التأمل في الجذر اللغوي "ف س د" وما استُقي منه من أفعال وتصريفات يُنبِئُنا أنَّ الفعل "فسد" وتصريفاته قليلُ الاستخدام في القرآن، وأنَّ الفعل "أفسد" وتصريفاته هو الأكثر شيوعًا، وقد تحدث القرآن عن الفساد والإفساد في 45 آيةً وردت في 21 سورةً، وقد سبق لنا تناول 7 من تلك الآيات لدى حديثنا عن الإصلاح.

ولأنه يصعُب علينا أن نقسِّم ما ورد عن الإفساد والفساد والمفسدين إلى فعلٍ فرديٍّ وثنائيٍّ وجماعيٍّ- كما فعلنا في الإصلاح- فسوف نستعرض الآياتِ مقسَّمةً على سورها:

آيات سورة البقرة

وردت في سورة البقرة 8 آيات حول الفساد والإفساد كالتالي:

- الآية 11 والآية 12: ﴿وَإِذَا قِيْلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِيْ الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة) والآية الأولى منهما سبق تناولها لدى الحديث حول المصلحين، والآية الثانية هي تأكيدٌ من الله سبحانه وتعالى بأن المنافقين هم المفسدون ولكن لا يشعرون، والآيتان كما نرى هما أحد اتجاهات جسر العلاقات بين المُفسدين والمُصلحين، وهو ما سنتناوله في نهاية موضوعنا.

- الآية 27: ﴿الَّذِيْنَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيْثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوْصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِيْ الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرونَ﴾ (البقرة) والآية تضع خصائص وصفات صنف من الناس سماهم رب العزة بـ"الفاسقين"، وعدد من صفاتهم أنهم: يفسدون في الأرض، ثم حكم على هذا الصنف بالخسران.

- الآية 30: ﴿وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّيْ جَاعِلٌ فِيْ الأَرْضِ خَلِيْفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيْهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ والآية جاءت في سياق قصة خلق آدم، ووصف الله له ولمهمته ومهمة بنيه من بعده في الأرض بالخلافة، وسؤال الملائكة لله ﴿أَتَجْعَلُ فِيْهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وهو حالٌ ينطبق على المفسدين في الأرض من بني آدم، بما يشير إلى أن مقتضيات الخلافة الإنسانية هي عكس ذلك.

- الآية 60: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلاَ تَعْثَوا فِيْ الأَرْضِ مُفْسِدِيْنَ﴾ والآية جاءت في سياق الحديث عن بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر مع نبي الله موسى، وفي سياق ذلك جاء الأمر الإلهي بالكفِّ عن أن يعثوا في الأرض مفسدين، وهو أمرٌ إلهيٌّ لجميع المؤمنين.

- الآية 205: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِيْ الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيْهَا وَيَهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ والآية جاءت في وصف صنف من المنافقين "يعجبك قوله وهو ألد الخصام وإذا قيل له اتقِ الله أخذته العزة بالإثم" والآية تفضح أفعال المنافقين وكذبهم، وسعيهم للإفساد وإهلاك الحرث والنسل في سبيل تحقيق مصالحهم ورغبات أنفسهم.

- الآية 251: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِيْنَ﴾ والآية عنوانٌ على منهج تدافعي رباني على جسر العلاقة بين المفسدين والمصلحين، وسيأتي الحديث تفصيلاً عن هذا المنهج في نهاية الورقة، والجدير بالذكر هنا أن تلك القاعدة وذلك المنهج جاء ذكره تعقيبًا على ما نشب بين طالوت وجنوده والذين ندبوا لقتال الطاغية الباغي جالوت وجنوده والذين أخرجهم من ديارهم وأبنائهم.

آيات آل عمران والمائدة

- الآية 63 من سورة آل عمران: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّ اللهَ عَلِيْمٌ بِالْمُفْسِدِيْنَ﴾ جاءت في سياق حديث القرآن عن حقيقة عيسى عليه السلام، والحوار الذي يدعو القرآن نبيَّه أن يسلكه مع مَن يدَّعون في عيسى غيرَ ذلك، ثم كان التعقيب بتلك الآية والتي تُنذر المفسدين من أهل الكتاب بأنَّ الله عليمٌ بهم وبأفعالهم.

