"بدأنا السنة الثامنة.. من سبع سنوات استيقظنا على مكالمة هاتفية تحمل خبر القبض على أنس من شقة صاحبه. قالوا إن القبض عليه كان خطأً وإنه سيعود. سبع سنوات ولم يعد"، كانت تلك رسالة أسرة المعتقل أنس البلتاجي، نجل الدكتور  محمد البلتاجي، أبرز  رموز ثورة 25 يناير، في اليوم الأول من العام الثامن منذ القبض عليه.

وقالت أسرته: "السجن يأكل العمر والصحة، يغير الشكل.. أنس شكله اختلف تمامًا عن شكل الصور. يقولون إن عامًا في السجن كعامين خارجه. ليس لدينا أي تعليق. كل الكلام انتهى".

وكانت قوات أمن الانقلاب اعتقلت أنس البلتاجي في اليوم الأخير من عام 2013، في نفس العام الذي شهد الانقلاب العسكري في مصر، الذي ارتكب مذبحة بشرية راح ضحيتها الآلاف، طبقًا لتقديرات حقوقية دولية ومصرية.

لم يخرج أنس من محبسه منذ عام 2013 وكان عمره حينها 19 عامًا، حيث تم تدويره في أربع قضايا مختلفة، حصل على البراءة في قضيتين من محاكم الجنايات والجنح، وإخلاء سبيل من قضية ثالثة. لكن سلطات الانقلاب قررت أن تضمه إلى قضية رابعة لتبقيه سجينًا في قضية رابعة بتهمة "الانضمام إلى جماعة إرهابية".

وقد حصل أنس على أحكام البراءة في قضية الاعتداء على أحد الموظفين بسجن العقرب أثناء زيارة والده. وكانت والدته متهمة معه في نفس القضية وتم تبرئتها أيضًا من القضية التي وقعت أحداثها قبل اعتقاله بعدة أيام.

وحصل على البراءة في القضية المعروفة إعلامياً بقضية "خلية الماريوت" رقم 1145 لسنة 2014، والتي حكم عليه فيها بسنتين، وذلك في عام 2016، لكنه في مارس 2018 تم نقض الحكم وحكم له بالبراءة.

وفي أكتوبر 2015، حكم عليه بالسجن خمس سنوات في قضية ثالثة اتهم فيها بحيازة سلاح، من دون تقديم أي دليل على ذلك، سوى المقطع المصور الذي أجبر هو وشقيقه على تصويره، إلا أن محكمة النقض ألغت الحكم وقضت ببراءة أنس في عام 2018، ومع ذلك ظل محبوسًا.

وبعد إخلاء سبيله في 13 فبراير 2020، تم تدويره للمرة الثالثة على ذمة قضية جديدة، وقررت نيابة أمن الدولة العليا حبسه 15 يوما على ذمة قضية جديدة، بعد قرار إخلاء سبيل صادر منذ أسبوع من تاريخ صدور هذا القرار في القضية رقم 640 لسنة 2018.

وكانت إدارة السجنين تخبر أسرته صراحة بأنه كونه نجل البلتاجي، فإن هذا يعطيه امتيازاً سلبياً عن بقية المعتقلين الآخرين، ونتيجة لذلك تم احتجازه في زنزانة فردية، يتعرض بداخلها للتعذيب والتنكيل والحرمان من التريض والطعام والشراب حتى ساءت حالته الصحية بصورة كبيرة، من دون توفير أي رعاية طبية له، كما أنه حرم من استكمال دراسته، وقد رُفضت كل الطلبات التي تقدمت بها أسرته ومحاميه لدخول الامتحانات، حيث إنه طالب بكلية التربية النوعية بجامعة عين شمس. كما أن إدارات السجون التي تنقّل بينها لم تسمح له بإدخال كتبه الدراسية أو أية كتب أخرى، بالإضافة إلى انتهاك حقه وحق أبيه في أن يحتجزا معا، وَفقاً لما ينص عليه قانون لمّ الشمل.

لكن "النظام في مصر يحاكم ويعاقب أشخاصًا لكونهم فقط أقرباء ومن أسر معارضين أو منتقدين له، وسواء كانوا متهمين أو مغتربين، وبالطبع ينال ذوي أعضاء وقيادات جماعة الإخوان نفس الأذى، حيث يوجه لهم نفس الاتهامات التي وجهها لذويهم فعل أو لم يفعل، ويتم استخدام هذا النهج أحيانًا للضغط على المتهم أو المغترب المعارض والمنتقد، أو كانتقام منه عبر استهداف أقربائه، دونما اعتبار للدستور أو القانون، ودون أي احترام لقيم واتفاقيات حقوق الإنسان"، وهذا ما خلصت إليه ورقة حديثة صادرة عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان- منظمة مجتمع مدني مصرية- بعنوان "أسرتك تحت إيدينا"، في 26 نوفمبر 2020، وكان أنس البلتاجي أحد نماذج هذه الورقة.

ورغم أن الدستور والقانون يؤكدان أن "العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون"، إلا أن "القانون والدستور شيء، وما يحدث على أرض الواقع في مصر شيء آخر مختلف ومتعارض معهما"، حسب الورقة التي وثقت قيام الأجهزة الأمنية بليّ ذراع القانون واستخدامه كأداة للقمع والانتقام من خصومها السياسيين أو المعارضين بشكل عام، وسواء كانوا في الداخل أو خارج مصر، وذلك من خلال القبض على ذويهم وتلفيق الاتهامات الكيدية لهم.

الورقة نفسها وصفت ما يحدث مع أنس بـ"أسوأ صور الانتقام من شخص لكونه ابن أبيه، كما تقول أسرته"، ليواجه أنس بمصيره المحتوم ما دام يحمل في بطاقته اسم محمد البلتاجي. لذا "فالخروج من السجن أمر مستحيل، يواجه شبح التدوير على مدار سنوات، ليتم التحقيق معه في سبع قضايا متتالية حصل على حكمين بالبراءة من محاكم الجنايات والجنح، وفي قضايا أخرى حصل على إخلاء سبيل على ذمة القضية، وكل مرة يحصل على إخلاء سبيل يعاد تدويره مرة أخرى على ذمة قضية جديدة بنفس الاتهامات".