من تراث الشهيد سيد قطب
-----------

(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) (الأعراف)

إن السياق القرآني هنا لا يروي حادثة، إنما يكشف عن سنة. ولا يعرض سيرة قوم إنما يعلن عن خطوات قدر.. ومن ثم يتكشف أن هناك ناموسا تجري عليه الأمور وتتم وفقه الأحداث ويتحرك به تاريخ " الإنسان " في هذه الأرض. وأن الرسالة ذاتها - على عظم قدرها - هي وسيلة من وسائل تحقيق الناموس - وهو أكبر من الرسالة وأشمل - وأن الأمور لا تمضي جزافا وأن الإنسان لا يقوم وحده في هذه الأرض - كما يزعم الملحدون بالله في هذا الزمان! - وأن كل ما يقع في هذا الكون إنما يقع عن تدبير، ويصدر عن حكمة، ويتجه إلى غاية. وأن هنالك في النهاية سنة ماضية وفق المشيئة الطليقة التي وضعت السنة، وارتضت الناموس..

ووفقا لسنة الله الجارية وفق مشيئته الطليقة كان من أمر تلك القرى ما كان، مما حكاه السياق. ويكون من أمر غيرها ما يكون! إن إرادة الإنسان وحركته - في التصور الإسلامي - عامل مهم في حركة تاريخه وفي تفسير هذا التاريخ أيضا.

ولكن إرادة الإنسان وحركته إنما يقعان في إطار من مشيئة الله الطليقة وقدره الفاعل.. والله بكل شيء محيط..

وإرادة الإنسان وحركته - في إطار المشيئة الطليقة والقدر الفاعل - يتعاملان مع الوجود كله ويتأثران ويؤثران في هذا الوجود أيضا.. فهناك زحمة من العوامل والعوالم المحركة للتاريخ الإنساني وهناك سعة وعمق في مجال هذه الحركة مما يبدو إلى جانبه " التفسير الاقتصادي للتاريخ " ، و " التفسير البيولوجي للتاريخ " ، و " التفسير الجغرافي للتاريخ " ... بقعا صغيرة في الرقعة الكبيرة. وعبثا صغيرا من عبث الإنسان الصغير! .

وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ..

فليس للعبث - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - يأخذ الله عباده بالشدة في أنفسهم وأبدانهم وأرزاقهم وأموالهم. وليس لإرواء غلة ولا شفاء إحنة - كما كانت أساطير الوثنيات تقول عن آلهتها العابثة الحاقدة ! إنما يأخذ الله المكذبين برسله بالبأساء والضراء، لأن من طبيعة الابتلاء بالشدة أن يوقظ الفطرة التي ما يزال فيها خير يرجى وأن يرقق القلوب التي طال عليها الأمد متى كانت فيها بقية وأن يتجه بالبشر الضعاف إلى خالقهم القهار يتضرعون إليه ويطلبون رحمته وعفوه ويعلنون بهذا التضرع عن عبوديتهم له - [ ص: 1337 ] والعبودية لله غاية الوجود الإنساني - وما بالله سبحانه من حاجة إلى تضرع العباد وإعلان العبودية: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ..

ولو اجتمع الإنس والجن - على قلب رجل واحد - على طاعة الله ما زاد هذا في ملكه شيئا. ولو اجتمع الإنس والجن - على قلب رجل واحد - على معصيته - سبحانه - ما نقصوا في ملكه شيئا (كما جاء في الحديث القدسي) ..

ولكن تضرع العباد وإعلان عبوديتهم لله إنما يصلحهم هم ويصلح حياتهم ومعاشهم كذلك.. فمتى أعلن الناس عبوديتهم لله تحرروا من العبودية لسواه.. تحرروا من العبودية للشيطان الذي يريد ليغويهم - كما جاء في أوائل السورة - وتحرروا من شهواتهم وأهوائهم. وتحرروا من العبودية للعبيد من أمثالهم واستحيوا أن يتبعوا خطوات الشيطان واستحيوا أن يغضبوا الله بعمل أو نية وهم يتجهون إليه في الشدة ويتضرعون، واستقاموا على الطريقة التي تحررهم وتطهرهم وتزكيهم، وترفعهم من العبودية للهوى والعبودية للعبيد! لذلك اقتضت مشيئة الله أن يأخذ أهل كل قرية يرسل إليها نبيا فتكذبه، بالبأساء في أنفسهم وأرواحهم، وبالضراء في أبدانهم وأموالهم استحياء لقلوبهم بالألم. والألم خير مهذب، وخير مفجر لينابيع الخير المستكنة، وخير مرهف للحساسية في الضمائر الحية، وخير موجه إلى ظلال الرحمة التي تنسم على الضعاف المكروبين نسمات الراحة والعافية في ساعات العسرة والضيق.. لعلهم يضرعون ..

ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ..

فإذا الرخاء مكان الشدة، واليسر مكان العسر، والنعمة مكان الشظف، والعافية مكان الضر، والذرية مكان العقر، والكثرة مكان القلة، والأمن مكان الخوف. وإذا هو متاع ورخاء، وهينة ونعماء، وكثرة وامتلاء.. وإنما هو في الحقيقة اختبار وابتلاء..

والابتلاء بالشدة قد يصبر عليه الكثيرون، ويحتمل مشقاته الكثيرون. فالشدة تستثير عناصر المقاومة وقد تذكر صاحبها بالله - إن كان فيه خير - فيتجه إليه ويتضرع بين يديه، ويجد في ظله طمأنينة، وفي رحابه فسحة، وفي فرجه أملا، وفي وعده بشرى.. فأما الابتلاء بالرخاء فالذين يصبرون عليه قليلون. فالرخاء ينسي، والمتاع يلهي، والثراء يطغي. فلا يصبر عليه إلا الأقلون من عباد الله.

ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا، وقالوا: قد مس آباءنا الضراء والسراء ..

أي حتى كثروا وانتشروا، واستسهلوا العيش ، واستيسروا الحياة ، ولم يعودوا يجدون في أنفسهم تحرجا من شيء يعملونه، ولا تخوفا من أمر يصنعونه.. والتعبير: " عفوا " - إلى جانب دلالته على الكثرة - يوحي بحالة نفسية خاصة: حالة قلة المبالاة. حالة الاستخفاف والاستهتار. حالة استسهال كل أمر، واتباع عفو الخاطر في الشعور والسلوك سواء.. وهي حالة مشاهدة في أهل الرخاء واليسار والنعمة، حين يطول بهم العهد في اليسار والنعمة والرخاء - أفرادا وأمما - كأن حساسية نفوسهم قد ترهلت فلم تعد تحفل شيئا، أو تحسب حسابا لشيء. فهم ينفقون في يسر ويلتذون في يسر، ويلهون في يسر، ويبطشون كذلك في استهتار! ويقترفون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان ويرتعش لها الوجدان، في يسر واطمئنان! وهم لا يتقون غضب الله، ولا لوم الناس، فكل شيء يصدر منهم عفوا بلا تحرج ولا مبالاة. وهم لا يفطنون لسنة الله في الكون، ولا يتدبرون اختباراته وابتلاءاته للناس. ومن ثم يحسبونها تمضي هكذا جزافا، بلا سبب معلوم، وبلا قصد مرسوم:

وقالوا: قد مس آباءنا الضراء والسراء .. [ ص: 1338 ] وقد أخذنا دورنا في الضراء وجاء دورنا في السراء! وها هي ذي ماضية بلا عاقبة، فهي تمضي هكذا خبط عشواء! عندئذ.. وفي ساعة الغفلة السادرة، وثمرة النسيان واللهو والطغيان، تجيء العاقبة وفق السنة الجارية:

فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ..

جزاء بما نسوا واغتروا وبعدوا عن الله وأطلقوا لشهواتهم العنان، فما عادوا يتحرجون من فعل، وما عادت التقوى تخطر لهم ببال! هكذا تمضي سنة الله أبدا. وفق مشيئته في عباده. وهكذا يتحرك التاريخ الإنساني بإرادة الإنسان وعمله - في إطار سنة الله ومشيئته - وها هو ذا القرآن الكريم يكشف للناس عن السنة ويحذرهم الفتنة.. فتنة الاختبار والابتلاء بالضراء والسراء.. وينبه فيهم دواعي الحرص واليقظة، واتقاء العاقبة التي لا تتخلف، جزاء وفاقا على اتجاههم وكسبهم. فمن لم يتيقظ، ومن لم يتحرج، ومن لم يتق، فهو الذي يظلم نفسه، ويعرضها لبأس الله الذي لا يرد. ولن تظلم نفس شيئا.