- الآية 32 من سورة المائدة: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيْلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِيْ الأَرْضِ فِكَأنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيْعًا﴾ والآية جاءت تعقيبًا على حكايةِ أول جريمة قَتْل عرفتْها البشرية، ومن ثمَّ تضع تلك القاعدة وتضع الآية التالية لها معنى وجزاءً تفصيليَّا لمعنى الفساد أو الإفساد في الأرض.

- الآية 33 من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِيْنَ يُحَارِبُوْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فَي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصّلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيْهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوا مِنَ الأَرْضِ﴾ والآية تضع ما يُعرف فقهيًّا بحد الحرابة، والحرابة أو الفساد في الأرض المعني هنا هو ما عُرِف في الواقع والتاريخ البشري بقطع الطريق أو القرصنة، وما يجري نحوها من السرقة أو الاغتصاب وأعمال العدوان الأخرى تحت تهديد السلاح.

- الآية 64 سورة المائدة: ﴿كُل‍َّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أِطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِيْنَ﴾ والآية تتحدث عن صنفٍ من بني إسرائيل وأفعالهم، وأنهم يسعَون دائمًا لإشعال الحروب ويسعَون في الأرض فسادًا، وتلك الآية والآيتان السابقتان عليها ترسيان مبادئ السلم الإنساني وتجرِّم العدوان الفردي على أي نفس إنسانية؛ باعتباره عدوانًا على الجنس البشري كله، كما تجرِّم أعمال العدوان العصابية وتضع حدًّا عقابيًّا مفصلاً لها، كما تُجرِّم الآية السعي لإشعال الحروب بين الناس.

آيات الأعراف والأنفال

- الآيتان 56 و85 من سورة الأعراف: وقد ورد الحديث عنهما سابقًا.

- الآية 74 من سورة الأعراف: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلاَ تَعْثَوا فِيْ الأَرْضِ مُفْسِدِيْنَ﴾ وقد وردت الآية في سياق دعوة نبي الله صالح لقومه من ثمود، مذكِّرًا إياهم بنعم الله عليهم، وآمرًا لهم بألا يعيثوا في الأرض مفسدين؛ لعلمه بأن منهم تسعةَ رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون.

- الآية 86 من سورة الأعراف: ﴿وَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِيْنَ﴾ والآية جاءت في سياق دعوة نبي الله شعيب لقومه وتذكيره إياهم بعاقبة المفسدين من الأمم السابقة.

- الآية 103 من سورة الأعراف: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِيْنَ﴾ والآية تأتي في سياق تعقيب رباني في عدد من الآيات على أحوال أهل القرى مع أنبيائهم، ويضيف سبحانه تنويهًا بفرعون وحاله مع نبي الله موسى، وداعيًا إلى التأمل في أحوال المفسدين جميعًا وعاقبتهم بالهلاك، وهو ما يذكِّرنا بآية سورة هود والتي تتحدث عن أن الإصلاح هو سبيل نجاة القرى (المجتمعات) من الهلاك، بينما هنا الإفساد هو طريقهم إلى هذا الهلاك.

- الآية 127 من سورة الأعراف:﴿أَتَذَرُ مُوْسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِيْ الأَرْضِ﴾ والآية هي من حديث قوم فرعون له؛ تحريضًا له على البطش بموسى وقومه؛ بدعوى إفسادهم في الأرض، وهكذا دور الحاشية والملأ في بلاط الطغاة تقربًا منهم، وهكذا تهمة المفسدين للمصلحين "رمتني بدائها وانسلت".

- الآية 142 من سورة الأعراف: وقد سبق الحديث عنها.

