من تراث الراحل الشيخ عيسى عبد العليم عبد الحميد- من الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين

الملأ في القرآن

عندما رجع المسلمون من غزوة بدر منتصرين، استقبلهم أهل المدينة ودار الحديث عن الغزوة، فقال شاب من شباب الأنصار: عن ماذا تحدثوننا؟! إنا وجدنا عجائز صلعًا فنحرناهم (كأنه يستخف بهؤلاء القوم)، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "هؤلاء هم الملأ.. لو رأيت فعالهم لاحتقرت فعلك".

كلمه الملأ التي ذكرها الرسول- صلى الله عليه وسلم- تشير إلى حقيقة قرآنية يجب أن تكون واضحةً في الأذهان، هؤلاء الملأ هم محنة البشرية في ليلها الطويل، وكلمة الملأ تشير إلى أولئك النفر المتصدرين، أصحاب الحظوة، أصحاب المنافع وأصحاب الشهوات.. إذا تتبعناهم في القرآن نجدهم بالمرصاد لأهل الحق ولرسل الله يتكلمون بمنطق غريب لا يقبله عقل ولا تقره بصيرة.

نوح عليه السلام

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61)﴾ (الأعراف).. المتأمل لهذه الآيات التي تقرر الحوار الذي دار بين سيدنا نوح عليه السلام والملأ من قومه يتضح له اختلاف المنطق، فكلام النبي المرسل كلام واضح يعرضه على قومه عرضًا طيبًا ينبض بالخوف والشفقة عليهم، وهكذا يجب أن يكون أسلوب الداعية إلى الله، وعلى النقيض تجد الملأ يرد عليه بصلف وغرور يرمونه بالضلال المبين!!

هود عليه السلام

نجد نفس منطق الملأ من قوم سيدنا نوح يتبعه الملأ من قوم هود عليه السلام ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنْ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67)﴾ (الأعراف)، ويشبه موقف سيدنا هود موقف أخيه نوح.. مواجهة دعوية هادئة واثقة، لم تهزها الإهانات والاتهامات الموجهة إلى شخص الداعية إلى الله.

شعيب عليه السلام

لا تقتصر مواجهة الملأ على الاتهامات والإهانات، بل تمتد إلى السعي الدؤوب من أجل إخراج الداعين إلى الحق من بلادهم، كما حدث مع سيدنا شعيب- عليه السلام- والذين آمنوا معه: ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)﴾ (الأعراف).

إذن فالملأ لا يريد أن يساكن أهل الحق بمكان واحد، وأن يظل أهل الإيمان بين ظهورهم، ونستنتج من حوار سيدنا شعيب لماذا تكون لهجة أصحاب الدعوات هادئة مطمئنة واثقة؛ لأنهم يعلمون جيدًا أن الأمور كلها لله، وأن مقاليدها بيده وحده لا شريك له.

والمتتبع لآيات الملأ في القرآن الكريم يلحظ عجبًا.. إننا نسمع صوت الملأ عاليًا مدويًا عند التصدي للحق وأصحاب الدعوات، يقابل هذا العلو انخفاض لأصوات العامة أو الشعب (كما نطلق عليهم في العصر الحديث) فلماذا؟! لأن الشرائع السماوية تكف الناس عن الشهوات، وتمنع تسلط بعضهم على بعض، فالملأ لا يتصور أن يعيش بلا شهوات.. بلا أهواء.. بلا تصدر في كل الأمور؛ فكانت النتيجة أنهم يريدون الأديان التي تحد من هذه الشهوات، ونسوا أو تناسوا أن هذه الشرائع غالبة على من سواها؛ لأنها من عند الله خالق البشر الذي جبل الإنسان على الفطرة السليمة التي لا تقبل العيش في مستنقع الشهوات.

موسى وفرعون

نلحظ هذا التناسي في المواجهة التي تمت بمصر بين فرعون وموسى ﴿وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)﴾ (الأعراف) منطق التناسي لله- عز وجل- والاغترار بالقوة المادية يقابله سيدنا موسى بمنطق التحمل والمصابرة، والصبر على الأذى؛ لأنه موقن بأن الأمر سيُحسَم من السماء، وأن الله لا يترك أهل الحق ولا يضيِّعهم.

دور العامة

حين تتم المواجهة بين الحق والباطل يكون صوت الملأ عاليًا مدويًا؛ لأنهم يدافعون عن شهواتهم، ولكن حين تقع الكارثة ويقع انتقام الله فإنه يشمل الجميع، فالتبليغ والإنذار لكل فرد بذاته يشمل الجميع: العامي والمتصدر؛ لذلك كانت نهاية قوم فرعون ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55)﴾ (الزخرف)، ولكن يجب أن يتصدى كل إنسان منا لظلم وتجبر الملأ المتصدرين، ويتم ذلك بألا يكون سلبيًا، وأن يسعى إلى إقامة الحق على نفسه وعلى كل من يستطيع؛ حتى يخرج من دائرة انتقام الله- عز وجل- ولعل هذا يشفع له أمام ربه يوم القيامة.. يوم تكون السطوة لله عز وجل.