تحولت "دار الافتاء" المصرية بعد الانقلاب العسكري إلى تابع لقطاع أمني لدى الداخلية والأمن الوطني، يفاخر مديرها شوقي علام بإصدار فتاوى الإعدام على الأبرياء، وقال على الملأ: إن "دار الإفتاء ستظل بجانب الجيش والشرطة كالجنود الأوفياء"، زاعما أن ما يتعرض له من حملات هي مجرد تشهير واغتيال معنوي، هو وسام يفتخر به.
و في 28  ديسمبر عقدت الدار احتفالية لتعريف المصريين بحصاد كوارثه المسماة زورا "إنجازاتها"، وأكد مدير شوقي علام على المعنى السابق؛ فرغم اتساع نطاق الفنادق والقاعات وأبرزها "قاعة المؤتمرات" المجاورة لجامعة الأزهر؛ إلا أنه اعتنى بأن ينشر فضائحه من خلال فندق الماسة التابع للقوات المسلحة.
وكان لافتا في المؤتمر من الجانب الشكلي -فضلا عن المضمون الذي سنستعرضه خلال التقرير التالي- غياب تام لشيخ الأزهر، أو  من ينوب عنه، وبالمقابل كان بمقدمة الحضور وعلى المنصة مختار جمعة وزير أوقاف الانقلاب، وسعيد مرعي رئيس المحكمة الدستورية، ومحافظ القاهرة اللواء الذي سبق أن جعله السيسي مسخا ونموذجا للتفكه والسخرية، أما أبرز الحضور فكان مفتي الدماء الأبرز علي جمعة وغلامه أسامة الأزهري، وحضر عدد من الأذرع الإعلامية الأمنية ومنهم نشأت الديهي ومحمد الباز، والمعروفين ببذاءاتهما ضد الأزهر ومناهجه، فضلا عن شطحاتهما لاسيما "الباز" سيء الصيت في الوسط الإعلامي.
وكان لافتا في المؤتمر –يفترض أن الإفتاء مؤسسة إسلامية- حضور الأنبا إرميا نيابة عن بطريرك الأرثوذكس، وعدم حضور أي ممثل عن الطوائف الأخرى.


الدار تتصهين؟
وتساءل متابعون في هذا الإطار –إن استمر الانقلاب بشخوصه العكرة ومنظومته المتصهينة-: هل يمكن أن ننتظر في مؤتمرات تخص "الإفتاء" حضور أحد حاخامات اليهود؟، واستدلوا على ذلك بعد إعلان "دار الإفتاء" اليوم الخميس 31 ديسمبر إنشاء "مركز سلام لدراسات التطرف والإرهاب"، ويعطي اسمه دلالة واضحة على وظيفته، لاسيما بعد إعلان مستشار "الدار" ابراهيم نجم، أن "سلام" سيعمل على التشبيك مع مراكز الأبحاث والمنظمات العامة المهتمة بالتطرف حول العالم!
وخلال ديسمبر الجاري، أفصحت الدار عن إمكاناتها في الإطار السالف؛ فلدى قيامها بالرد ضمن فتوى تحريم "زواج المسلمة  من غير المسلم"، عرفت "دار الإفتاء"، الزواج بثلاثة تعريفات متتالية هروبا من سخرية وملاحقة "الميديا"؛ فظهرت كما لو أن من كتبها قريب من مجامع أهل الذمة؛ فتحدث في البيان الأول عن تعريف الزواج بأنه (أمر لاهوتي وسر مقدس)، وفي التعديل  الأول  تغير التعريف إلى (أمر إلهى وسر مقدس)، وفي التعديل الثاني  تعدل التعريف إلى  (أمر إلهى).

وكان لافتا في هذا السياق -في مؤتمر فندق الماسة- أن عنوانه العريض يقول إنه يأتي "حفاظا على الوحدة الوطنية ومحاربة التطرف الإسلامى، وإعمالا لتوجهات السيسي بتجديد الخطاب الدينى"، بحسب مستشارها الاعلامي.


تحريض على المسلمين
وفي سياق متصل، أثارت تصريحات شوقي علام -خلال نوفمبر وكررها في ديسمبر 2020- جدلا عاما، بعد ادعائه انضمام كثير من مسلمي أوروبا إلى تنظيم الدولة الإسلامية، ومهاجمته المراكز الإسلامية في أوروبا، وفي تصريحات تلفزيونية الجمعة الماضي، قال شوقي علام إن ما يقرب من 50% من الجيلين الثاني والثالث من المسلمين في أوروبا ينتمون إلى تنظيم الدولة، زاعما أن هذه النسبة توصلت إليها دراسة أجريت عام 2016.

وهو ما اعتبر مراقبون أنه يندرج في خدمة تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون الذي تحدث عما أسماه "الانفصالية الإسلامية".

ولفت مراقبون إلى كون "علام" تابع لعبدالفتاح السيسي، الذي سبق له خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، في فبراير 2019، دعوة القادة الأوروبيين لتشديد الرقابة على المساجد والشك في الخطاب الموجه لمسلمي أوروبا، وشاركه في تحريضه مسئولون إماراتيون، منهم محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي وشقيقه ألأصفر وزير الخارجية ووزير التسامح الإماراتي بطل فضيحة جنسية، وهو ما أعتبره المحللون تحريضا على مسلمي أوروبا، كما يغذي الإسلاموفوبيا ومنحها المبرر للهجوم على المساجد والمدارس والقيم الإسلامية كالحجاب.
وحذر الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ علي القره داغي مما قاله "علام" ووصفه "بالكلام السلطوي الصادر من جهة الإفتاء، والانحدار العلمي والأخلاقي، وأنه يفتقر إلى الدقة والموضوعية، وقبل كل شيء رقابة الله سبحانه وتعالى".


