بقلم: عاطف عبد الهادي
ومضى رمضان شفيعًا لأقوام وشاهدًا لهم وحجةً لهم؛ لأنهم أحسَنوا الصيامَ واهتدَوا إلى القيام، وقدَّموا صالحَ الأعمال.. لكنه سيكون شاهدًا وحجةً على أقوام آخرين، لم يُحسنوا الصيام ولم يهتدوا إلى القيام، ولم يحسنوا العمل أو يعملوا صالحًا، فكان رمضان أشبهَ بسُوقٍ أُقيم ثم انفضَّ، ربِح فيه مَن رَبح، وخسِر فيه مَن خسر، فنسأل الله تعالى أن نكون ممن وُفِّق في رمضان إلى تحصيل الثواب في رمضان، وتقبَّل اللهُ منه صيامه وقيامه.. آمين.
ولكن بمُضيِّ رمضان وانقضائه يبدأ يومٌ من أيام السنة بل وأيام الدنيا جميعًا عند المسلم؛ حيث إنَّ المسلم الذي أحسن الصيام والقيام خرج من شهر رمضان الكريم مغفورًا ذنبُه، مشكورًا سعيُه، متقبَّلاً عملُه، فكان كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه".
فمَن خرج من رمضان وقد غُفرت ذنوبُه وهو في طريق ربه ورضوانه سائر حَقَّ له أن تكون ليلة العيد أول لياليه وأن يكون يوم العيد أول أيامه حقًّا، بعد ما نال الجائزة العظيمة على ثواب عمل سنة مضت ختمت بشهر مبارك هو رمضان، فبقدوم العيد يصير هو أول يوم يأتي عليه بعد شهرٍ غسَل فيه نفسَه من أدران المعصية، وقد نُقِّي من ذنوبه، وخلع أحمال الأوزار والسيئات عن كاهله، فبدَّل اللهُ سيئاتِه حسناتٍ، فهنيئًا له، هنيئًا له.
أهلَّ علينا شوال وغمرَنا بفرحته الطيبة وبهجتَه الربانية، لمن صام حقًّا وقام صدقًا وتقرب مخلصًا خاشعًا لمولاه.. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا...﴾ (يونس) يأتينا ليذكرَنا بحنين رمضان ووداع رمضان وبركات رمضان وذكرى رمضان، فيمضي العبد في طريقه بين أملٍ وألم.. أمل أن يتقبل الله منه صومه ويتقبل منه قيامه وعمرته وصدقته وذكره وتبتله.. وألم يحدوه شجَن، يناديه من أعماق نفسه: هل سيدرك رمضان ثانيةً؟! فإذا به يدمع دمعًا خفيفًا سرعانَ ما يحوِّل طاقتَه المكنونة بذات الصدور إلى عملٍ دؤوب، فيعاهد ربه بقلبه وعزمه أن:
إلهي عبدك الجاني أتاك مقرٌّ بالذنوب وقد دعاك
فإن تغفر فأنت أهلٌ لذاك وإن تغضب فمن يرحم سواك؟!
من الآن بدأ المسلم عامَه الجديد بإيمان كله نشاط وحيوية، سنة جديدة تبدأ بالعيد وفرحته البهيَّة وتنتهي لمن أمدَّ الله أجله في رمضان القابل بمغفرة ورحمة وعتق، فحقَّ لهذا العام أن يسمى العام الإيماني الجديد، من الآن ستأخذ حياة المسلم منحنى الصعود إلى الله، والقرب من مولاه، فشوال بهذا أول الالتزام، وبداية الطريق إلى الله، وبداية العودة إلى المنهج القرآني الكريم، ومركز الانطلاق وسلَّم الصعود إلى درجات العلا الإلهي والرقيّ الرباني.
وليحذر كل منا أن يعود إلى ما كان قد عاهد الله على ألا يزاوله، من منكر أو ذنب أو معصية.. ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً﴾ (النحل: من الآية 92).
