تشهد تونس هذه الأيام أعمال عنف رافقتها موجة من السرقة وتخريب للممتلكات العامة والخاصة استدعت تدخل وحدات من الجيش التونسي لدعم قوات الأمن في تأمين المؤسسات التابعة للدولة، وكذلك المؤسسات الخاصة بعد ما تعرضت له من نهب واعتداءات تخريب، ورغم أن منظمات المجتمع المدني كالاتحاد العام التونسي للشغل قد تراجع عن دعم تلك التحركات بالدعوة إلى وقفها، وكذلك فعل الرئيس التونسي قيس سعيّد الذي وجه رسالة للشباب يدعوهم فيها لعدم الانسياق وراء من يتاجرون ببطالتهم وفقرهم، فإن بعض الجهات الإعلامية والسياسية سواء داخل تونس أو خارجها حاولت إضفاء صفة الاحتجاجات على ما يجري، سواء بتقديم أنفسهم لوسائل الإعلام في الميدان أو كتابة اللافتات وتأجير من يرفعها أمام الكاميرات، وتوظيفها سياسياً ضد الحكومة التونسية وحزامها السياسي، لا سيما بعد الإعلان عن التغيير الحكومي الذي شمل 11 حقيبة وزارية، الذي سيعرض اليوم الثلاثاء على البرلمان.
هذا الحكم (ليست احتجاجاً) صدر عن أمنيين، وسياسيين، وبرلمانيين، ومحللين، وعلماء اجتماع في تونس، فقد أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية خالد حيوني أن ما يقع ليلاً ببعض الجهات ليست احتجاجات، بل أعمال مجرمة قانوناً، وأكد أنه تم القبض على عديد الأطفال المتورطين (أكثر من 600 فرد) في هذه الأعمال، ويتم الاستماع إليهم طبقاً للقانون.
أما الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للأمن التونسي وليد حكيمة، فقد نفى على صفحته على "فيسبوك" ما يروج على بعض الصفحات وبعض وسائل الإعلام في الخارج عن وجود أحداث شغب بالعاصمة التونسية، وقال: إن الخبر لا أساس له من الصحة، وإن مقاطع الفيديو المنشورة قديمة، والغاية منها بث الإشاعات.
*أعمال تخريبية
وعبّر مجلس شورى حركة النهضة، في بيانه الصادر يوم الإثنين 18 يناير، عن انشغاله العميق بما تشهده مناطق بالبلاد منذ ليلتين من اعتداءات على الأملاك الخاصة والعامة ونهب وتخريب لمؤسسات إدارية وتجارية، مؤكداً أن هذا المنحى لن يزيد الوضع الاجتماعي والاقتصادي إلا تأزماً وتراجعاً.
وأدان مجلس شورى حركة النهضة التونسية أعمال الشغب، ودعا التونسيين للوقوف صفاً واحداً أمام الأعمال التخريبية التي مثلت خرقاً لكل أشكال الاحتجاج والتعبير السلمية المكفولة بالقانون والدستور، ودعا كل التونسيات والتونسيين للوقوف صفاً واحداً أمام كل الأعمال التخريبية التي تستهدف أمن البلاد وطمأنينة المواطنين.
وجدّد موقف الحركة الداعي إلى التسريع بتنظيم حوار وطني يساعد على بلورة الإصلاحات الضرورية التي تتجه بالبلاد نحو تعاقد وطني وأولويات واضحة تساعد على مواجهة كل المخاطر والصعوبات الاقتصادية والصحية.
*نهب للأملاك
بدوره، ندّد حزب قلب تونس، في بيان له، أمس الإثنين، ندد بشدّة بأعمال شغب وعنف ونهب للأملاك العامّة والخاصّة جدت ليلاً بمناطق مختلفة، اندلعت بصفة منسّقة ومتزامنة مخترقة قانون حالة الطوارئ وقرار حظر الجولان، ومستهدفة لقوات الأمن والحرس بهدف استنزافها والقيام بأعمال إجرامية.
واعتبر قلب تونس، في بيانه، أنّ هذه الأعمال منادى لها منذ مدّة عبر شبكات التواصل الاجتماعي والداعية إلى التحريض والتجييش، والتغرير بأطفال قصّر، والزجّ بهم في الشوارع ليلاً، ودفعهم إلى النهب والتكسير، فضلاً عن شحن العربات لتوزيع العجلات المطاطيّة بهدف حرقها، لا علاقة لها بالمظاهرات الاحتجاجيّة السلميّة، ولا بحريّة التعبير والمطالبة بالحقوق التي يكفلها القانون.
واتهم أطرافاً، لم يسمها، بأنها تخطط وتسعى إلى تقويض أركان الدولة، وتعطيل الانتقال الديمقراطي، والمسّ من أمن البلاد واستقرارها، وأكد ضرورة تطبيق القانون ضدّ كلّ المخالفين.
*ضرب لمشروعية الاحتجاج
الباحث في الشئون السياسية وتاريخ الاقتصاد أيمن بوغانمي أكد أنه لا يمكن تسمية التحركات الليلية "احتجاجات"؛ لما للكلمة من مشروعية، بل هي عمليات سلب وسرقة ونهب وسطو على الممتلكات الخاصة والعامة، لا سيما وأن القانون يضمن حق الاحتجاج.
وبين بوغانمي أن بعض الأطراف تدفع في اتجاه إضفاء مشروعية على التحركات الليلية، وتطويرها لتصبح حاملة لعناوين كبرى على غرار التحركات غير المؤطرة في بداية أحداث الثورة عام 2010، وهو قياس خاطئ، خصوصاً أنه لا وجود لمشروعية أو مطلب يمكن أن يتوحد حوله التونسيون هذه المرة.
مهدي مبروك أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية (وزير ثقافة سابق) ، وصف التحركات الليلية التي جدت مؤخراً في تونس بأنها لا هوية واضحة لها، ولا ترفع مطالب أو شعارات محددة يمكن من خلالها فهم أسباب خروج منظميها إلى الشوارع ليلاً بوجوه غير مكشوفة.
وبيَّن مبروك أن الحركات الاجتماعية الكلاسيكية والتنسيقيات لن تستفيد من هذا الحراك الليلي، باعتباره حراكاً يشوش على نبل القضايا الاجتماعية وسلمية الاحتجاجات، ويظهر المحتجين على أنهم مخربون.
وقال: إن أصحاب المطالب الحقيقية والشرعية لن يستفيدوا من التحركات الليلية التي لن تستطيع السياسات العمومية أن تعدل بوصلتها أو فهم مطالبها، غير أنه يمكن لبعض الأطراف السياسية أن تستفيد منها وخصوصاً تلك التي تعتبر أن الشارع هو المحدد الأخير للخلافات التي تحدث داخل الطبقة السياسية في علاقة بتشكيل الحكومة.