التجارب الكاشفة
ومن أبرز ما كشف تحول الإفتاء إلى "دارس شيوخ السلاطين" والفتاوى المعلبة، هو إباحته "التجارب السريرية"، التي تعرفها منظمة الصحة العالمية بـ"التقييم الفعلي لفَرْض طبي – دوائى أو جراحى- جديد"، ولكن مفهومها العملي في مصر هو تحول المصريين إلى فئران تجارب سواء علموا أم لم يعلموا.
وزعم علام أن إجراء التجارب الطبية على الإنسان لا يعدو ضررها أن يكون مُحَقَّقًا أو لا؛ فإن كان ضررها ثابتًا ويُشَكِّل خَطَرًا على حياة الإنسان أو على وظيفةِ عضوٍ من أعضائه؛ وذلك كالتجارب الدوائية التي تُجرَى لمعرفة آثار الدواء الجانبية السلبية، ومعرفة مدى الضرر المحتمل من استخدام بعض المواد الخطرة أو الفَتَّاكة، أو بعض السموم.

وأضاف "إذا كانت هذه التجارب لا ضرر فيها على الإنسان، أو فيها ضرر يُحْتَمَل بحيث لا يُشَكِّل خَطَرًا على حياة الإنسان أو على عضو من أعضائه؛ وذلك كالتجارب التي يتم اختبارها مُسَبَّقًا على غير الإنسان، وعُلِم أنَّه لا ضرر فيها إذا ما أجريت على الإنسان، مع أخذ كل التدابير لمنع الخطر في إجرائها عليه، كما في التجارب التي تُجرَى على الإنسان لمعرفة المزيد عن تفاصيل وظائف الأعضاء، أو الجرعات المناسبة وكميتها من دواء معين؛ فهذه التجارب جائزة شرعًا".

وقال "علام" إن إجراء هذه التجارب على بعض البشر للاستفادة من نتائجها في خدمة الإنسانية فيه إحياء للآخرين، ورعاية لمصالحهم الصحية.

مفتي الإعدامات
ويحظى شوقي علام بدعم مباشر من المفتي السابق علي جمعة، ويشكلان مع وزير أوقاف الانقلاب جبهة دينية تخدم الانقلاب العسكري منذ صيف 2013، فتوحدوا مع الفاسدين من العسكر في مهاجمة التيار الإسلامي وتمجيد قادة الجيش والأعمال العسكرية والأمنية، ولكن شوقي علام، مفتي الانقلاب الحالي يتحمل الوزر ـ ولا يننقص من أوزار  الآخرين شيئاـ  وبشكل مباشر أمام الله كل الدماء التي سالت على حبال مشنقة سجون السيسي باعتباره مفتي الإعدامات.
جبهة (علام –جمعة 1 ، 2) لها دور في مهاجمة المعسكر الذي يحاربه السيسي، لاسيما تركيا ورئيسها الطيب أردوغان، وصل بهم الحال إلى انتقاد إعادة أيا صوفيا مسجدا، بل وانتقاد فتح القسطنطينية والسلطان محمد الفاتح، وسرعان ما تراجعوا بعدما وجدوا أن الهوة كادت تهتك السترة.


تعيين السيسي
وفي مارس الماضي، نظم السيسي كعادته انقلابا في آلية اختيار مفتي الجمهورية ليضعه في النهاية في يده، بدلا من اختياره من قبل هيئة كبار العلماء في انتخاب حر مباشر، وهو ما كان من مكاسب ثورة 25 يناير.

وكان لافتًا أن كثيرا من المسئولين، سواء في دار الإفتاء أو الأزهر، رفضوا التعليق على هذا القانون لوسائل الإعلام.

وأنهى مشروع القانون الذي أقرته اللجنة الدينية بمجلس النواب، الطريقة التي اعتُمدت عام 2012 في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي، والتي تقضي بانتخاب المفتي من خلال اقتراع سري مباشر، يصوت فيه أعضاء هيئة كبار العلماء التي يترأسها شيخ الأزهر.

وهكذا أسس العميل الصهيوني عبد الفتاح السيسي لآلية مغايرة توقف سلطة هيئة كبار العلماء عند اختيار ثلاثة مرشحين للمنصب من داخل الهيئة أو من خارجها، ثم ترفع ترشيحاتها تلك إلى السيسي الذي منحه القانون سلطة مطلقة في الاختيار من بين المرشحين.


غير معتمدة
ولفت متابعون إلى أن غالب المصريين لا يثقون بفتاوى شيوخ السلاطين العاملين في دار الإفتاء، أو الأوقاف، أو حتى بعض الأزاهرة، ففي أغسطس الماضي، وعبر صفحتها الرسمية بموقع "فيسبوك"؛ استطلعت دار الإفتاء رأي المصريين في الجهة التي يلجئون إليها بحثا عن الفتوى، وخيّرتهم بين محرك البحث "جوجل" وموقع دار الإفتاء.

فكشف الاستطلاع عن أن نحو 70% من المشاركين يتجهون إلى جوجل للإجابة عن أسئلتهم الدينية وطلب الفتوى.

وأعتبر المراقبون أن أسباب فقدان الثقة في دار الإفتاء، هو "الفتاوى السياسية المعلبة".