- الآية 73 من سورة الأنفال: ﴿إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيْرٌ﴾ وقد جاءت الآية تعقيبًا على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِيْنَ كَفَروا بَعْضُهُم أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ومن ثم فهي تشير إلى أهمية الموالاة بين المؤمنين في الإصلاح ومقاومة الفساد وتحذِّرهم بأنهم إن لم يفعلوا ﴿تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيْرٌ﴾، ومن ثمَّ فهي جزءٌ من منهج قرآني "للتدافع" بين المفسدين والمصلحين يجيء الحديث عنه تفصيلاً في ختامِ الورقة، وقد نوَّهنا عنه لدى الحديث عن صيغة الجمع "أصلحوا" و"مصلحين".

آيات سور يونس وهود ويوسف

- الآية 40 من سورة يونس: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهِ وَ‍رَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِيْنَ﴾ والآية جاءت في سياق حديث طويل عن علاقة المشركين بالقرآن وتكذيبهم به، وتُنبِّئُنا بأن من أهل مكة مَن يؤمن به ومَن لا يؤمن، واصفةً الأخير بأنه من المفسدين الذين يعلمهم الله.

- الآية 81 من سورة يونس: ﴿إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِيْنَ﴾ والآية جاءت حكايةً على لسان موسى لسحرة فرعون الذين جاءوا لنصرته، منبِّئًا إياهم بأن ما جاءوا به سِحرٌ باطلٌ سيبطل الله عمله؛ لأنَّ الله لا يصلح عمل المفسدين، فهو سبحانه يخلع عن المفسدين توفيقَه ولا يحيل عملهم الفاسد عملاً صالحًا.

- الآية 91 من سورة يونس: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِيْنَ﴾ وقد جاءت الآية تعقيبًا من رب العزة على قول فرعون حال غرقه في اليم: ﴿آمَنْتُ بِالَّذِيْ آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيْلَ﴾، رادًّا عليه قوله بأنه ما قال ذلك إلا محاولةً للنجاة من الغرق بعد أن عاش حياته وهو من المفسدين في الأرض بطغيانه على قومه وادعائه الربوبية عليهم.

- الآية 85 من سورة هود: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ وقد جاءت الآية تحكي عن دعوة نبي الله شعيب لقومه، ناهيًا إياهم عن بخس الناس أشياءَهم وهو جزءٌ من عثوّهم في الأرض فسادًا.

- الآية 116 من سورة هود: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ والآية تأتي تعقيبًا على ما جاء في قصص الأنبياء من تدافُع بين الرسل ومن آمن بهم وبين المفسدين من قومهم، وتنعى على أهل القرى التي أُهلكت بأنه لو كان فيهم مَن ينهاهم عن فسادهم في الأرض لنجَوا من الهلاك، وأن القليل الذي فعل منهم هو الذي نجا، وأن ما منع هؤلاء الظالمين من التوقف عن الفساد هو استغراقُهم الظالم في ترفهم وإجرامهم بما تنعموا به.

- الآية 73 من سورة يوسف: ﴿قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرضِ وِمِا كنَّا سَارِقين﴾، والآية جاءت حكايةً على لسان إخوة يوسف حال دفاعهم عن أنفسهم لدفع تهمة السرقة عنهم، معتبرين أنها فعلٌ من أفعال الإفساد في الأرض، وهو ما يؤكد أن كل فعل فيه تعدٍّ على الناس أو حقوقهم فهو فعل من أفعال الإفساد في الأرض.

آيات الرعد والنحل والإسراء والكهف

- الآية 25 من سورة الرعد: ﴿وَالَّذِيْنَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيْثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوْصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِيْ الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعنةُ ولهم سوءُ الدار﴾ والآية تتحدث عن بعض أفعال الإفساد في الأرض كنماذج وأمثلة: نقض عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون أرحامهم التي أمر الله بوصلها، ويتوعد مَن يفعل ذلك أو يُفسد في الأرض بأي فعل آخر باللعنة وسوء الدار في الآخرة.

- الآية 88 من سورة النحل: ﴿الَّذِيْنَ كَفَروا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيْلِ اللهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانوا يُفْسِدُون﴾، والآية تتوعد الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله بزيادة عذابهم يوم القيامة مضاعَفًا "بما كانوا يفسدون" إضافةً لكفرهم وصدهم.

- الآية 4 من سورة الإسراء: ﴿وَقَضَيْنَا إلَى بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرضِ مرتَيْنِ ولتَعلُنَّ عُلُوًّا كبيرًا﴾ والآية هنا تتحدث عن وحي الله لبني إسرائيل في كتابهم بأنهم سيفسدون في الأرض ويعلون علوًّا كبيرًا، والعلوُّ هنا ليس علوَّ التكريم، لكنه علوُّ الإفساد كعلوِّ فرعون ﴿وَإنَّ فِرْعَونَ لَعَالٍ فِي الأرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِيْنَ﴾ ويتحدث بعد ذلك عن جزاء الله لهم على إفسادهم وعلوِّهم فيه.

- الآية 94 من سورة الكهف: ﴿قَالُوا يَا ذَا القَرْنَيْنِ إنَّ يأْجُوجَ وَمَأْجُوْجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُم سدًّا﴾ والآية وردت في معرض سرد قصة ذي القرنين وقدومه على قوم لا يكادون يفقهون قولاً، ومع ذلك فقد طلبوا منه أن يجعل بينهم وبين المفسدين (بالنهب والبغي) سدًّا، وهو أيضًا جزءٌ من منهج التعامل مع المفسدين.

آيات الشعراء والنمل والقصص والعنكبوت

- الآية 152 من سورة الشعراء: وقد ورد الحديث عنها سابقًا.

- الآية 183 من سورة الشعراء: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ وهذه الآية سبق الحديث عن مثلها في الآية 85 من سورة هود، وتكرار الآية تحذيرٌ من الله في صيغة الأمر لقوم شعيب؛ حتى لا نفعل فعلَهم ببخس الناس أشياءَهم وأن نعثوَ في الأرض "مفسدين" فنكون مثلهم.

- الآية 14 من سورة النمل: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِيْنَ﴾ والآية ورد الحديث عن مثلها في الآية 86، والآية 103 من سورة الأعراف، والتكرار هنا بغرض التحذير؛ لأن أمة محمد ليست معصومةً من مسلك الإفساد، فبعض أفرادها قد يفسدون أحيانًا، وقد تطول بهم عهود أفعال الإفساد فليحذروا من أن يتسموا بسمة "المفسدين" فتكونَ عاقبتُهم كعاقبة من سبقهم.

- الآية 34 من سورة النمل: ﴿قَالَتْ إِنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قريةً أفْسَدُوها وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أَذِلَّةً﴾ والآية حكاية على لسان بلقيس ملكة سبأ لمَّا جاءها كتاب نبي الله سليمان عليه السلام، وهي تخبرنا بقاعدة تعلمتها من خبرات الحياة، بأن الملوك إذا دخلوا قريةً فاتحين أفسدوها (أي خربوها)، ومن هنا يجب أن يختلف فتح المؤمنين عن فتح الملوك المتجبرين المفسدين.

- الآية 48 من سورة النمل: سبق الحديث عنها.

- الآية 4 من سورة القصص: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرضِ وِجِعلِ أهلَها شِيَعًا يَستضعِفُ طائفةً منهم يُذَبِّحُ أبْنَاءَهُم وَيَسْتَحْيِيْ نساءَهم إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِيْنَ﴾ والآية تتحدث عن المفسدين عندما يَحكمون، كيف يفعلون بشعوبهم؟ يعلون في الأرض استكبارًا، ويجعلون شعوبهم شِيَعًا متفرقةً متباغضةً، يستضعفون منهم مَن يريدون، ويعيثون في حياتهم فسادًا كما يحلو لهم، والآيتان التاليتان من نفس السورة تضع لنا الأهداف الربانية للتدافع بين المصلحين والمفسدين، وهو ما سيأتي الحديث عنه في ختام الورقة.