لا تنس صيام الدهر
وصيام الستة من شوال بعد رمضان فرصة من الفُرَص الغالية؛ بحيث يقف الصائم على أعتاب طاعة أخرى، بعد أن فرغ من صيام رمضان.
وقد أرشد النبي الكريم- صلى الله عليه وسلم- أمتَه إلى فضل صيام الست من شوال، وحثَّهم بأسلوب الترغيب على صيام هذه الأيام.. قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر" (رواه مسلم وغيره).. قال الإمام النووي- رحمه الله-: قال العلماء: "وإنما كان كصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين"، ونقل الحافظ ابن رجب عن ابن المبارك قال: صيامها من شوال يلتحق بصيام رمضان في الفضل، فيكون له أجر صيام الدهر فرضًا".
وإذا كان من علامات قبول الطاعة التوفيق إلى الطاعة فإن صيام الست من شوال بعد رمضان دليلٌ على شكر الصائم لربه تعالى أن وفقه إلى صيام رمضان وزيادة في الخير، كما أن صيامها دليلٌ على حبِّ الطاعات، والرغبة في المواصلة في طريق الصالحات، وأنه على العهد مع ربه سيظل جاهدًا في عبادة وطاعة؛ لأنه لم يكن ليعبد الله في رمضان ويتخلى عن عبادته بعد رمضان.
قال الحافظ ابن رجب- رحمه الله-: "فأما مقابلة نعمة التوفيق لصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصي بعده فهو مِن فِعل مَن بدَّل نعمة الله كفرًا"، وقيل لبشر الحافي- رحمه الله-: إن قومًا يتعبَّدون ويجتهدون في رمضان..!! فقال: "بئس القوم قومٌ لا يعرفون لله حقًّا إلا في شهر رمضان.. إن الصالح الذي يتعبَّد ويجتهد السنة كلها".
ومن فوائد صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان أن العبد يستكمل بها أجر صيام الدهر كله، وأن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص، فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة.. وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل، فيحتاج إلى ما يجبره من الأعمال، كما أن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان، فإن الله تعالى إذا تقبَّل عمل عبد، وفَّقه لعمل صالح بعده، كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها، كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها.
وإنما كان هذا الأجر العظيم لصائم الست لما فيه من المشقة؛ حيث إن المسلم يواصل صيام الست بعد خروجه من صوم شهر كامل.. قال الإمام المناوي: "خص شوال لأنه زمن يستدعي الرغبة فيه إلى الطعام لوقوعه عقب الصوم فالصوم حينئذ أشق وثوابه أكثر" وتُستحب المبادرة إلى صيام الست من شوال بحيث يبدأ بها من اليوم الثاني من الشهر وهذا ما ذهب إليه الشافعي و أبو حنيفة، ولا حرج في عدم المبادرة فلو أخرها أوسط الشهر أو أواخره فلا بأس وهو ما ذهب إليه الإمام أحمد ولكن يحذر الإنسان من التسويف من غير حاجة حتى إذا أزف الشهر على الأفول فإذا به يتحسَّر حيث بقيت له عدة أيام لم يصمها فيفوته الأجر المذكور في الحديث.
..وبداية الحج!!
ولا ننسى أن شهر شوال هو أول أشهر الحج ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (البقرة: من الآية 197)؛ لأن للحج مواقيت وأشهر يؤدَّى فيها وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة، وقال ابن عمر- رضي الله عنهما-: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
والحج فريضة من فرائض الإيمان وركن من أركان الإسلام، كتبه الله على كل مسلم بالغ عاقل حر مستطيع، وجعل جزاءه الجنة "..والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
وللمسلم الفَطِن أن يدرك الآن كيف لشهر شوال أن يكون نهايةَ عبادة وبدايةَ عبادة أخرى، وبين هذه وتلك فرحة الإسلام بالعيد.. فهو نهاية الصوم إنه شهر الجائزة وشهر توزيع الدرجات على الصائمين كما أنه شهر التمهيد والاستعداد للحج وأداء مناسكه.. حقًّا إنه شهر الخيرات والذكريات.. وبداية طريق الطاعة.