قليلة هي المرات التي تحدث فيها الدكتور إبراهيم العريان نجل الدكتور عصام الدين حسين العريان، ولعل منها تلك المرة التي زاره فيها لأول مرة في نوفمبر 2013.
هذه المرة التي يبدو أن ابراهيم العريان أراد أن يكتب إراحة للقلوب الملتاعة من محبي الدكتور عصام العريان وأنه ادرك أن كتاباته الآن لن تسبب للعابد الزاهد إزعاجا، ربما لرغبته في العيش بصومعة الرضا، أو لتجنبه التفاتة –غير مقصودة من جانبه- ممن لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة.
تحدث عن أن الشهادة والقبض في موطن المرابطة كان مما تمناه الدكتور عصام العريان فقال: "الحمد لله على كرم ربنا لينا.. أبويا ان شاء الله درجته عالية ومقامه رفيع.. ربنا حقق له كل اللي بيتمناه ويرجوه.. كل اللي كان عايزه أبويا في حياته وعاش عشانه كان رضا ربنا عليه.. خواطره كانت في حتة تانية والله..".
وعن زاد السائرين إلى الله عز وجل أضاف أكبر أبنائه الذكور: "أوقاته كلها كانت ذكر وعبادة.. كان معاه سبحته اللي بعداد في كل مكان.. يسيب واحدة في العربية عشان وهو سايق وواحدة على المكتب وتلاقي في كل جاكت او بدلة سبحة صغيرة.. كان ممكن يقعد يدعي لساعات والله من غير زهق او تعب..في يوم عرفة من بعد العصر يجمعنا ويبدأ الدعاء لحد المغرب.. بأدعية جميلة جدا.. تحس ان مفيش حد بيدعيها غيره..كان يقولي يا واد مش عارف تقعد ربع ساعة عل بعضها تدعي ربك وتناجيه..".
وعن علاقاته بالسلف تحدث عن النووي والسكندري، فأشار إبراهيم عن أبيه إلى "كتاب الأذكار للنووي وغيره كان تقريبا مذاكره وحافظ الأدعية وكنت بلاقي خواطره وتعليقاته وتلوينه في الهوامش.. كنا كمان نلاقي الأدعية اللي تمس قلبه كاتبها في قصاصات صغيرة تحت زجاج المكتب.. ووالله ماكان حد بيدخل مزاجه ويعجبه إلا لما يكون متقدم خطوة لربنا أو ليه حال مخصوص مختلف.. لا كان بيفرق معاه فلوس ولا جاه ولا خلافه.. كان بيكون حريص جدا على صفاء روحه ونقاء قلبه بعيد عن الناس.. بيراجع نفسه دايما ويتهمها.. كان مشغول أوي بحكم بن عطاء الله السكندري وشروحاتها المختلفة وكان حافظها.. وكان بيحاول يحفظنا احنا كمان.."
مع أهله
أما عن موقع عائلته في خططه اليومية التي ألمح إلى أنها كانت مزدحمة للغاية فأوضح "كان كل ما يخرج من السجن يبقا صعبان عليه انه كان بعيد عننا.. كان نلاقيه كاتب بيفكر نفسه دايما بورقة صغيرة على المكتب "فاطمة والولاد" ولما كان بيحاول يعوضنا كان بيحاول ينظم لينا جلسة للعيلة.. يفسر لينا آية ونقرأ حديث من الأربعين النووية ويشرح لينا حكمة لابن عطاء ويخلينا نحفظها.. وكان بيبقى مبسوط جدا وواحد مننا بيقرأ بلغة عربية مكسرة شوية أو يقول خاطرة حلوة حتى لو مش متنظمة كويس.. ويضحك معانا بصوت عالي..".
وبعد مقطع لوصف ربانية والده واصل تأكيد حرص والده على أبنائه "لا يمكن ننسى حرصه علينا وعلى نفسيتنا وهو مسجون.. عمره في حياته ما اشتكى لينا من السجن أو التضييق عليه مع انه اتسجن كتييير.. مكنش كمان بيقعد يوعظنا بكلام كبير زي " اصبروا.. دي ضريبة نضالنا ".. ولا كان بيشتم في حد.. كان يدخل علينا في الزيارة يضحك ويطمنا وهو اللي يسألنا عاملين ايه؟ ونبص لعيون بعض وكله بيتفهم..".
وأضاف "ومرة حد من اخواتي البنات كان بيعيط في النيابة.. قالنا يا ولاد " الغـافـل إذا أصبح يـنـظـر مـاذا يـفـعـل والـعـاقـل يـنـظـر مـاذا يـفـعـل الله به".
وبدا أن الربانية ولا شئ غيرها كانت سلاح السياسي النابه عصام العريان ففي غير مكان تحدث عنها ابنه إبراهيم فقال مجددا عن والده "كان حافظا للقرآن وبيختمه في الصلاة.. كان واحد صاحبنا بيتابع معاه صلاة الفجر بيشوف وصل لفين وهيختم امتى.. ولما يلاقيه متأخر.. يهزر معايا ويقولي.. قول لأبوك يشد حيله شوية..كان بيدخل للصلاة في الجامع مع الآذان.. مهما كان مشغول ولو في الطريق يوقف العربية وننزل نصلي.. برنامج اليوم وتنظيمه كان بيعتمد على أوقات الصلاة.. دي كانت حياته كلها مش رمضان مثلا ولا أوقات معينة من السنة..".
حياة بسيطة
ويصف "إبراهيم" والده فيقول "حياته كانت بسيطة خالص حبيبي.. كان سايب لأمي تقريبا أغلب أمورنا الحياتية والمنزلية.. طلباته في البيت بسيطة خالص.. سهل تدخل عليه وتسأله.. سهل تطلب منه.. تحب جدا تاخد رأيه.. المشاوير معاه كانت لطيفة.. نحب نتجمع عليه ومعاه آخر اليوم ونحكي ونهزر.. ويقوم يسيبنا عشان ينام بدري عشان صلاة الفجر..دايما فخورين بيك حبيبي في حياتك واستشهادك..كان كلامنا كله وأمنياتنا بيننا وفي جروب العيلة عن اننا هنتجمع تاني ونهزر ونضحك ونحاول نخفف عنك اللي حصل ونرد ليك شوية من اللي في رقبتنا..".
مشهد الدفن
وعن آخر سنوات عاشها الدكتور عصام العريان قال: "كان صعبان علينا أوي اللي بيحصلك من حثالات الخلق.. الناس رديئة المقام.. وساخات النفوس وقذارتها.. بنطلب منهم يحققوا آخر وصيتك في دفنك ومراسم عزاك.."
وعن مشهد الدفن قال "وصعبان علينا الظابط الشيك اللطيف اللي كان زعلان وبيتنحنح واحنا في المقابر بندعي على الظلمة اللي قتلوك.. أيوة صحيح.. مفيش دعاء هيطلع فوق غير من بعد إذنك ياباشا.. مبسوطين والله مبسوطين بمقامك وقدرك حبيبي..وعارفيين انك كمان مبسوط وفرحان.. " فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " متأكد يا أبويا انك هتشفعلي يوم القيامة عشان أعرف أكون معاك.. معادنا ان شاء الله حبيبي جنات الخلد.. "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ".