوروبيين الذين تعلَّموا على يديه تحمَّل المشاق في أن ينقلها إلى أوروبا والتي كانت سببًا في تقدمها، وهكذا نجد أن أفكار ابن رشد هي التي بقيت في النهاية ضد علماء الدين.

 

ثم يضع الفيلم استراتيجية مواجهة الإرهاب والأفكار المتطرفة بالغناء والرقص؛ حيث يغني أحد أبطال الفيلم أغنيته الشهيرة: "علِّ صوتك بالغنا.. لسه الأغاني ممكنة".

 

وتقول البطلة لإحدى الفتيات التي اغتصبها أحد معتنقي الأفكار المتطرفة وربما ترمز إلى مصر تقول لها: "قومي ارقصي.. الرقص هو اللي هيفوَّقك"!! بل جعل المغنَى هو الذي ينقذ الفتى المتطرِّف من أيدي الجماعات المتطرفة.

 

والدور المصري في الفيلم يتضح عندما يقوم أحد أبطال الفيلم بنقل نسخة من كتب ابن رشد إلى أرض مصر؛ دلالةً على انتقال فكر ابن رشد إليها واحتضانها له؛ لتعلوَ الشاشة بعد ذلك كلمات للمخرج نفسه موقِّعًا تحتها "الأفكار لها أجنحة لا يستطيع أحد أن يمنعها".

 

لقد كانت الموسيقى والغناء والرقْص في الفيلمَين هي الحل وهي الوسيلة المُثلَى لمواجهة  الافكار المتطرفة والأعداء القادمين..!!

 

في هذا الإطار من الممكن أن نفسِّر هذا الطوفان العَرَمْرَم والذي ينصبُّ علينا صبًّا من خلال الفضائيات، محمَّلاً بالعُري والابتذال والتمرد على القيم والأعراف وكل ما يمتُّ إلى تعاليم الإسلام بصلة، وأصبحنا نرى أناسًا من جلدتنا يتحدثون ويطعنون أينما يقف الإسلام!! يقفون هم على الشاطىء الآخر، يعِدُون الشباب والفتيات ويمنُّونهم، وما يعدونهم إلا غرورًا.. يزيِّنون لهم حياةَ المجون والعَبَث، ويُظهِرونها في صورةٍ برَّاقةٍ خادعةٍ وما هي من الحقيقة في شيء، فينساق خلفها الحمقَى والسفهاء حتى إذا عاشوها لم يجدوا شيئًا.. إنه الوهم يُباع عبر الفضائيات وللأسف بتمويل خليجي وكوادر إعلامية مصرية، وها هي "إيناس الدغيدي" تُخرج لنا من جعبتها هذه الأيام فيلم "ما تيجي نرقص".. ألا يكفيها ما نحن فيه؟!

 

لقد تعلم الغرب من كثرة حروبِه معنا كيف يحاربُنا، فالحرب الثقافية أصبحت ضمن أساليبه الحديثة معنا، فمواجهة مجتمعات ممزَّقة أخلاقيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا أسهل من مواجهة مجتمعات متمماسكة ومتلاحمة، خاصةً إذا كان ما يجمعها قيمٌ كقيمِ الإسلام، والتي انهارت تحتها عروش كسرى وقيصر وهوَت امبراطوريات بأيدي معتنقيها في فترة قصيرة هي بلا شكٍّ إعجازٌ من الناحية التاريخية.

 

إن أسباب ضياع مملكة غرناطة وهي آخر ممالك المسلمين في الأندلس كان بسبب اختلاط النساء بالرجال وتفنُّن النساء في إظهار مفاتنهنَّ.. [راجع (تاريخ الإسلام في الأندلس) لـ"محمد عبد الله عنان" الصادر عن مكتبة الأسرة الجزء السابع].

 

لقد جعلت الحضارة الغربية الحديثة أقوى اهتمامات المرأة في اختيار ألوان الموضة، وأحدث خطوط الأزياء، وتنظيم الدايت، والتنافس في لفت أنظار الرجال، وللأسف تُقلِّدهن التافِهات من أبناء مجتمعاتنا، ولا ندري إلى أين تأخذنا النساء..؟!

 

بقي أن نقول إن يوسف شاهين كوفئ بالسير على السجادة الحمراء في مهرجان (كان)، وهكذا الدنيا.. أناس لهم السجادة الحمراء في فرنسا، وآخرون لهم البِدَل الحمراء في سجون العالم العربي.. أناس لهم الثورة البرتقالية في أوكرانيا وآخرون لهم البدل البرتقالي في جوانتانامو!!