إن التدرج في الدعوة والتكاليف، يدل على الرحمة والرأفة بالعباد، وهو أمر له قواعده، ومبدأ أساسي في دعوة الناس لدين الله، حتى يفهموه على قدر عقولهم ويقبلوا عليه بقلوبهم، فضع هذا المبدأ نصب عينيك، وأنت تدعو الناس إلى دين الله، وهكذا كانت خطة القرآن في تغيير واقع الجاهلية الأولى، والحياة الراهنة اليوم أشد تشابكًا وتعقيدًا مما مضى، مما يدفعنا إلى الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم – في دعوته وتدرجه بخطة مدروسة لنأخذ بيد المجتمع إلى مستوى الكمال الإنساني، وقد عالج الرسول – صلى الله عليه وسلم – هذا الأمر حين بدأ بالعقيدة ثم بالسلوك العملي كيف لا؟! وأنت ترى الرحمة والرأفة في كل منحى من مناحي حياته – صلى الله عليه وسلم-.

الأخ الكريم..

إن النفوس تألف الاعوجاج، إذا عاشت فيه دهرًا طويلاً، وتتعود المعاصي وتتصلب تماسكًا بها، وتتمرد عند نقلها وتحويلها مرةً واحدةً، وهنا يكون الرفق والتدرج في حملها على الحق والشرع، مخافة دفعها مرةً واحدةً، فتصير مفسدةً كبيرةً وفتنةً، ويؤيد ذلك قول عائشة :" أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا لا ندع الخمر أبدًا"، لكنه حرم على مراحل، ولا يقصد بالتدرج التملص من بعض الشرع، فكله واجب، لكن المقصود ترجيح المصالح الدائمة على المنقطعة وإلا فستحدث الفتنة والشقاق وهي مفسدة كبيرة، تؤخر إعلان ودوام تطبيق الشريعة.

ومن أدلة الصواب على هذا السلوك، ما كان من الخليفة عمر بن عبد العزيز حيث تولى الحكم بعد مظالم من سبقوه، فتدرج في التغيير شيئًا فشيئًا، لتقبل الأوضاع الجديدة، وتهيئة النفوس التائهة لتقبل الحق، كما نهيئ الطفل للفطام بعد الرضاع. فإن أنت منعته مرةً واحدةً، أصبته بضرر بالغ قد يهلكه، وإن أنت أخذته بالتدرج أعنته في الاعتماد على نفسه.

ومن أدلة الصواب على هذا السلوك ما كان من الخليفة عمر بن عبد العزيز، لما دخل عليه ولده يستعجله بحماسة الشباب مستغربًا من سياسة التأخير قائلاً له: "يا أمير المؤمنين ماذا أنت قائل لربك غدًا؟ فقال أبوه: رحمك الله وجزاك خيرًا يا بنىّ، وإن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدةً عقدةً وعروةً عروةً، ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم، لم آمن إذ يفتقوا علي فتقًا يكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا، أهون على من أن يراق بسببي محجمة من دم، أو ما ترضى ألاّ يأتي على أبيك يوم من الأيام إلا وهو يميت بدعةً ويحيي سُنةً، وقد شهد الحسن البصري له فقال: "ما ورد علينا كتاب من عمر بن عبد العزيز إلا بإحياء سنة، أو إماتة بدعة أو رد مظلمة"، ولم تستغرق مرحلة التدرج التي طبقها عمر سوى عامين سطرت تاريخًا من نور.

الأخ الكريم..

إن التعامل مع النفوس البشرية ودعوتها وتربيتها أمر يحتاج إلى صبر ونفس طويل، لأن كل نفس لها سماتها الخاصة والتعامل مع النفوس لا يحكمها قانون محدد، يسير عليه الإنسان وتنتهي القضية. ولذا فقد تغيرت وتنوعت أساليب النبي – صلى الله عليه وسلم – في نصيحته للناس كل على حسب ميوله وقدراته وبيئته، وهو يعلم أن ثمار الدعوة والنصيحة والتربية قد تتأخر، حتى الأديان السماوية، قد تدرجت فكانت التوراة في شكل نصائح ثم جاء القرآن في أسلوب أعمق وأرحب، وتبيانًا لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين، فضلاً عن نزول القرآن متفرقًا قال تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً) (الإسراء: 106) ولو نزل جملةً واحدةً، لثقلت عليهم التكاليف.