- الآية 77 من سورة القصص: ﴿وَابْتَغِ فِيْمَا آتَاكَ اللهُ الدارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيْبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأرضِ إنَّ اللهَ لا يحبُّ المفسدين﴾ والآية جاءت في سياق نصيحة قوم قارون له، بألا يفرح وينتشي انتشاء الطاووس، وأن يجعل وجهةَ ماله واستثماره بما يخدم آخرته، ولا ينسى نصيبه من الدنيا، وأن يُحسن فيما يفعل كما أحسن الله إليه، ولا يبغي بماله الفساد في الأرض بممالأة فرعون وهامان وجنودهما وبغيره، لكنَّ عمَى وصمَم المتكبرين أصابه، فسار في غَيِّه لا يرى أمامه، وأصمَّ أذنيه عن النصح، والآية تعلِّمنا دور المترفين المتكبرين في خدمة الإفساد والمفسدين، كما تُعلِّمنا جزءًا آخر في منهج التدافع وهو "النصيحة" كما يأتي الحديث عنه لاحقًا.

- الآية 83 من سورة القصص: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها للذين لا يُريدُون عُلُوًّا في الأرضِ ولا فَسَادًا والعاقبةُ لِلْمُتَّقِيْنَ﴾ والآية هي تعقيبٌ ربانيٌّ على قصة قارون مع قومه، منبئةً لنا بالجزاء الأخروي بـ"جعل الدار الآخرة" لمن لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا من المتقين "المصلحين".

- الآية 30 من سورة العنكبوت: ﴿قَالَ ر‍َبِّ انْصُرنِي عَلَى القَوْمِ الْمُفْسِدِيْنَ﴾، والآية جاءت حكايةً على لسان نبي الله لوط في دعائه لرب العالمين أن ينصرَه على القوم المفسدين، وهو هنا يشير إلى عنصر آخر من عناصر منهج التدافع بين المصلحين والمفسدين وهو "الدعاء".

- الآية 36 من سورة العنكبوت: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعبُدُوا اللهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلاَ تَعْثَوا فِيْ الأرضِ مُفْسِدِيْنَ﴾ والآية جاءت في سياق دعوة نبي الله شعيب لقومه، وهي تنبيهٌ ثالثٌ من قصة شعيب على سلوكيات الإفساد التي قد يحدث ونقع فيها.

آيات الروم وص وغافر ومحمد والفجر

- الآية 41 من سورة الروم: ﴿ظََهَرَ الفَسادُ في البرِّ والبحرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيْ الناسِ لِيُذِيْقَهم بعضَ الذي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرجعونَ﴾ والآية جاءت بلفظ عام يمكن معه أن نفهم الفساد في البر والبحر، بمعنى أن الفساد ظهر في بيئة البر وبيئة البحر، وهو كل ما يضر بصحة الإنسان ويهلك الحرث والنسل فيهما من ملوثات بسبب جشع الإنسان، وربما ينصرف المعنى أيضًا إلى فساد معنوي سلوكي.

- الآية 28 من سورة ص: ﴿أَمْ نَجعلُ الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ كالمفسدينَ في الأرضِ﴾ والآية هنا تنفي أن يكون جزاءُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند الله في الآخرة كجزاء المفسدين في الأرض.

- الآية 26 من سورة غافر: ﴿وَقَال فرعونُ ذَرُونِي أقتلْ موسَى وَلْيَدْعُ ربَّه إنِّي أخَافُ أن يُبَدِّلَ ديْنَكُم أَوْ أنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ﴾ بقدر ما توحي الآية بكِبْر فرعون في استهزائه بموسى في قوله "وليدع ربه" إلا أن الآية توحي من طرف آخر بمدى العَمَى المثير للسخرية الذي يصيب المتكبرين حين يتصورون أنهم إنما يحاربون المصلحين من أجل ألا يظهر الفساد في الأرض، بينما هم في الحقيقة التي لا يرونها "هم المفسدون".

