لفضيلة الداعية الإسلامي الشيخ/ علي متولي علي

ومضيتَ يا رمضان، ودَّعناك.. ولم تمضِ دروسُك وعبرُك وعطاياك، ودَّعناك.. ولن نودِّع فضائلَك وقيمَك الخَيِّرة، بل ستبقى فينا من رمضان إلى رمضانَ ليصير العام كله رمضان.. بقرآنه، بقيامه، بصيامه، بطُهره، ببره، ووده، وصلاته، ورحماته، وزكواته، بأشواق الروح، واطمئنان النفس ورضا القلب بالقناعة والزهادة، بالخوف والرجاء، ودعناك يا شهر الإيمان، ونور القرآن، والعهد معك يا رمضان أن نصحبك طول العام.

 

هل تقربنا من درس من دروسك نتأمله ونتعاهد عليه لعله يُحدث فينا أمرًا؟! وهو درس العزة، وما أحوجَنا إليها في هذا الزمن الذي كدنا أن نُمحَى فيه من صفحاتِ التاريخ، فأصبحنا همَلاً بين الأمم وغثاءً كغثاء السيل؟! وأنت قد علَّمتنا معنى الحياة وغرست فينا بذور العز، ونبل الكرامة، يا شهر الصيام، أوَلَمْ توقفْنا على باب العزيزِ الكريمِ فعوَّدتنا أن نخضعَ لجلاله ونسمعَ له ونطيعَ، وفي امتثال أوامره والانخراط في عبوديته تمامُ العزة والكرامة، فمن خضع لجلاله لا يمكن أن يخضع لسواه، ومن أطاعه أعزه، ومن تسامَى على معصيته لا يمكن أن تستذله شهوة، ولا تخضعه رغبة أو رهبة، فقد ذاق لذة القرب منه، واتبع هداه وأحب رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: 123، 124).

 

لقد هيَّجت أشواقنا إلى الجنة، فهوَّنت علينا الدنيا، وأصبحنا نشتاق إلى الشهادة، والأمة التي تحب صناعة الموت لا يمكن أن تهزمها قُوى الجبابرة والمستكبرين..

ومما زادني شرفًا وتيهًا                   وكدت بأخمصي أطأ الثريَّا

دخولي تحت قولك يا عبادي               وأن صيَّرت أحمد لي نبيًّا

 

أوَلم تقرأْ علينا في قرآنك أو نقرأ عليك في تنزيلك ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8) ثم أوَلَمْ  تكتشف فينا القدرةَ على التكافل الاجتماعي، ووحدة الصف والمسارعة إلى الخير، ومواساة الفقير، وعون المحتاج، فسرنا في طريق إدراك الذات وقدرات الأمة، في ظلال ما عوَّدتنا، وحبَّبت إلينا من الاستغناء بالخير عن الغير، كخطوة فاعلة في استقلالية الأمة، وفيها من الخير ما يجعلها أرقى الأمم، بالحب والتضامن والعلم، واستغلال ثرواتنا لأنفسنا، وإباء الضيم والذل، واستغلال لصوص البشرية لنا، ونهب خيراتنا والتحكُّم في مصائرنا، وزرع الشقاق بيننا لإضعافنا وإذلالنا.

 

أوَلَمْ توفقْنا إلى فرضية الزكاة- والفدية- وصلة الرحم على ما نهض به مجتمع رمضان الأول.. "كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، إذا نزل عليه جبريل، وكان جبريل ينزل عليه ليدارسه القرآن، فلرسول الله- صلى الله عليه وسلم- حينئذ أجود بالخير من الريح المرسلة" وسمعنا فيك صيحة الكرم السخي من أفضل رسول ونبي- صلى الله عليه وسلم-: "أنفق بلالاً ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً" ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: من الآية 7).

