شنت الأجهزة الأمنية في المملكة الأردنية، خلال الأيام الماضية، حملة اعتقالات طالت عددًا من قيادات حزب "العمل الإسلامي" الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما أثار موجة استنكار وغضب بين الإسلاميين والمنظمات الحقوقية ودعاة الحرية والديمقراطية.
وبحسب بيان أصدرته لجنة الحريات في الحزب الذي يملك 15 نائبًا في البرلمان من أصل 130 نائبًا، فإن السلطات اعتقلت على مدار الأيام الماضية خمسة من القيادات والناشطين، هم: منير عقل، وسلمان المساعيد، ومقداد الشيخ، وعادل الدردساوي، وماجد الشراري، قبل أن يتم الإفراج عن الأخير.
وأدان بيان لجنة الحريات بالحزب هذه الحملة، وطالب رئيس اللجنة المحامي عبد القادر الخطيب بالإفراج الفوري عن المعتقلين، ووقف ما وصفه بسياسة الاعتقال التعسفي بحق الناشطين السياسيين والحراكيين؛ كما استنكر منع وفد لجنة الحريات في الحزب من زيارة المعتقلين للحصول على وكالات للدفاع عنهم.
وأضاف الخطيب: "إننا في لجنة الحريات ندين هذه الاعتقالات التعسفية وما تخللها من مداهمة منازل المعتقلين في وقت متأخر من الليل، وانتهاك حرمتها، وترهيب الأطفال والنساء، في ممارسة تخالف القانون والدستور وتكرس العقلية العرفية ضمن سياسة تكميم الأفواه والتضييق على الحريات".
وبحسب الخطيب، فإن الجهات الأمنية لم تكشف عن أسباب هذه الحملة، ولم تقدم السلطات أي لائحة اتهام لهم بعد، ولم يصدر عن السلطات الأردنية أي تعليق على اعتقال قيادات وناشطين في حزب جبهة العمل الإسلامي.
بدورها، استنكرت نقابة الممرضين الأردنيين اعتقال نقيب الممرضين الأسبق، منير عقل، وعضو مجلس النقابة الأسبق سلمان المساعيد، من دون إبداء الأسباب، مطالبة بالإفراج الفوري عنهما، وإحالة القضية على القضاء المدني.
وجاء في بيان نقابة الممرضين والممرضات والقابلات القانونيات أنّ النقابة تابعت بكل استغراب الطريقة التي تم فيها "اعتقال الزميلين عضوي نقابة الممرضين النقيب الأسبق الدكتور منير عقل وعضو المجلس الأسبق سلمان المساعيد دون إبداء الأسباب الموجبة للاعتقال وجهة الاعتقال ومداهمة بيتي الزميلين وتفتيشهما بطريقة مدانة".
وأضاف بيان النقابة بأن ما سبق تم "على الرغم من أن الزميلين لهما مساهمتها الواضحة في العمل الإجتماعي الوطني وزميلنا الدكتور منير عقل هو رئيس لجنة الإرشاد الأسري لدائرة قاضي القضاة".
وكانت مصادر من عائلة أحد المعتقلين كشفت - بحسب وكالة قدس الإخبارية - عن أنّ جهاز المخابرات الأردنية نفذ حملة اعتقالات في منطقة عين الباشا المتاخمة لمخيم البقعة شمال غرب العاصمة عمان، وشملت الحملة نقيب الممرضين الأردنيين الأسبق د. منير عقل وعضو المجلس السابق سلمان المساعيد، وأضافت المصادر بأنّ المداهمة تمت في تمام الساعة 12 مساءً، واستمرت عملية التفتيش ساعتين قبل إحالتهما إلى مبنى المخابرات الأردنية في ضاحية الجندويل غرب عمان.