لابد إذن من تغيير النفوس شيئًا فشيئًا، ويبدأ كل منا بنفسه مستخدمًا أسلوب النفس الطويل خطوةً خطوةً مراعيًا ما يأتي:

1- التؤدة والأناة (تأخير البيان):

وهناك حكمة تقول: "لا كل ما يعرف يقال، ولا كل ما جاز قوله جاء زمانه ولا كل ما جاء زمانه جاء أهله ورجاله".

يقول كثير من العلماء بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة والعمل، حتى يستوعب العقل ما يعرض عليه وإلا أصبح فتنةً كما أخبرنا ابن عباس مرفوعًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا تحدثوا أمتي من أحاديثي إلا ما تحمله عقولهم فيكون فتنةً عليهم".

وقد جاء الخطاب بكثير من الفرائض ولكن لم يبينها الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلا عند الحاجة إليها فمثلاً الحجّ فرض ولم يبينه الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلا عند ما حجَّ فقال: "خذوا عنى مناسككم"، ولما فرضت الصلاة لم يبينها إلا بعدما تعلمها من جبريل - عليه السلام - ثم قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".

وفي كلام الناس قد يقول الرجل: لي إليك حاجة مهمة ولا يبين هذه الحاجة، ثم يرسل إليه بالتفصيل.

2- الرحيم بنا يعلمنا:

يقول الإمام الفخر في فقهه عن "طلاق الرجعة" إن الإنسان ما دام مع صاحبه لا يدري هل تشق عليه المفارقة أم لا؟ فإذا فارقه عند ذلك تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لمّا كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، أثبت - تعالى - حق المراجعة بعد المفارقة مرتين وهذا التدرج والترتيب يدل على كمال رحمته - تعالى - ورأفته بعباده "ومن رحمة هذا الدين ما ترجمه الإمام البخاري تحت عنوانه: كتمان بعض العلم خوفًا من الجور والقتل شرط أن يكون هذا العلم ليس من الأحكام" ثم يسوق هذا الحديث الآتي: حدثنا إسماعيل قال حدثني أخي عن ابن ذئب عن سعيد المقنري عن أبى هريرة قال: حفظت من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وعاءين أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر لو بثثته قُطع ذا البلعوم (يعني القتل) وما كتمه هو أسماء أمراء السوء وأحوالهم.

3- مراعاة مقتضى الحال وتعليم الرسول – صلى الله عليه وسلم –:

لو تأملنا إجابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه لتعلمنا فقه الدعوة، وكيف يكون الداعي مراعيًا ظروف المدعو، والحال الذي عليه حتى يخاطب بقلوب فتتأثر بما يقود وتترجم الجوارح هذا القول عملاً خالصًا فهذا رجل يسأل النبي – صلى الله عليه وسلم – أي الإسلام أفضل؟ فيقول له: من سلم المسلمون من لسانه ويده، ويسأله آخر أي الإسلام خير؟ فيقول: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف، فالأول تحذير لمن خشي منه الإيذاء بيد أو لسان فأرشده إلى الكف وفي الثاني ترغيب من رجى فيه النفع العام بالفعل والقول يرشد إلى ذلك فضلاً عن الحاجة الماسة لهذه الخصال في هذا الوقت وليس من التوفيق أن تعطي المريض جرعة الدواء دفعةً واحدةً، لكن كما حدد الطبيب تدرجًا حتى يكون الشفاء بإذن الله.

الأخ الكريم..

من فقه الدعوة أن تسمع لقول علىّ – رضي الله عنه – "حدثوا الناس بما يعرفون أي يفهمون" وزاد في رواية "ودعوا ما ينكرون" أي يشتبه عليهم فهمه، وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، كما قال ابن مسعود – رضي الله عنه -: "ما أنت محدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان إلى بعضهم فتنةً" أخرجه مسلم.

فاجتنب ما يتسرع الناس إلى إنكاره وما يجلب الضرر عليهم وقدم الأهم فالمهم، تدفع المفسدة وتجلب المصلحة، ألا ترى – بعد هذا كله – أننا في حاجة ماسة إلى تطبيق هذا المبدأ المهمم في زماننا؛كي نحقق الإصلاح المرجو؛ لنصل إلى الغاية المنشودة، موغلين برفق، داعين بحكمة مقتدين بالسلف الصالح لنسود كما سادوا، وترتفع راية الإسلام.