 

تُرى لو أن أمة رمضان حقَّقت مطلوباتها وأوامر قرآنها ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (الحديد: من الآية 10) أكانت تكون في مذلة الفقر أو السرف، والاستئثار بخير الله، وإلقاء  النفس في مذلة الخنوع للعدو وتملقه وهو الوضيع، وإيداع الأموال عنده وهو الخئون، وموالاته دون المؤمنين والشعوب وهو الغادر الكافر؟!
أعد علينا يا رمضان قرآنَ التراويح والتهجد والاعتكاف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ (الممتحنة: من الآية 1) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: 51) أوَلَيس ﴿الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: من الآية 71) لن ننساك يا رمضان، فما جنيناه فيك من خير جعل وداعك عيدًا للصائمين القائمين، الفاقهين لعِبَرِك وعظاتك.. يوم جئتنا زرعت فينا العزة، يوم تلوت علينا في قرآن رمضان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)، نعم.. نحن الذين على الحق الذي لم يعد هناك حقٌّ على وجه الأرض جاءنا والذين من قبلنا من عند الله إلا ما نحن عليه، لم يستحفظ عليه أحد كما استحفظ السابقون على وحي السماء، فغيَّروا وحرَّفوا وبدَّلوا؛ إذ تكفل الله بحفظ وحي الحق عنا ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).

 

نحن إذا المرجعية للحق والوحي للبشرية الآن، فعلينا أن نستشعر هذه المسئولية، وأن نضع أنفسنا في دائرة الاستحقاق لأمانة وحي السماء، لن تستطيع أن تحمل هذه المسئولية أيدٍ مرتعشةٌ، وعزائم خائرة، ونفوس عميلة ووضعية وشهوات مهتاجة، وأمة مفككة، وعقيدة شائهة، وشريعة معطلة، وجماعة متلاشية، وإلا فلسنا نحن أمة رمضان ولا حراس القرآن.

 

لكنك علمتنا معنى الحياة في ظلال القرآن، ويقين الإيمان ودعم السماء في بدر والفتح وحطين وجالوت، بل وعاشر رمضان يوم هتفنا بتلقائية (الله أكبر) فما بالك لو تربينا تربيةَ ابني عفراء ومحمد الفاتح ورهبان الليل فرسان النهار في عهود التربية على منهج القرآن وقوانين الصيام والرجولة والعفاف.

 

أتتنى في سكون الليل أطيافٌ لماضينا        وراحت تنثر الأشواق والذكر أفانينا

أما كنا بجوف الليل رهبانًا مصلينا           وفرسانًا إذا ما قد دعا للموت داعينا

فمَن للأمة الغرقى إذا كنا الغريقينا           ومَن للغاية العظمى إذا ضمرت أمانينا

ومن للحق يجلوه                            إذا كلت أيادينا

من رمضان خرجنا، وبه وعلى عهده سنبقى، وبه وبعِيده سنفرح ونحتفل، وأمة الإسلام بخير وهي تقيم أحفالها ومهرجاناتها في العيدين والجُمَع والجماعات والحج والعمرة وتراويح رمضان وليلة القدر والاعتكاف ومهرجانات الإفطارات الجماعية، ثم هذه الإضافات التي يصنعها لنا أعداء الإسلام بمحاولات تافهة وساقطة في إيقاظ الغيرة وإثارة كوامن الحب في جحافل هذه الأمة على شتى المستويات، فجزى الله أعداء الإسلام شرًّا.

 

أيها المسلمون.. أهل رمضان والعيد، هذا عيد سعيد، تذكَّروا فيه جهادَ إخوانكم في رحاب الأقصى، وفي العراق وأفغانستان وفي كل مكان، وندعو لهم من أعماق قلوبنا ونتذكر مآسيهم فنواسي مصابهم، ونضمد جراحهم وننصر بكل الإمكانات جهادهم.

 

اليوم عيد، نصل فيه الأرحام، ونحسن الجوار، ونصلح ذات البين، ونزيل المشاحنات والمخاصمات، ونتعانق بالقلوب، ونتصافح بأيدي الصدق "إذا التقى المسلمان فتصافحا وُزِّعت بينهما سبعون مغفرة، تسع وستون منها لأكثرهما بشاشةًَ وواحدةٌ للآخر".

 

تحية العيد: (تقبل الله منا ومنكم).