- الآية 22 من سورة محمد: ﴿فَهَل عسَيْتُم إِنْ تَوَلَّيْتُم أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ والخطاب هنا جاء ليحذر المؤمنين إن هم تولوا عن القتال دفعًا للفساد والمفسدين أن يعودوا إلى أفعالهم الجاهلية بالإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام، ويحذِّرهم في الآية التالية من الجزاء: ﴿أُولئكَ الذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فأَصمَّهم وَأَعْمَى أَبْصَارَهُم﴾ أي المتكبرين المفسدين في الأرض.

- الآيات من سورة الفجر: ﴿وَفِرْعَونَ ذِيْ الأَوْتَادِ* الَّذينَ طَغَوا فِي البلادِ* فَأَكْثَروا فِيها الفَسادَ﴾ والآيات جاءت في سياق تعديد المهلكين والمعذبين من الأمم السابقة (عاد وثمود وفرعون) والذي تجمعهم جميعًا أنهم طغَوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، والآيات هنا تضيف بعد الطغيان كدافع من دوافع الإفساد في الأرض.

تأملات عامة في الإفساد والمفسدين

التأمل العام في الآيات يمكن أن نخرج منه بالملاحظات التالية:

- الحديث في القرآن كله أو جله لا يأتي بذكر الفاسدين أو بتصريفات الفعل "فسد"، بل إنه يتحدث عن المفسدين ويأتي بتصريفات الفعل "أفسد"، بعكس الحال في الصلاح والإصلاح، ربما لأن الفاسدين لا يعرفون إلا أن يكونوا مفسدين، أو لأن المشكلة ليست في فساد الفرد الذي قد ينصلح ولا ينصرف شرُّه إلا لنفسه، بل إن المشكلة حينما يتحول الفساد إلى طاقة إفساد متحركة متغوِّلة.

- الحديث عن الإفساد يأتي في أغلبه حديثًا عن فعل أو سمت جماعي، ويندُر أن يأتي عنه بصيغة المفرد، ومن هنا جاء الحديث عن موالاة الكافرين "المفسدين" بعضهم لبعض كحافز ضروري يدفع المؤمنين المصلحين إلى أن يواليَ بعضُهم بعضًا.

- يواجه المصلحون من المفسدين حربًا إعلاميةً تتجلى في أمرين: ادعاءٌ من المفسدين قيامَهم بالإصلاح، واتهامٌ منهم للمصلحين بالإفساد.

يورد القرآن أنماطًا من أفعال الإفساد ليس على سبيل الحصر وإنما على سبيل الإشارة:

- نقض عهد الله من بعد ميثاقه

- قطْع ما أمر الله به أن يوصل من الأرحام وغيرها

- إهلاك الحرث والنسل: سفك الدماء- قتل النفس بغير نفس

- الحرابة: قطع الطريق والقرصنة

- إيقاد نيران الحروب

- بخس الناس أشياءَهم بالسرقة أو تطفيف الميزان

- الطغيان: تفريق الشعوب شيعًا وأحزابًا، استضعاف طوائف منهم والتنكيل بهم.

- اتباع الترف والإجرام

- تخريب القرى المفتوحة وإذلال أعزة أهلها

- تهديم دور العبادة (الصوامع والبيع والصلوات والمساجد التي يُذكر فيها اسم الله).

- السحر خاصةً عندما يكون في خدمة الكفر والطغيان.

عاقبة الإفساد كما أوردها القرآن

- اللعنة وسوء الدار يوم القيامة

- الإهلاك والعاقبة السيئة في الدنيا

- الخسران في الآخرة والحرمان من جزائها الحسن

- عذاب فوق العذاب في الآخرة

- الفتنة والفساد الكبير الذي يعم الأرض

- أن يذوق المفسدون نتيجة بعض أعمالهم الفاسدة في الدنيا

- ألا يُصلح الله أعمالهم المفسدة

- بُغض الله لهم ولأعمالهم

- الجزاء الدنيوي (حد الحرابة) بالتقتيل والتصليب وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف والنفي من الأرض، كل عقاب منهم بما يكافئ فعل الحرابة المرتكَب.