محطات العلاقة بين الجماعة والقصر
وخلال مرحلة ما بعد انقلاب 3 يوليو في مصر مرت العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والقصر الملكي الأردني بعدة محطات بين التقارب والتباعد، فمع حملة القمع والتشويه التي شنّتها حكومات السعودية والإمارات ومصر لم تستجب الأردن للضغوط التي مورست عليها لوضع الإخوان في الأردن على لوائح الإرهاب، وفي 2014 صرح العاهل الأردني، مدعيًا أن الجماعة تسلقت على أكتاف الربيع العربي ما أثار استهجانًا من هذه المزاعم.
لكن القصر شنّ حملة شعواء على الجماعة، في فبراير 2016؛ حيث منع الانتخابات الداخلية للجماعة، ورغم ذلك فازت الجماعة وأنصارها بالأغلبية في انتخابات نقابة المعلمين في مارس 2016م. والتي تعد إحدى أكبر النقابات المهنية في البلاد.
في أعقاب ذلك، صعدت الحكومة الأردنية من إجراءاتها ضد الجماعة وصادرت بعض مقارها، وعلى رأسها المقر العام للجماعة، ولم يمنع ذلك حزب العمل الإسلامي من الدخول في الانتخابات النيابية والمحلية حيث حقق نتائج جيدة تؤكد حجم الانتشار الشعبي للحزب والجماعة بالفوز بـ15 مقعدا من أصل 130 هي جملة عدد المجلس.
وفي التجربة الأولى لانتخابات مجالس البلديات والمحافظات في 2017م حسب القانون الجديد للبلديات وصلت نسبة المشاركة إلى 30.7% حسب الهيئة المستقلة للانتخابات، فقد استطاع الإسلاميون الفوز بـ25 مقعدًا من مجالس المحافظات اللامركزية من أصل 48 مقعدًا تقدموا لها، أي بنسبة 52% في ثماني محافظات أردنية.
كما فازت قائمة الإسلاميين التي سمّيت قائمة التحالف الوطني للإصلاح وضمّت متحالفين ومستقيلين مناصرين ومؤيدين؛ بخمسة مقاعد من أصل 12 مقعدًا في العاصمة عمّان، ليكون عدد الفائزين - بحسب بيان رسمي من التحالف - 76 من أصل 154 مرشحا بينهم 11 سيدة.
وفي يوليو 2017م، أكد وزير الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية وقتها محمد المومني أن للأردن خصوصيته في التعامل مع ملف جماعة الإخوان المسلمين، وأضاف المومني - في حوار مع صحيفة (الغد) الأردنية أن التعامل الأردني مع ملف الجماعة يأتي انطلاقًا من تشريعات وقوانين ومسار سياسي تتمتع به المملكة، و"يختلف عن بعض الدول الشقيقة والصديقة"، بحسب قوله.
الملك يستقبل وفد "كتلة الإصلاح"
لكن المحطة الأهم على الإطلاق كانت في أبريل 2019م، حيث استقبل العاهل الأردني بشكل مفاجئ، وفي خطوة تاريخية غير مسبوقة، وفد كتلة "الإصلاح" البرلمانية التي تمثل جماعة الإخوان المسلمين في مجلس النواب، في البلاط الملكي الأردني.. هذه الخطوة الملكية تعتبر الأولى بعد قطيعة استمرت 10 أعوام، وبحسب مراقبين جاءت برهانًا على أن المملكة تقيم العلاقة مع الجماعة من جديد في ظل تقييم مواقفها عمومًا مع كل من قطر وتركيا، وربما فيما بعد حركة حماس، كمحاولة جادة على المستويين الداخلي والخارجي لمواجهة تداعيات "صفقة القرن" الأمريكية.
هذا التحرك الملكي وقبله خطوات حكومية اعتبرها مراقبون رسائل محلية وإقليمية عاجلة، جاءت نتيجة تنامي الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تدفع الأردن نحو مفترق طرق.
وأمام هذه المحطات تثير حملة الاعتقالات الأخيرة سلسلة من التساؤلات حول الهدف منها، وما الرسائل التي تحملها في ظل سياق إقليمي مرتبك وملتبس تسعى فيه الأردن إلى عدم تصنيفها إقليميًا مع أو ضد الإسلاميين؛ بحسب قراءة مواقفها خلال السنوات الماضية.